الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يا فؤادي فازدجر عنه ويا
…
عبث الحبّ به فاقعد وقم
105- ومنهم، فضل اليماميّة
«1»
جارية المتوكل وهي المعروفة بفضل الشاعرة، أجلّ أن تكون أخت الخنساء، أو تقع في تخت أحد من الرؤساء، جارت الفحول وجبذت «2» وقيدتهم الوحول «3» ، ومهرت في القريض، وحبّرت «4» منه الروض الأريض، وعلقت فيه القرناء، وقد ذكرها صاحب كتاب الإماء «5» قال: كانت من مولدات البصرة، وبها نشأت، وذكر محمد بن داود أنها عبدية، وكانت تزعم أن أمها علقت بها من مولى لها من عبد القيس، وأنه مات وهي حامل بها، فباعها ابنه فولدت بعد بيعها واسترقت، وكانت سمراء حسنة الوجه والقد والجسم، شكلة حلوة أديبة فصيحة سريعة الهاجس، حادة الخاطر، مطبوعة في الشعر متقدمة فيه، وكانت تجلس في مجلس المتوكل على كرسي وتقارض الشعراء الشعر بحضوره، فألقى عليها يوما أبو دلف [العجلي]«6» [الكامل]
قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم
…
أشهى المطي إلي مالم يركب
كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة
…
لبست وحبة لؤلؤ لم تثقب
فأجابته بديها:»
[الكامل]
للناس أهواء ولذة بعضهم
…
وهواه في الأمر الذي لم يصعب
ويرى سواه يحب بكرا كاعبا
…
كم بين بكر في القياس وثيب
وكتب إليها بعض من كان يحضرها: «2» [الطويل]
ألا ليت شعري أنت هل تذكرينني
…
فذكرك في الدنيا إلي حبيب
[ص 283]
وهل لي نصيب في فؤادك ثابت
…
كما لك عندي في الفؤاد نصيب
فلست بمتروك فأحيا بزورة
…
ولا النفس عند اليأس عنك تطيب «3»
فكتبت إليه: «4» [الطويل]
نعم وإلهي إنني بك صبة
…
فهل أنت يا من لا عدمت مثيب «5»
لمن أنت منه في الفؤاد مصوّر
…
وفي العين نصب العين حين تغيب
فثق بفؤاد أنت تظهر مثله
…
على أن بي سقما وأنت طبيب
وقال علي بن يحيى: دخلت على المتوكل يوما، فدفع إليّ رقعة وأمرني بقراءتها، فإذا فيها:«1» [مجزوء الرمل]
قد بدا شبهك يامو
…
لاي يحدو بالظلام
فأجب نقض لبانا
…
ت اعتناق والتزام
قبل أن تفضحنا عو
…
دة أرواح النيام
قلت: مليح والله قائلها، لمن هو؟ قال: وعدتني فضل البارحة على أن أبيت معها، فسكرت سكرا شديدا منعني من التيقظ لها، فلما أصبحت وجدت رقعتها في كمي، والشعر لها وهو بخطها.
وروى أبو هفان عن رجل قال: خرجت قبيحة «2» على المتوكل في يوم نيروز «3» وفي يدها كأس من بلور فيه شراب صاف، فقال: ما هذا؟ فقالت:
هديتي إليك في هذا اليوم، عرفك الله يمنه، فشربه وقبّل خدّها، فقالت فضل:«4» [السريع]
سلافة كالقمر الباهر
…
في قدح كالكوكب الزاهر
يديرها خشف كبدر الدجى
…
فوق قضيب أهيف ناضر
على فتى أروع من هاشم
…
مثل الحسام المرهف الباتر
وحكى أحمد بن أبي طاهر قال: ألقى بعض أصحابنا على فضل: «1» [الطويل]
ومستفتح باب البلاء بنظرة
…
تزّود منها قلبه حسرة الدّهر
فقالت: «2» [الطويل]
فو الله ما يدري أيدري بما جنت
…
على قلبه أم أهلكته وما يدري
[ص 284]
وحكى أبو يوسف الضرير قال: صرت أنا وأبو منصور الباخرزي «3» إلى فضل الشاعرة، فحجبنا عنها، وما علمت بنا، ثم بلغها خبرنا بعد انصرافنا، فكتبت إلينا تعتذر:«4» [الطويل]
وما كنت أخشى أن ترى لي زلّة
…
ولكّن أمر الله ما عنه مهرب
أعوذ بحسن الصّفح منكم وقبلنا
…
بعفو وصفح ما تعوّذ مذنب «5»
فكتب إليها أبو منصور [الباخرزي]«6» [الطويل]
لئن أهديت عتباك لي ولإخوتي
…
لمثلك يا فضل الفضائل تعتب
إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه
…
وكل امرئ لا يقبل العذر مذنب
وحكى عليّ بن الجهم قال: كنت يوما عند فضل الشاعرة فلحظتها لحظة استرابت بها، فقالت:«1» [الرجز]
يا ربّ رام حسن تعرّضه
…
يرمي ولا يشعر أنّي غرضه
فقلت: «2» [الرجز]
أيّ فتى عهدك ليس يمرضه
…
وأيّ عهد محكم لا ينقضه «3»
فضحكت وقالت: خذ في غير هذا الحديث.
ومن شعرها ما كتبت إلى سعيد بن حميد، فكان منهما ما كان:«4» [الكامل]
الصّبر ينقص والسّقام يزيد
…
والدّار دانية وأنت بعيد
أشكوك أم أشكو إليك فإنّه
…
لا يستطيع سواهما المجهود
وكتبت: «5» [الطويل]
وعيشك لو صرحت باسمك في الهوى
…
لأقصرت عن أشياء في الجد والهزل
ولكنني أبدي لهذا مودة
…
وذاك وأخلو منك خلوة ذي خبل
مخافة أن يغرى بنا قول كاشح
…
عدوا فيسعى بالصدود على الوصل
فكتبت إليها: «1» [الطويل]
تنامين عن ليلي وأسهره وحدي
…
وأنهى جفوني أن تبثك ما عندي
فإن كنت لا تدرين ما قد فعلته
…
بنا فانظري ماذا على قاتل العمد
[ص 285]
وحكى القاسم بن زرزر «2» قال: قصد سعيد [بن حميد العراق] لحمى نالته، فسألتني فضل أن أساعدها أنا وعريب، في المضي إليه للسلام عليه، وأهدت إليه هدايا فيها ألف جدي وألف دجاجة فائقة وألف طبق فاكهة، وطيب كثير وشراب وتحف حسان، فكتب إليها سعيد: إن سروري لا يتم إلا بحضورك، فجاءته في آخر النهار، وجلسنا نشرب، واستأذن غلامه بنان، فأذن له فدخل إلينا وهو يومئذ شاب طرير «3» حسن الوجه، حسن الغناء، سريّ الملبوس كثير العطر شكل «4» ، فذهب بفضل كل مذهب، وبان ذلك في إقبالها عليه، وتحققها به، فتنمر سعيد واستطير غضبا، وتبين ذلك لبنان فانصرف، وأخذ سعيد يعذلها ساعة ويوبخها تارة ويزيد في تأنيبها، وهي تعتذر منه، ثم سكت، فكتبت إليه