الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن ضحكة في الملتقى ثم سكتة
…
وكلتاهما عندي ألذّ من الخلد
57- عزّة الميلاء
«1»
وضرة الظبية الكحلاء، كان بيتها مأوى كل شريف، ومثوى كل ظريف، ونديّ كل ذي كلف نزح به الغرام، وقرح جفنه وأدماه حب الآرام، أقامت بالمدينة وفتية قريش تغشى معهدها المعمور، وترى مشهدها من مهمات الأمور، وأدركت من الأول السلف قوما شرفت برؤياهم، ولزمت [ص 147] بهم، ومن لطوالع الشموس بأن تلحق بأخراهم.
قال أبو الفرج، قال يونس: كان ابن سريج في حداثته يأتي المدينة فيسمع من عزّة ويتعلم غناءها، وكان إذا سئل: من أحسن الناس غناء؟ قال: مولاة الأنصار المفضلة على كل من غنّى وضرب بالمعازف والعيدان، من الرجال والنساء.
وكان عبد الله بن جعفر وابن أبي عتيق وعمر بن أبي ربيعة، يغشونها في منزلها فتغنيهم، وغنت يوما عمر بن أبي ربيعة لحنا لها في شيء من شعره، فشقّ ثيابه، وصاح صيحة عظيمة صعق منها، فلما أفاق قال له القوم: لغيرك الجهل يا أبا الخطاب، قال: إني سمعت والله ما لم أملك به نفسي ولا عقلي.
قال خارجة بن زيد: دعينا إلى مأدبة في آل نبيط فحضرتها وحسان بن ثابت، فجلسنا معا على المائدة، وهو يومئذ قد ذهب بصره، ومعه ابنه عبد الرحمن، وكان إذا أتي بطعام سأل: أطعام يد أو يدين؟ يعني باليد الثريد، وباليدين الشواء، إلا أنه يمسّ مسّا، فإذا قيل له طعام يد أكل، وإذا قيل «1» يدين أمسك يده، فلما فرغوا من الطعام أتي بجاريتين مغنيتين إحداهما رائعة والأخرى عزّة، فجلستا وأخذتا مزهريهما وضربتا ضربا عجبا بقول حسان:«2» [المنسرح]
انظر نهارا بباب جلّق هل
…
تؤنس دون البلقاء من أحد
فأسمع حسان يقول: (قد أراني هناك سميعا بصيرا) ، وعيناه تدمعان، فإذا سكتتا سكت عنه البكاء، فإذا غنتا بكت، فكنت أرى ابنه عبد الرحمن إذا سكت يشير إليهما أن تغنيا فيبكي أباه.
قال: كان بالمدينة رجل ناسك من أهل العلم والفقه، وكان يغشى عبد الله بن جعفر «3» ، فسمع جارية لبعض النخاسين تغني:[البسيط]
بانت سعاد فأمسى حبلها انقطعا
فاستهتر «4» بها وهام، وترك ما كان عليه، حتى مشى إليه عطاء «5»
وطاوس «1» فلاماه، فكان جوابه أن تمثّل بقول [ص 148] الشاعر:«2» [البسيط]
يلومني فيك أقوام أجالسهم
…
فما أبالي أطار النّوم أم وقعا
وبلغ عبد الله بن جعفر خبره، فبعث إليه النخاس، فاعترض الجارية، وسمع غناءها بهذا الصوت، وقال لها: ممن أخذته، فقالت: من عزّة الميلاء، فابتاعها بأربعين ألف درهم، ثم بعث إلى الرجل، فسأله عن خبره، فأعلمه إياه وصدقه عنه، فقال: أتحب أن تسمع هذا الصوت ممن أخذت عنه تلك الجارية، قال:
نعم، فدعا بعزة الميلاء وقال: غنّيه إياه، فغنّته، فصعق الرجل، وخرّ مغشيا عليه، فقال ابن جعفر: أثمنا فيه، الماء الماء، فنضح على وجهه، فلما أفاق قال: أكل هذا بلغ بك عشقها؟ فقال: وما خفي عليّ أكثر، قال: أتحب أن تسمع منها، قال: قد رأيت ما نالني حين سمعته من غيرها، فكيف يكون حالي إن سمعته منها، وأنا لا أقدر على ملكها، قال: أفتعرفها إن رأيتها؟ قال: أو أعرف غيرها! فأمر بها فأخرجت، وقال: خذها فهي لك، والله ما نظرت إليها إلا من عرض، فقبل الرجل يديه ورجليه، وقال: أنمت عيني، وأحييت نفسي، وتركتني أعيش بين قومي، ورددت إليّ عقلي، ودعا له دعاء كثيرا، فقال: ما أرضى أن أعطيها هكذا، يا غلام: احمل معه مثل ثمنها لكي تهتم بك، وتهتم بها.