الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنها أيضا له والشعر والغناء في السيكاه: [الوافر]
عليل الشّوق فيك متى يصحّ
…
وسكران بحبّك كيف يصحو
وأعجب أن يكون له شفاء
…
فؤاد من لحاظك فيه جرح
وبين القلب والسلوان حرب
…
وبين الجفن والعبرات صلح
مزحت بحبّكم يا صاح جهلا
…
وكم جلب السّقام عليّ مزح
139- ومنهم- الخروف
من ندماء الملك المنصور صاحب جماعة ومغانيه، واهل الحظوة الذي لم يكن فيها أحد يدانيه، والنجب الذي أدناه من صاحب البخت لبلوغ أمانيه، وكان من نجوم مجلسه الطالعة، وغصون حضرته اليانعة، وجلساء مدامه وأخصاء ندامه، وكان سري الخلائق يدمث عطف النسيم، ويبعث النشوة في شمائل النديم، أصله من مدينة درع «1» ، وقدم دمشق وبرع، وعدّى المنتهين في الغناء من أول شرع، وكان جلاء البصر، وسراج هم الخاطر إذا انحصر، خدم البيت الأيوبي واقتاد بهم الخط الأبي، ومن أصواته:[ص 317][الكامل]
إن غاض دمعك والركاب تساق
…
مع ما بقلبك فهو منك نفاق
لا تحبسن ماء الجفون فإنّه
…
لك يا لديغ هواهم درياق
واحذر مصاحبة العذول فإنّه
…
مغر وظاهر عذله «2» إشفاق
لا يبعدن زمن مضت أيّامه
…
وعلى متون غصونها أوراق
أيام نرجسنا العيون ووردنا
…
غضّ الخدود وخمرنا الأرياق «3»
فلئن بكت عيني دما شوقا إلى
…
ذاك الزمان فمثله يشتاق
والشعر للشريف البياضي.
وحكى لي أبو جعفر بن غانم أنه حضر مجلس صاحب حماة، وهو مخيم ببارين»
في زمن الربيع وقد أطلع بدائع النور وتجلى بسوابغ الأنهار، والروض قد فك عنه حجز الغمام، والنسيم قد مشى في جوانبه مسبل الأكمام، وأمر بالمغاني فأحضروا وفيهم الخروف ووجهه باسر يلوح يكلح، ولبه ذاهب كأنه ما جاء ليغني وإنما قد قدم ليذبح، فقال له: ما هذا الذي أراه بك؟ أهذا لمفارقة حماة أم لشيء لدينا تتحاماه؟ أما تنظر إلى فسيح هذا الفضاء، وإلى هذا الجو وقد موّه بالفضة البيضاء؟
والخروف مطرق كأنه يرى السكين في يد الذابح، والنار تشب في زناد القادح، لهوى كان عقده بحماة «2» جديدا، وفارقه وإن لم تكن النوى رمت به مكانا بعيدا، ثم لم يطل به السكوت، ولم «3» يتمادى لسانه في اعتقاد الصموت، حتى اندفع يغني صوتا عمله لوقته، ونطق به وخرج من عهدة صمته، وهو:[الكامل]
قسما بأيام التداني ولذة ال
…
وصال وإني في يميني صادق «4»
ما سرّ قلبي مذ نأيت ولاحلا
…
لي العيش واللذات منّي طالق
وأنّي أرى هنا الفضاء الذي أرى
…
فسيحا علينا بعدكم متضايق
وما سرّ قلبي الروض يزهر حسنه
…
وأني كفيتم عاشق ومفارق
فطرب صاحب حماة حتى مال، وسأله أن يطلعه على حقيقة ما قال، فقص عليه [ص 318] خبره مع شجنة وما جلبه فراقها عليه من حزن، وسأله: لمن
الشعر؟ فقال: والله لا أعرف، ولكنه شيء أحفظه، فلما عاينت من ذكرك الموت جاء على خاطري، فصنعت فيه هذا الصوت، فقال: والله حسن جميل ما صنعت وإن مساعدتك لتعين، ثم أصبح فقوض خيامه عائدا، ثم دام له على هواه مساعدا، ثم أمر له بصلة سنية وزاد في راتبه.
وحكي أن صاحب حماة جلس ليلة على نهر العاصي «1» ، والقمر مبدر، والليل قد أصحر أسده المخدر، والمجرة قد كاثرت المجلس بأكوابها، والظلماء قد لعبت أشعة البدر بأثوابها، والصهباء قد ذهّبت شبح الظلام، والأبارق قد شبت شعل ذلك الضرام، فاستدعى في ذلك المجلس الأسنى، واقترح عليه صوتا فيه:«2» [البسيط]
قم فانتصف من صروف الدهر والنّوب
…
واجمع بكأسك [شمل] اللهو والطّرب
أما ترى الليل قد قامت عساكره
…
في الشرق ينشر أعلاما من الذهب
والجوّ يختال في حجب ممسّكة
…
كأنما البرق فيها قلب ذي رعب
فاخلع عذارك واشرب قهوة مزجت
…
بقهوة الرفقة المعسولة الشّنب
والشعر للسري الرفاء.
ومن أصواته المشهورة: [الطويل]
ترى علمت وجدي بها ربّة الخال
…
ومن قلبها من شغل قلبي بها خالي
ومن أنا صبّ في هواها متيّم
…
وما كنت منها قطّ يوما على بال
تنوّرتها كالبدر أدنى مزارها
…
فؤادي وما أدناه لي المنظر العالي «3»
والشعر لشيخنا أبي الثناء محمود الحلبي:
ومن أصواته: «1» [الطويل]
أقول وقد ناحت بقربي حمامة
…
أيا جارتا هل بات حالك حالي
معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى
…
ولا خطرت منك الهموم ببالي
أتحمل محزون الفؤاد قوادم
…
على غصن نائي المسافة عال «2»
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا
…
تعالي أقاسمك الهموم تعالي
تعالي ترى روحا لديّ ضعيفة
…
تردّد في جسم يعذّب بالي
لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة
…
ولكنّ دمعي في الشدائد غال
[ص 319]
والشعر لأبي فراس بن حمدان.
وحكي أنه كان يوما بين يديه في خاصة من ندمائه، إذ أقبل غلام كالبدر في سمائه، قد شد وسطه ببند «3» قطع بين خصره وردفه، ومنع بين الواصف ووصفه، وطرفه قد سجى، وغرته تحت طرته صبح في دجى، وعذاره في خده قد شق في الورد بنفسجا، فجاء حتى وقف بإزائه، والوجد به قد أضرم الجوانح، وهاج الولع بالظباء السوانح، فلم يبق إلا من أنشد شعرا نظمه واستشهد به، وذكر حسن ذلك الغزال السانح من سربه [و]«4» الخروف مطرق في فكر، يسبح في لججه «5» وذكر، لما ينطق به لسان حججه، حتى صاغ لحنا، واندفع فيه يغني:[الكامل]
قسما بطرّته وحسن عذاره
…
وبما حواه الخصر من زنّاره
وبحسن وجنته وضوء جبينه
…
وببدر تمّ لاح من أزراره
وبوعده وبصدّه وبغدره
…
وبقرب جفوته وبعد مزاره
لأخالفنّ عواذلي في حبّه
…
مهما استطعت ولو صليت بناره
والشعر مجهول.
ومن أصواته التي اقترح عليه الغناء فيها: [الكامل]
أنصفته من مهجتي لو أنصفا
…
ووددت لو راعى ودادي أو وفى
وطمعت مغترّا بجوهر ثغره
…
فصفا وكدّر من حياتي ما صفا
خادعته بحديث لين قوامه
…
فسطا وهزّ عليّ منه مثقفا
فذهبت من يده إلى أجفانه
…
فرقا وسلّ عليّ منها مرهفا
والشعر للجلال ابن الصفّار المارديني، ومن هذه القطعة تلو الصوت:
[الكامل]
كالبدر أعيت حسنه وهيبته
…
لي وجنتيه أن يكون مشنّفا «1»
وكفته خمرة ريقه ورضابه
…
فكفته أن يرد العقار القرقفا
أرأيت خدا لا يزيد تلهّبا
…
فيزيدني إلا عليه تلهّفا
أم هل سمعت بمن شكا حرق الهوى
…
مثلي فداو النار بالنار اشتفى
رشأ رشيقا ظلّ يحذف خصره
…
ردفا عتا فقضى له أن يضعفا «2»
يا نسمة ضمنت تعطّف قدّه
…
هلا مررت بقدّه فتعطّفا
أحببته متجنبا ووددته
…
متجنّيا وعشقته متعفّفا
[ص 320]
فاخترت للجسم الضّنى وجعلت لل
…
قلب الفنا ورضيت منه بالجفا
ومن أصواته المعروفة له: [البسيط]
من منصفي من هلال يخضع القمر الس
…
اري له وغزال يصرع الأسدا
لم لا يخاف العدا أسياف ناظره
…
وقد رأوا سالفيه ألبسا زردا
وكيف لا في الهوى ينحلّ عزمهم
…
وبنده فوق ذاك الخصر قد عقدا
يا من حكى الصّعدة السّمراء قامته
…
كم قد تنفّس فيك العاشق الصّعدا
والشعر لابن الدجاجية الدمشقي.
ومن أصواته: [الكامل]
أشذاكم عند الصباح يفوح
…
أم نشر ليلى قد طوته الرّيح؟
ملنا فكلّ من تأرّج عرفه
…
نشوان فوق مطيّة مطروح؟
فكأنّما دارت علينا في السّرى
…
كأس على نغم الحداة طفوح
أنسيم ليلى هل مررت على الحمى
…
ليلا وليلى في الديار يروح؟
والشعر لبعض نصارى ماردين «1»
ومن أصواته: «2» [الكامل]
طللّ لعلوة دون سفح محجّر
…
روّته ديمة كلّ غيث ممطر
وسرت عليه نسيمة معتلّة
…
عن غير طيّب نشره لم ينشر
حتّى تسهّم برده بمقضّب
…
ومخضّب ومدرهم ومدنّر
ربع علقت به وغصن شبيبتي
…
نضر وفودي ليله لم يقمر «1»
والشعر للشهاب التلعفري.
ومن قطعة ألزم فيها عدم الإلف وتمامها: [الكامل]
لله عصر شبيبة قضيته
…
في جوّه برحيق صرف مسكر
مع كلّ معتدل بريح صعدة
…
من قدّه ويدير مقلة جؤذر
ورشيقة ممشوقة لو نصبت «2»
…
للبدر ليلة تمّه لم يسفر
خود تريك سقيم جفن لم يكن
…
عن قتل صبّ مغرم مثلي بري
تحمي مقبّله بطرف سهمه
…
يصمي به عن غير قوس مؤثر
يفترّ عن ثغر نضيد نوره
…
حفّت حقيقته بسمطي جوهر
وانظر إلى هذه القطعة التي كأنها من قطع الروض [ص 321] المرقع في عنفوان زمن الربيع، وكيف جاءت مع هذا الالتزام خفيفة الموقع، قريبة من الخاطر، لا ترى الكلفة «3» عليها ولا تتطرق للاستهجان.
وكذلك من أصواته في شعر ابن الحجاج، وحكي أن الملك المنصور صاحب حماة استصحبه معه إلى مصر في بعض سفراته إليها، فحضر يوما يغنيه، وقد حضر عنده أبو الحسين الجزار الشاعر، واندفع الخروف يغني صوتا أوله:[الوافر]
مريق دمي وسالب نوم عيني
وطفق «4» يردده ويكرره، فقال له الجزار: لك الأمان يا شيخ أحمد، فضحك
صاحب حماة ومن حضر.
قلت: ولم يقع إليّ من هذا الصوت غير ما ذكرت.
حكي أنه كان مع صاحب حماة على مجلس الشراب وهم ببلاد بارين «1» ، والربيع قد سحب بردائه على الثرى، والسحاب قد أودع في ثغور الأقاح جوهرا، والنسيم قد هب من تحت أعكان «2» الليل معنبرا «3» ، والروض قد أخذ زخرفه، والنور قد نظم أحرفه، والبدر قد طرح تاجه، وألبس الشمس شرفه، والراح قد راقت كأنها وجه حبيب، وطابت كأنها غفلة رقيب، والمدام قد أديرت في عسجدية، والكؤوس قد رقت في تلك الصفحة الندية، والسقاة كأنها أقمار توشحت الجوزاء مناديل، والأصداغ كأنها محاريب اشتعلت فيها الخدود قناديل، فاقترح عليه الغناء في شعر خمري يناسب ذلك المقام، ويحث به سوابق كبنت تلك المدام، فاندفع يغني:[البسيط]
والكأس تسلبني عقلي وأهون ما
…
لهوت عن ذكره عقلي إذا سلبا
خمرا تمشّي بناني وهي فوق يدي
…
منها بمثل شعاع الشمس مختضبا
شربتها غير مخمور ولو طلب ال
…
خمّار روحي بها أعطيت ما طلبا
وأربح الناس عندي في تجارته
…
محصّل يشتري بالفضّة الذّهبا
ومن أصوات الخروف: [الطويل]
إذا لم تكن تنهي إلى غيرك الشكوى
…
فما ثمّ إلا الصّبر فيك على البلوى
[ص 322]