المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌67- إسحاق الموصلي - مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - جـ ١٠

[ابن فضل الله العمري]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌وصف مخطوطة الكتاب:

- ‌الكتاب ومنهج مؤلفه:

- ‌منهج التحقيق:

- ‌[مقدمة المؤلف]

- ‌[تراجم اهل الموسيقى]

- ‌1- ابن محرز

- ‌2- ابن عائشة

- ‌3- حنين الحيري

- ‌4- الغريض

- ‌5- طويس

- ‌6- يزيد حوراء

- ‌7- عبد الرّحمن الدّفّاف

- ‌8- ابن مسجح

- ‌9- عطرّد

- ‌10- الأبجر

- ‌11- فريدة

- ‌12- الدّلال

- ‌13- أبو سعيد مولى فائد

- ‌14- فليح بن أبي العوراء

- ‌15- الهذلي

- ‌16- مالك بن [أبي] السّمح

- ‌17- دحمان الأشقر

- ‌18- سياط

- ‌19- ابن جامع

- ‌20- جميلة

- ‌21- معبد

- ‌22- ابن سريج

- ‌23- أبو كامل

- ‌24- إسماعيل بن الهربذ

- ‌25- أبو دلف العجلي»

- ‌26- البردان

- ‌27- سائب خاثر

- ‌29- متيّم الهشاميّة

- ‌30- سلّامة القسّ

- ‌31- عبيد الله بن عبد الله بن طاهر

- ‌32- محمّد بن الحارث بن بسخنّر

- ‌33- عبد الله بن طاهر

- ‌34- معبد اليقطيني

- ‌35- محمد الزّف

- ‌36- عثعث

- ‌37- بصبص جارية ابن نفيس

- ‌38- الزّرقاء جارية ابن رامين

- ‌39- حبّابة جارية يزيد بن عبد الملك

- ‌41- هاشم بن سليمان

- ‌42- عمرو بانة

- ‌43- وجه القرعة

- ‌44- شارية

- ‌45- خليدة المكيّة

- ‌46- عمرو الميداني

- ‌47- أشعب الطّامع

- ‌48- يونس الكاتب

- ‌49- أحمد النّصبيّ

- ‌50- سليم

- ‌52- يحيى المكّي

- ‌53- حكم الوادي

- ‌54- عمر الوادي

- ‌55- أحمد بن يحيى المكّي

- ‌56- بذل

- ‌57- عزّة الميلاء

- ‌58- فند مولى عائشة

- ‌59- دنانير البرمكيّة

- ‌60- الزّبير بن دحمان

- ‌61- ومنهم- عبد الله بن العبّاس

- ‌62- أبو صدقة

- ‌63- عمرو بن أبي الكنّات

- ‌64- خليلان المعلّم

- ‌65- عبيدة الطّنبوريّة

- ‌66- أبو حشيشة

- ‌67- إسحاق الموصلي

- ‌69- عليّة بنت المهدي

- ‌70- ومنهم- أبو عيسى

- ‌71- علّويه

- ‌72- ومنهم- مخارق

- ‌73- عريب جارية المأمون

- ‌74- إبراهيم الموصلي

- ‌75- أبو زكّار

- ‌76- ومنهم دليل الطّنبوري

- ‌77- عليّ بن يحيى المنجّم

- ‌78- ومنهم- زرفل بن إخليج [ص 255]

- ‌79- ومنهم- إسرائيل العوّاد

- ‌80- ومنهم، طريف بن معلّى الهاشمي

- ‌81- ومنهم، تحفة جارية المعتز

- ‌82- ومنهم- إسحاق المنجّم

- ‌83- ومنهم- ابن العلّاف نديم المعتضد

- ‌84- ومنهم- مؤدّب الرّاضي

- ‌85- ومنهم- أبو سعد بن بشر

- ‌86- ومنهم- مسكين بن صدقة

- ‌87- ومنهم- بديع بن محسن

- ‌89- ومنهم- معمر بن قطامي

- ‌90- ومنهم- تحفة جارية أبي محمّد [ص 269]

- ‌91- تحفة؟؟؟ جارية أبي يعقوب

- ‌92- ومنهم- أبو العزّ العوّاد

- ‌93- ومنهم- عين الزّمان أبو القاسم

- ‌94- ومنهم- أبو العبيس بن حمدون

- ‌95- ومنهم- جيداء جارية سيف الدّولة

- ‌96- ومنهم- القاسم بن زرزر

- ‌97- ومنهم- عليّ بن منصور الهاشميّ

- ‌98- ومنهم- كردم بن معبد

- ‌99- ومنهم- أحمد بن أسامة النّصبيّ

- ‌100- ومنهم- وشيحة

- ‌101- ومنهم- إسرائيل اليهوديّ

- ‌102- ومنهم- يحيى جارية أبي محمّد المهلّبي

- ‌103- ومنهم- عنان جارية النّطافيّ

- ‌104- دنانير جارية محمّد بن كناسة

- ‌105- ومنهم، فضل اليماميّة

- ‌106- ومنهم- تيماء جارية خزيمة بن خازم

- ‌108- ومنهم- فنون جارية يحيى بن معاذ

- ‌109- ومنهم- صرف جارية أمّ حصين

- ‌110- ومنهم- نسيم جارية أحمد بن يوسف الكاتب

- ‌111- ومنهم- عارم جارية وليهدة النخاس

- ‌112- ومنهم- سلمى اليماميّة

- ‌113- ومنهم- مراد جارية عليّ بن هشام

- ‌114- ومنهم- متيّم الهشاميّة

- ‌115- سمراء وهيلانة

- ‌116- ومنهم- ظلوم جارية محمّد بن مسلم

- ‌118- ومنهم- ريّا وظمياء

- ‌119- ومنهم- بنان جارية المتوكّل

- ‌120- ومنهم- ريّا جارية إسحاق [الموصلي]

- ‌121- ومنهم- محبوبة جارية المتوكّل

- ‌122- ومنهم- أمل جارية قرين النّخّاس

- ‌123- ومنهم- رابعة جارية إسحاق بن إبراهيم الموصليّ

- ‌124- ومنهم- قاسم جارية ابن طرخان

- ‌125- ومنهم- مها جارية عريب

- ‌127- ومنهم- مثل جارية إبراهيم بن المدبّر

- ‌128- ومنهم-[نبت جارية مخفرانة]

- ‌129- ومنهم- صاحب جارية ابن طرخان النخاس

- ‌130-[ومنهم جلّنار جارية أخت راشد بن إسحاق الكوفي الكاتب]

- ‌131- ومنهم- خنساء البرمكيّة

- ‌132-[ومنهم خزامى جارية الضبط المغني]

- ‌133- ومنهم- صدقة بن محمّد

- ‌134- ومنهم- الحسين بن الحسن

- ‌135- ومنهم-[ياقوت المستعصميّ]

- ‌136- عبد المؤمن بن يوسف

- ‌137- ومنهم- لحاظ المغنّية

- ‌138- ومنهم- الثّوني

- ‌139- ومنهم- الخروف

- ‌140- ومنهم- محمّد بن غرّة

- ‌141- ومنهم- القاضي محمّد العوّاد

- ‌142- ومنهم- الدّهمان محمّد بن عليّ بن عمر المازني

- ‌143- ومنهم- الكمال التّوريزي

- ‌144- ومنهم- محمّد بن الكسب

- ‌145- ومنهم- الكتيلة

- ‌146- ومنهم- خالد

- ‌147- ومنهم- السّهروردي شمس الدّين

- ‌148- ومنهم- الشّمس الكرمي

- ‌149- ومنهم- يحيى الغريب الواسطيّ المشيب

- ‌150- ومنهم- حسن التاي

- ‌151- ومنهم- السّيلكو

- ‌152- ومنهم- البدر الأربلي

- ‌153- ومنهم- التّاج بن الكنديّ

- ‌154- ومنهم- خواجا أبو بكر النّوروزي

- ‌155- ومنهم- علاء الدّين دهن الحصا

- ‌156- ومنهم- نظام الدّين يحيى بن الحكيم

- ‌157- ومنهم- كمال الدّين محمّد بن البرهان الصّوفي

- ‌158- ومنهم- حسين بن عليّ المطريّ العزاويّ

- ‌159- ومنهم- عزيز جارية الحكم بن هشام

- ‌160- ومنهم- عزيز جارية الحكم بن هشام

- ‌161- ومنهم- بهجة جارية الحكم

- ‌162- ومنهم- مهجة جارية الحكم

- ‌163- ومنهم- فاتن جارية الحكم

- ‌164- فاتك جارية الحكم بن هشام

- ‌165- ومنهم- أفلح الرّباني

- ‌166- ومنهم- رغد جارية المغيرة بن الحكم

- ‌167- ومنهم- سليم مولى المغيرة بن الحكم

- ‌168- ومنهم- وضيح بن عبد الأعلى

- ‌169- ومنهم- ابن سعيد كامل

- ‌170- ومنهم- حصن بن عبد بن زياد

- ‌171- ومنهم- ساعدة بن بريم

- ‌172- ومنهم- سعد المجدّع

- ‌173- رداح جارية عبد الرّحمن [ص 394]

- ‌174- ومنهم- خليد مولى الأدارسة

- ‌175- ومنهم- سعدى جارية المعتمد بن عبّاد

- ‌176- ومنهم- ميمون الجوهريّ [أو الجهوريّ]

- ‌177- ومنهم- طريف بن عبد الله السّميع القابسيّ

- ‌178- ومنهم- زيد الغناء بن المعلّى

- ‌179- ومنهم- جارية تميم

- ‌181- ومنهم- أبو عبد الله اللالجي

- ‌182- ومنهم- ناطقة جارية الزّاعوني

- ‌183- ومنهم- بديع جارية المحلميّ

- ‌184- ومنهم- صافية جارية بدر أمير الجيوش

- ‌185- ومنهم- عيناء جارية بدر أمير الجيوش

- ‌186- ومنهم- مغنّي الصّالح بن رزّيك

- ‌187- ومنهم- سرور جارية العزيز

- ‌188- ومنهم- فنون العادليّة

- ‌189- ومنهم- عجيبة مغنّية الكامل

- ‌190- ومنهم- الكركيّة

- ‌191- ومنهم- الزّركشي أبو عبد الله

- ‌192- ومنهم- ابن كرّ أبو عبد الله

- ‌ملحق بالمصطلحات الموسيقية

- ‌مصطلحات الموسيقا العربية القديمة

- ‌أوتار العود وما يتعلق بها:

- ‌أسماء النوتات العربية وما يقابلها في النوتات العالمية التي استعملها اللاذقي في كتاب الرسالة الفتحية

- ‌الدوائر النغمية المشهورة ولكل دائرة لها نغماتها المعروفة لدى الموسيقيين وهي اثنتا عشرة دائرة هي:

- ‌ويتفرع من الأواز ستة أنغام:

- ‌المقامات وصلتها بالأبراج وتأثيراتها:

- ‌الإيقاعات الموسيقية القديمة وعددها اثنا عشر وهي:

- ‌الإيقاعات عند المتأخرين وعددها عشرون إيقاعا وهي:

- ‌أسماء المقامات وما يتصل بها ومعانيها باللغة الفارسية:

- ‌المصادر والمراجع:

- ‌مصادر التحقيق

- ‌فهرس الموضوعات

الفصل: ‌67- إسحاق الموصلي

فغنيته إياه، ولم يزل يطلب مني صوتا بعد صوت من صنعتي فأغنيه ويستعيده، ويشرب هو والرجل، وأسقى بالأنصاف المختوتة «1» إلى أن صلوا العشاء [ص 168] الآخرة، ثم أومأ إلى الخادم فقمت، فقال لي صاحب القباء منهما: أتعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا إسحاق بن إبراهيم الطاهري، وهذا محمد ابن أسد الخناق، والله لا بلغني أنك تقول رأيتني لأضربنّ عنقك، انصرف، وخرجت، ودفع الخادم ثلاث مئة دينار، فجهدت أن يقبل منها شيئا على سبيل البرّ، فلم يفعل.

‌67- إسحاق الموصلي

«2»

رجل تعقد عليه الخناصر، ويعتد عليه الناصر، علم منوع ويمّ لا يخلو من الإخلاطة بكل مشرع، أخذ من كل فن ظرفا، وعلا على كل فضل شرفا، حتى كان يعدّ القضاء وناظر العلماء، وأبكى بغلبة الجفون دماء، وكان يربأ بنفسه إلى أن يدخل على الخلفاء مع أهل الفقه، ويختلط بهذا الشبه، وبرع في الأدب وأفانينه، وغنى بالشعر وتحسينه، وخلف وراءه السباق، وفي حسن نظمه وتحسينه، وحلّ من الرشيد فمن بعده من الخلفاء محل الأصفياء، وفازوا منه

ص: 285

بالوفاء، وفاز هو بما تجلى له منهم من موارد الصفاء، وكانوا يرونه القلب الذي يسع سرورهم، والشباب الذي يحسن غرورهم، وأيامه مطويات إلى بلوغ آرابه، وسبوغ النعمة فيما زنده أورى به، هذا إلى عفاف تشهد به المضاجع، وكرم وخير وتقدم في أول وأخير، ونفس ما أشربت حب الحرام ولا اشرأبت إلى غير اختلاف الكرام.

قال أبو الفرج، قال إسحاق: بقيت زمانا من دهري أغلّس «1» كل يوم إلى هشيم، ثم أصير إلى الكسائي وأقرأ عليه جزءا من القرآن، وآتي الفرّاء فأقرأ عليه أيضا، ثم آتي منصور زلزل فيضاربني طرقين «2» أو ثلاثة، ثم آتي عاتكة بنت شهدة فآخذ منها صوتا أو صوتين، ثم آتي الأصمعي فأناشده، وآتي أبا عبيدة فأذاكره، ثم أصير إلى أبي فأعلمه ما صنعت، ومن لقيت، وما أخذت، وأتغدى معه، فإذا كان العشاء رحت إلى الرشيد.

قال إسحاق: دعاني المأمون يوما فسألني عن صوت، فقال: أتدري من صنعه، فقلت: أسمعه، ثم أخبر أمير المؤمنين بذلك إن شاء الله تعالى، فأمر جارية من جواريه وراء الستارة، فغنت وضربت [ص 169][فإذا] هي قد شبهته بالقديم، فقلت: زدني معها عودا آخر، فإنه أثبت لي، فزادني عودا آخر، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا الصوت محدث لامرأة ضاربة، فقال: من أين قلت ذلك؟ فقلت لما سمعته وسمعت لينه، عرفت أنه من صنعة النساء، ولما رأيت جودة مقاطعه، علمت أن صاحبته ضاربة وقد حفظت مقاطعه وأجزاءه، ثم طلبت عودا آخر فلم أشك، قال: صدقت، الغناء لعريب.

ص: 286

قال إسحاق بن إبراهيم الظاهري، حدثتني مخارق مولاتنا قالت: كان لمولانا الذي علمني الغناء فراش رومي، وكان يغني بالرومية صوتا مليح اللحن، فقال لي مولاي: يا مخارق، خذي هذا اللحن الرومي فانقليه إلى شعر صوت من أصوات العربية حتى أمتحن به إسحاق الموصلي فأعلم أين يقع من معرفته، ففعلت ذلك، فصار إليه إسحاق فأجلسه، وبعث إليّ مولاي أن أدخلي اللحن الرومي في وسط غنائك، فغنيته إياه في درج أصوات مرت [قبله] ، فأصغى إليه إسحاق وجعل يتفهمه ويقسمه ويتفقد أوزانه، فقال: هذا الصوت رومي اللحن، فمن أين وقع إليك؟، فكان مولاي بعد ذلك يقول: ما رأيت شيئا أعجب من استخراجه لحنا روميا لا يعرفه، ولا العلة فيه، وقد نقل إلى غناء عربي، وامتزجت نغمته، حتى عرفه ولم يخف عليه.

قال: تناظر المغنون يوما عند الواثق، فذكروا الضرّاب وحذقهم، فقدم إسحاق ربربا «1» على ملاحظ، ولملاحظ الرياسة في ذلك عليهم جميعهم، فقال لهم الواثق: هذا حيف وتعدّ منك، فقال إسحاق: يا أمير المؤمنين، اجمع بينهما وامتحنهما، فإن الأمر سينكشف لك فيهما، قال: فأمر بهما فأحضرا، قال له إسحاق: إن للضراب أصواتا معروفة، فامتحنهما بشيء منها، قال: أجل أفعل، فسمّى ثلاثة أصوات كان أولها:«2» [السريع]

علّق قلبي ظبية السّيب

ص: 287

فضربنا عليه فتقدم ربرب وقصر عنه ملاحظ، فعجب الواثق من كشفه لما ادّعاه في مجلس واحد، فقال له ملاحظ [ص 170] : ما باله يا أمير المؤمنين يحيلك على الناس، ولم لا يضرب هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه لم يكن أحد في زماني أضرب مني، إلا أنكم أعفيتموني، فتفلّت مني، على أنّ معي بقية لا يتعلق بها أحد من هذه الطبقة، ثم قال: يا ملاحظ: شوش عودك وهاته، ففعل ذلك ملاحظ، قال إسحاق: يا أمير المؤمنين، هذا خلط الأوتار خلط متعنت، فهو لا يألو ما أفسدها، ثم أخذ العود فجسه ساعة حتى عرف مواضعه، وقال: يا ملاحظ «1» ، غنّ أيّ صوت شئت فغنى ملاحظ، فضرب عليه إسحاق بذلك العود الفاسد التسوية، فلم يخرج عن لحنه في موضع واحد حتى استوفاه، عن تقوية «2» واحدة، ويده تصعد وتنحدر على الدساتين «3» ، فقال له الواثق: لا والله ما رأيت مثلك قط، ولا سمعت به، اطرح هذا على الجواري، فقال:

هيهات يا أمير المؤمنين، هذا شيء لا تفي به الجواري، ولا يصلح لهن، وإنما بلغني أنّ الفهليذ ضرب يوما بين يدي كسرى أبرويز فأحسن، فحسده رجل من حذّاق صنعته، فترقبه حتى قام لبعض شأنه، ثم خالفه إلى عوده فشوّش بعض أوتاره، فرجع فضرب وهو لا يدري، والملوك لا تصلح في مجالسها العيدان، فلم يزل يضرب بذلك العود الفاسد، إلى أن فرغ، ثم [قام] على رجله فأخبر الملك بالقصة، فامتحن العود فعرف ما فيه، فقال: زه زه وزهان زه «4» ، ووصله بالصلة التي كان يصل بها من خاطبه بهذه المخاطبة، فلما تواترت الروايات بهذا، أخذت

ص: 288

نفسي بها، ورضتها عليه، وقلت: لا ينبغي أن يكون الفهليذ أقوى على هذا مني، فمازلت أستنبط بضع عشرة سنة حتى لم يبق في الأوتار موضع على طبقة من الطبقات، إلا وأنا أعرف نغمته كم هي، والمواضع التي يخرج النغم كلها منها، وهذا شيء لا تفي به الجواري، فقال له الواثق: لعمري لقد صدقت، ولئن متّ لتموتنّ هذه الصناعة بموتك، وأمر له بثلاثين ألف درهم.

قال: إسحاق: دعاني [المأمون وعنده]«1» إبراهيم بن المهدي، وفي مجلسه عشرون جارية، وقد أجلس عشرا عن يمينه، وعشرا عن يساره، ومعهن العيدان، فلما دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأ فأنكرته، فقال المأمون: يا إسحاق، أتسمع خطأ؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، مر الجواري اللواتي في الناحية اليمنى [ص 171] يمسكن، فأمرهن فأمسكن، فقلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟

فقال: [ما] هاهنا خطأ، فقلت: يا أمير المؤمنين يمسكن وتضرب الثامنة، فأمسكن وضربت الثامنة، فعرف إبراهيم الخطأ، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ها هنا خطأ، فقال المأمون عند ذلك لإبراهيم بن المهدي: لا تمار إسحاق بعدها، فإن رجلا «2» يعرف الخطأ بما بين وتر وعشرين لجدير أن لا تماريه، فقال: صدقت يا أمير المؤمنين.

قال أحمد بن حمدون: سمعت الواثق يقول: ما غنّاني إسحاق قط إلا ظننت أنه قد زيد لي في ملكي، ولا سمعته يغني غناء ابن سريج إلا ظننت أن ابن سريج قد نشر، وأنه ليحضرني غيره إذا لم يكن حاضرا فيتقدمه عندي بطيب الصوت، حتى إذا اجتمعا عندي رأيت إسحاق يعلو، ورأيت غيره ينقص، وإن إسحاق

ص: 289

لنعمة من نعم الملوك التي لم يحظ أحد بمثلها، ولو أن العمرو الشباب والنشاط مما يشترى لاشتريتهنّ بشطر ملكي.

قال ابن المنجم: سأل إسحاق الموصلي المأمون أن يكون دخوله إليه مع أهل الرواية والعلم لا مع المغنين، فإذا أراد الغناء غناه، فأجابه إلى ذلك، ثم سأله بعد ذلك أن يأذن له في الدخول مع الفقهاء، فأذن له، ثم سأله أن يأذن له في لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة، فقال ولا كل هذا يا إسحاق، وقد اشتريت منك هذه المسألة بمائة ألف درهم.

قال: وكان معه جماعة من المغنين يحضرون عند الواثق، وعيدانهم معهم، إلا إسحاق، فإنه كان يحضر بلا عود للشرب والمجالسة، فإذا أراد الخليفة أن يغني له، أحضر له عودا، فإذا غنى وفرغ شيل من بين يديه، إلى أن يطلبه، وكان الواثق يكنيه «1» ، وكان إذا غنى وفرغ الواثق من شرب قدحه، قطع الغناء، فلم يعد منه حرفا، إلا أن يكون في بعض بيت فيتمه، ثم يقطع ويضع العود من يده.

قال: كان إبراهيم يأكل المغنين أكلا، حتى إذا حضر إسحاق فيداريه إبراهيم ويطلب مناقبه، ولا يدع إسحاق تبكيته ومعارضته، وكان إسحاق [ص 172] آفته، كما لكل شيء آفة.

قال محمد بن راشد الجنان «2» : سألني إسحاق أن أصير إلى إبراهيم بن المهدي، وقال: قل له أسألك عن شيء، فإذا قال لك: سل، قل له أخبرني عن قولك:«3» [الطويل]

ص: 290

ذهبت من الدنيا وقد ذهبت مني

أي شيء كان معنى صنعتك فيه، وأنت تعلم أنه لا يجوز في غنائك الذي صنعته إلا أن تقول:(ذهبتو) بالواو، فإن قلت (ذهبت) ولم تمدها تقطع اللحن، وإن مددتها قبح الكلام، وصار مثل كلام النبط، فقال له: يا أبا محمد، كيف أخاطب إبراهيم بهذا؟ فقال: هي حاجتي إليك، وقد كلفتك إياها، قال:

فأتيت إبراهيم وجلست عنده وتحادثنا إلى أن جئنا إلى ذكر الغناء، فذكرت له ما قال إسحاق، فتغير لونه وانكسر، وقال: يا محمد، ليس هذا من كلامك، هذا من كلام الجرمقاني «1» ، قل له عني: أنتم تصنعون هذا للصناعة، ونحن نصنع هذا للهو واللعب والعبث.

قال يحيى بن محمد الظاهري، قال حدثني ينشو مولى أبي أحمد بن الرشيد قال: اشتراني مولاي أبو أحمد بن الرشيد واشترى معي رفيقي يحموما، ودفعنا إلى وكيل له أعجميّ خراساني، وقال له: انحدر بهذين الغلامين إلى بغداد إلى إسحاق الموصلي، وادفع إليه مئة ألف درهم وشهريا «2» بسرجه ولجامه وثلاثة ادراج «3» فضة مملوءة طيبا، وسبعة تخوت «4» وشي كوفي، وثلاثين ألف درهم للنفقة، وقال للرسول: عرّف إسحاق أن هذين الغلامين لرجل من وجوه العرب

ص: 291

أهل خراسان، وجّه بهما إليه ليتفضل عليه بتعليمهما أصواتا اختارها وكتبها له في الدرج، وقال له: كلما علمهما صوتا فادفع إليه ألف درهم حتى يتعلما بها مئة صوت، فإذا علمهما الصوتين اللذين بعد المئة فادفع إليه الشهري، ثم إذا علمهما الثلاثة التي بعد الصوتين، فادفع إليه لكل صوت درجا من الأدراج، ثم لكل صوتين بعد ذلك تختا وسفطا، حتى ينفد ما بعثت به معك، ففعل وانحدر بنا إلى بغداد، واتينا إسحاق فغنّينا بحضرته، وأبلغه الوكيل الرسالة، فلم يزل يلقي [ص 173] علينا الأصوات حتى أخذناها كما أمر سيدنا، ثم صرنا إلى (سرّ من رأى) ، فدخلنا عليه وغنيناه جميع ما أخذناه فسرّ بذلك.

وقدم إسحاق من بغداد إلى سر من رأى، فلقيه مولانا فدعا بنا وأوصانا بما أراد، وغدا بنا إلى الواثق، وقال: إنكما ستريان إسحاق بين يديه، فلا توهماه أنكما رأيتماه قط، وألبسنا أقبية «1» خراسانية ومضينا معه إلى الواثق، فلما دخلنا عليه قال له سيدي: هذان غلامان اشتريا لي من خراسان يغنيان بالفارسية، فقال: غنيا، فضربنا ضربا فارسيا، وغنينا غناء فهليذيا، فطرب الواثق وقال: احسنتما، فهل تغنيان بالعربية؟ قلنا: نعم، واندفعنا فغنيناه ما أخذنا من إسحاق، وإسحاق ينظر إلينا، ونتغافل حتى غنيناه اصواتا من غنائه، فقام إسحاق وقال: وحياتك وبيعتك وإلا فكل مملوك لي حر، وكل مال لي صدقة، إن لم يكن هذان الغلامان من تعليمي، ومن قصتهم كيت وكيت، فقام أبو أحمد وقال للواثق ما أدري ما يقول هذا، إني اشتريتهما من رجل نخّاس خراساني، [فقال له] من أين يجيد تلك الأغاني؟ فضحك أبو أحمد وقال للواثق، صدق والله، أنا احتلت عليه، ولو رمت بأن أعلمهما ما أخذاه منه إذا علم أنهما لي بأضعاف ما أعطيته ما فعل، فقال له إسحاق قد تمت عليّ حيلته يا أمير المؤمنين.

ص: 292

قال: كنت عند الرشيد فقال: يا إسحاق تغن: «1» [الوافر]

شربت مدامّة وسقيت أخرى

وراح المنتشون وما انتشيت

فغنيته فأقبل عليّ إبراهيم بن المهدي وقال لي: ما أصبت يا إسحاق، «2» فقلت له: ليس هذا مما تحسنه أنت، ولا تعرفه، وإن شئت فغنّه، فإن لم أجدك تخطئ فيه منذ ابتدائك إلى انتهائك فدمي حلال، ثم أقبلت على الرشيد وقلت: يا أمير المؤمنين، هذه صناعتي وصناعة أبي التي قربتني منك واستخدمتنا لك، وأوطأتنا بساطك، وإذا نازعنا أحد فلا نجد بدا من الإيضاح والذب «3» ، فقال: لا غرو ولا لوم عليك، وقام الرشيد ليبول، فأقبل إبراهيم بن المهدي عليّ وقال: ويحك [ص 174] يا إسحاق، وتجترئ عليّ وتقول لي ما قلت يا ابن الزانية؟ فدخلني مالم أملك نفسي معه، وقلت له: أنت تشتمني ولا أقدر على إجابتك، وأنت ابن الخليفة ثم أخو الخليفة، ولولا ذلك لكنت أقول لك يا بن الزانية كما قلت لي، ولكن قولي في ذمك ينصرف إلى خالك الأعلم «4» ، ولولاك لذكرت صناعته ومذهبه، قال إسحاق: وكان بيطارا، قال: وسكت إبراهيم، وعلمت أنه يشكوني إلى الرشيد، وأن الرشيد سوف يسأل من حضر عما جرى فيخبرونه، ثم قلت له: أتظن أن الخلافة تصير إليك فلا تزال تهددني بذلك، وتعادي سائر أولياء أخيك حسدا له ولولده على الأمر، وإن تضعف عنه وعنهم فتستخف بأوليائهم تشفيا، وإني أرجو ألا يخرجها الله عن الرشيد وولده، وأن يقتلك دونها، فإن صارت إليك- وبالله العياذ- فحرام عليّ العيش حينئذ، والموت أطيب من الحياة معك، واصنع حينئذ ما بدا لك، فلما خرج

ص: 293

الرشيد وثب إبراهيم فجلس بين يديه، وقال: يا أمير المؤمنين، شتمني وذكر أمي واستخفّ بي، فغضب الرشيد، وقال لي: ما تقول ويلك؟ فقلت: لا أعلم، سل من حضر، فأقبل على مسرور وحسين «1» ، فسألهما عن القصة، فجعلا يخبرانه، ووجهه يتربد «2» ، إلى أن انتهيا إلى ذكر الخلافة فسرى عنه ورجع، وقال لإبراهيم: ماله ذنب شتمته فعرفك أنه لا يقدر على جوابك، ارجع إلى مكانك وأمسك عن هذا، فلما انقضى المجلس وخرج الناس، أمر أن لا أبرح، وخرج كل من حضر حتى لم يبق غيري، فساء ظنّي وهمتني نفسي، فقال: ويحك، يا إسحاق، أتراني لا أعرف وقائعك، قد والله زنيته «3» دفعات ويحك لا تعد ويلك، حدثني عنك، لو ضربك إبراهيم، أكنت أقتص لك منه فأضربه وهو أخي، يا جاهل أتراه لو أمر غلمانه فقتلوك، أكنت أقتله بك، فقلت: قد والله قتلتني يا أمير المؤمنين بهذا الكلام، ولئن بلغه ليقتلني، وما أشكّ في أنّه قد بلغه الان، فصاح بمسرور وقال: علي بإبراهيم الساعة، وقال لي: قم فانصرف، فقلت لجماعة من الخدام وكلهم [كان] لي محبا وإلي مائلا: أخبروني بما يجري، فأخبروني من غد أنه لما دخل عليه وبخه وجهله، وقال له: تستخف بخادمي وبصنيعتي ونديمي وابن خادمي وصنيعتي [ص 175] وصنيعة أبي، وتقدم علي وتضع في مجلسي؟ هاه هاه! تقدم على هذا وأمثاله وأنت أنت مالك والغناء؟، وما يدريك ما هو؟ ومن أخذك به وطارحك إيّاه حتى تظن أنك تبلغ منه مبلغ إسحاق الذي غذّي به وهو صناعته، ثم تظن أنك تخطئه فيما لا تدريه، ويدعوك إلى إقامة الحجة عليك، فلا تثبت لذلك وتعتصم منه بشتمه، أليس

ص: 294

هذا مما يدل على السقوط وضعف العقل وسوء الأدب من دخولك فيما لا يشبهك، ثم إظهارك إيّاه ولم تحكمه وادعائك ما لا تعلمه حتى ينسبك الناس إلى إفراط الجهل، وألا تعلم- ويحك- أن هذا سوء الأدب وقلة معرفة ومبالاة بالخطإ والتكذيب والرد القبيح؟ ثم قال له: والله العظيم وحق رسوله الكريم: وإلا فأنا نفيّ لأبي إن أصابه سوء أو سقط من دابته، أو سقط عليه سقفه، أو مات فجأة لأقتلنك، فو الله والله والله، وأنت أعلم، فلا تعرض له، قم الآن فاخرج، فخرج وقد كاد يموت، فلما كان بعد ذلك دخلت عليه وإبراهيم عنده، فأعرضت عنه، وجعل ينظر إليه مرة وإليّ أخرى ويضحك، ثم قال له: إني لأعلم محبتك لإسحاق وميلك إليه وإليّ الأخذ عنه، وأن هذا لا يجيئك من قبله إلا أن يرضى، والرضا لا يكون بمكروه، ولكن أحسن إليه وأكرمه واعرف قدره وحقه وصله، فإذا فعلت ذلك ثم خالف ما تهواه عاقبته بيد منبسطة ولسان منطلق، ثم قال لي: قم إلى مولاك وابن مولاك فقبّل رأسه، فقمت إليه وأصلح الرشيد بيننا.

قال إسحاق: لما أراد الفضل بن يحيى الخروج إلى خراسان، ودعته ثم أنشدت:

«1» [المتقارب]

فراقك مثل فراق الحياة

وفقدك مثل افتقاد النّعم

عليك السّلام فكم من وفاء

أفارق منك وكم من كرم

قال: فضمني إليه، وأمر لي بألف دينار، وقال لي: يا أبا محمد، لو حليت هذين البيتين بصنعة، وأودعتهما بعض من يصلح من الخارجين معنا، لأهديت لي بذلك أنسا وأذكرتني نفسك، ففعلت ذلك وطرحته على بعض المغنين وكان

ص: 295

كتابه لا يزال يرد [ص 176] عليّ ومعه ألف دينار وألفا دينار يصلني بذلك كلّما غني بهذا الصوت.

قال أحمد بن يحيى المكي: دعاني الفضل بن الربيع، ودعا علوية ومخارقا، وذلك في أيام المأمون بعد رجوعه له ورضاه عنه، فلما اجتمعنا عنده كتب إلى إسحاق الموصلي يسأله أن يصير إليه ويعلمه الحال في اجتماعنا عنده: فكتب إليه: لا تنتظروني في الأكل، فإني قد أكلت، وأنا أصير إليكم بعد ساعة، فأكلنا وجلسنا نشرب، حتى قربت صلاة العصر، ثم وافى إسحاق وجاء غلامه بقطرميز «1» نبيذ فوضعه ناحية، وأمر صاحب الشراب بإسقائه منه، وكان علوية يغني الفضل صوتا اقترحه عليه وأعجبه، وهو:«2» [الطويل]

فإن تعجبي أو تبصري الدّهر ضمّني

بأحداثه ضمّ المقصّص بالجلم «3»

فقد أترك الأضياف تندى رحالهم

وأكرمهم بالنّحض والنّاصل الشّبم «4»

فقال: أخطأت يا أبا الحسن في قسمة هذا الصوت، وأنا أصلحه لك، فجن علوية واغتاظ وقامت قيامته، فأقبل عليه إسحاق وقال: يا حبيبي، ما أردت الوضع منك بما قلت لك، وإنما أردت تهذيبك وتقويمك لأنك منسوب في الصواب والخطأ إلى أبي وإليّ، فإن كرهت ذلك تركتك وقلت لك أحسنت وأجملت، فقال له علوية، والله ما هذا أردت [ولا أردت] إلا ما لا تتركه أبدا من سوء عشرتك، أخبرني عنك حين تجيء هذا الوقت لما دعاك الأمير وعرفك أنه نشط للاصطباح، ما حملك على الترفع من مباركته وخدمته؟ أمن شغل؟ فما

ص: 296

يشغلك عنه شيء إلا الخليفة، ثم تجيئه معك قطرميز نبيذ ترفعا عن شرابه، كما ترفعت عن طعامه ومجالسته؟ وترى أنك تجيئه كما تشتهي حتى تبسطكما الأكفاء، ثم تعمد إلى صوت وقد اشتهاه واقترحه وسمعه جميع من حضر، فما عابه أحد فعبته، ليتم تنغيصك إياه لذته، والله لو أن الفضل بن يحيى وأخاه جعفرا، لا والله، بل بعض أتباعهم دعاك إلى مثل ما دعاك إليه الأمير، لبادرت وباكرت وما تأخرت ولا اعتذرت، قال: وأمسك الفضل [عن الجواب] إعجابا بما خاطب [به] علويه إسحاق، قال له [ص 177] إسحاق: أما ما ذكرته من تأخري إلى الوقت الذي حضرت فيه، فهو يعلم أني لا أتأخر عنه إلا بعائق قاطع، إن وثق بذلك مني وإلا ذكرت الحجة سرا من حيث لا يكون لك فيه مدخل، واما ترفعي عنه، فكيف اترفّع عنه وأنا أنتسب إلى صنائعه واستمنحه، وأعيش في فضله منذ كنت، وهذا تضريب «1» منك لا أبالي به، وأمّا حملي النبيذ معي، فإن لي في النبيذ شربا من طعمه إن لم أجده لم أقدر على ذلك الشرب منه، وينغص علي يومي أجمع، وإنما حملته ليتم نشاطي وينتفع بي، وأما طعني على ما أختاره، فإني لم أطعن على اختياره، وإنما أردت تقويمك، ولست والله تراني متتبعا لك بعد اليوم، ولا مقوما شيئا من خطاياك، وأنا أغني له- أعزه الله «2» - هذا الصوت، فيعلم وتعلم ويعلم من حضر أنك قد أخطأته «3» وقصرت فيه، وأما البرامكة وملازمتي لهم فأشهر من أن أجحده، وذلك والله أقل ما يستحقونه مني، ثم أقبل على الفضل- وقد غاظه في مدحه لهم- فقال: اسمع مني شيئا أخبرك به فيما فعلوه بي، ليس هو كثيرا في صنائعهم عندي ولا عند أبي، فإن وجدت لي في ذلك عذرا وإلا فلم: كنت مع ابتداء أمري نازلا مع أبي في داره،

ص: 297

فكان لا يزال يجري بين غلماني وغلمانه، وجواري وجواريه الخصومة، كما تجري بين هذه الطبقات، فيشكونهم إليه، فأتبين الضجر في وجهه، فاستأجرت دارا واسعة، فلم أرض ما معي من الآلات لها لمن يدخل إليّ من إخواني، أن يرى مثله عندي، وفكرت في ذلك وكيف أصنع فيه، وزاد فكري حتى خطر بقلبي فتح الأحدوثة من نزول مثلي في داره بأجرة، وإني لا آمن في وقت أن يستأذن «1» عليّ، وعندي بعض الرؤساء والأصدقاء الذين احتشمهم ولا يعلمون حالي، فيقال: صاحب دارك، أو يوجه في وقت فيطلب أجرة الدار وعندي من أستحشمه، فضاق بذلك صدري ضيقا عظيما: حتى جاوز الحد، فأمرت غلامي بأن يسرج لي حمارا كان عندي لأمضي إلى الصحراء أتفرج فيها، مما دخل إلى قلبي، فأسرجه وركبت برداء ونعل، فأفضى بي المسير وأنا مفكر لا أميز الطرق التي أسلك فيها، وهجم بي على باب [ص 178] يحيى ابن خالد، فوثب غلمانه إليّ وقالوا: أين هذا الطريق؟ فقلت: إلى الوزير، فدخلوا فاستأذنوا وخرج إليّ الحاجب فأمرني بالدخول، وبقيت خجلا، قد وقعت في أمرين قبيحين، إذ دخلت عليه برداء ونعل، وأعلمته أني قد قصدته في تلك الحال كان سوء أدب، وإن قلت له أين كنت مجتازا ولم أقصدك فجعلتك طريقا، كان قبيحا، ثم عزمت على صدقه، فلما رآني تبسم وقال: ما هذا الزي يا أبا محمد، احتسبنا لك بالبر والقصد والتفقد، ثم علمنا أنك جعلتنا طريقا، فقلت: لا والله أيّها الوزير، ولكني أصدقك، قال: هات، فأخبرته بالقصة من أوّلها إلى آخرها، فقال: هذا حق مستو، أفهذا شغل قلبك، قلت: أي والله، وزاد فقال: لا تشغل قلبك بهذا، يا غلام: ردوا حماره، وهاتوا خلعة، فجاؤوني بخلعة من ثيابه تامة فلبستها، وجيء بالطعام

ص: 298

فأكلنا، ووضع النبيذ فشربت وشرب وغنيته، ثم دعا بدواة ورقعة، فكتب أربع رقعات، فظننت توقيعا بجائزة فإذا هو قد دعا بعض وكلائه فساره بشيء، فزاد طمعي بالجائزة، ومضى الرجل وجلسنا نشرب وأنا أنتظر، فلا أرى شيئا إلى العتمة، ثم اتكأ يحيى فنام، وقمت من عنده وأنا منكسر خائب فخرجت وقدم لي حماري، فلما تجاوزت الدار قال لي غلامي [إلى اين تمضي] قلت: إلى البيت، قال: قد بيعت وأشهد على صاحبها، وابتيع الدرب كله ووزن ثمنه، والمشتري جالس على بابك ينتظر ليعرفك وأظنه ابتاع ذلك للسلطان، لأني رأيت الأمر في عجلة واستحثاث أمر سلطانيا، فوقعت من ذلك فيما لم يكن في حسأبي، وأنا لا أدري ما أعمل، فلما نزلت على باب داري، [إذا أنا] بالوكيل الذي ساره يحيى قد قام إليّ وقال: ادخل- أيّدك الله- دارك، حتى أدخل إليك في أمر أحتاج إلى مخاطبتك فيه، فطابت نفسي بذلك، ودخلت الدار ودخل إلي فأقرأني توقيع يحيى:(يطلق لأبي محمد إسحاق مئة ألف درهم يبتاع له بها داره، وجميع ما يجاورها ويلاصقها) والتوقيع الثاني إلى ابنه الفضل: (قد أمرت لأبي محمد إسحاق [بمائة ألف درهم] يبتاع له بها داره فأطلق له مثلها على إصلاح الدار كما يريد وبنائها على ما يشتهي) ، والتوقيع الثالث إلى ابنه جعفر [ص 179](قد أمرت لأبي محمد إسحاق بمائة ألف درهم يبتاع له منها منزل يسكنه، وأمر له أخوك بمائة ألف درهم ينفقها على بنائها ومرّمتها على ما يريد فأطلق أنت له مئة ألف درهم يبتاع بها فرشا لمنزله)، والتوقيع الرابع إلى محمد ابنه:(قد امرت وأخواك بثلاث مئة ألف درهم لمنزل يبتاعه وفرش يبتذله فيه، ونفقة ينفقها عليه فأمر له بمائة ألف درهم ينفقها في سائر نفقته)، وقال لي الوكيل: قد حملت المال كله واشتريت كل شيء حولك بسبعين ألف درهم) وهذه كتب الابتياعات باسمي والإقرار لك، وهذا المال الباقي في يدي ها هو

ص: 299

بورك لك فيه، فقبضته، وأصبحت احسن الناس حالا ومرأى في منزلي وفرشي وآلتي، والله ما هذا من أكثر شيء فعلوه بي، أفألام على ذلك في شكرهم؟

فبكى الفضل بن الربيع وكلّ من حضر، وقالوا: لا والله، لا يلام على شكرهم، ثم قال له الفضل: بحياتي عليك، غن الصوت ولا تبخل على أبي الحسن أن تقومه له، قال: أفعل، وغناه، فتبين علوية أنه كما قال، فقام فقبل رأسه، وقال:

أنت أستاذنا وابن أستاذنا وأولى بتقويمنا واحتمالنا من كل أحد، وردّه «1» إسحاق مرات حتى استوى لعلوية.

قال إسحاق: قلت في ليلة من الليالي: «2» [الخفيف]

هل إلى نظرة إليك سبيل

يرو منها الصّدى ويشفى الغليل

إن ما قلّ منك يكثر عندي

وكثير ممّن تحبّ القليل

فلما أصبحت أنشدتها الأصمعي، فقال: هذا الديباج الخسرواني «3» ، هذا الوشي الإسكندراني، لمن هذا؟ فقلت: ابن ليلته، فتبيّنت الحسد في وجهه، وقال: أفسدته! أفسدته! أما إنّ التوليد فيه لبين.

قال الأصمعي: دخلت أنا وإسحاق الموصلي يوما على الرشيد فرأيته لقس «4» النّفس، فأنشده إسحاق:«5» [الطويل]

وآمرة بالبخل قيل لها اقصري

فذلك شيء ما إليه سبيل

ص: 300

أرى الناس خلان الكرام ولا أرى

بخيلا له حتّى الممات خليل

[ص 180] وإنّي رأيت البخل يزري بأهله

فأكرمت نفسي أن يقال بخيل

ومن خير حالات الفتى قد علمته

إذا نال خيرا أن يكون ينيل

وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى

ورأي أمير المؤمنين جميل

فقال الرشيد: لا تخف «1» إن شاء الله، ثم قال: لله در أبيات تأتينا بها، ما أشد أصولها، وأحسن فصولها، وأقل فضولها، وأمر له بخمسين ألف درهم. فقال له إسحاق: وصفك والله يا أمير المؤمنين لشعري أحسن منه، فعلام آخذ الجائزة؟

فضحك الرشيد وقال: اجعلوها لهذا القول [مئة ألف درهم]، قال الأصمعي:

فقلت يومئذ إن إسحاق أحذق بصيد الدراهم.

قال إسحاق: جاءني الزبير بن دحمان مسلّما فاحتبسته، فقال لي: قد أمرني الفضل بن الربيع بالمصير إليه، فقلت له: أقم يا أبا العوام ويحك نشرب ونله مع اللاهين ونلعب: «2» [الطويل]

إذا ما رأيت اليوم قد بان خيره

فخذه بشكر واترك الفضل يصخب

فأقام عندي وشربنا يوما، ثم صار إلى الفضل بن الربيع، فسأله عن سبب تأخره، فحدثه الحديث وأنشده الشعر، فغضب وحول وجهه عني، وأمر عونا حاجبه ألا يدخلني إليه ولا يستأذن لي عليه، ولا يوصل لي رقعة إليه، فقلت:

«3» [الطويل]

ص: 301

حرام عليّ الكأس ما دمت غضبانا

وما لم يعد عنّي رضاك كما كانا

فأحسن فإني قد أسأت ولم تزل

تعوّدني عند الإساءة إحسانا

قال: فأنشدته إياها فضحك ورضي عني، وعاد إلى ما كان عليه.

قال ابن المكي: كان المغنون يجتمعون مع إسحاق، وكلهم أحسن صوتا منه، ولم يكن فيه عيب إلا صوته، فيطمعون فيه، فلم يزل بلطفه وحذقه ومعرفته حتى يغلبهم ويبذهم جميعا، ويفضلهم ويتقدم عليهم.

قالوا: هو أول من أحدث المجنب «1» ليوافق صوته ويشاكله، فجاء معه عجبا من العجب، وكان في حلقه نبوّ عن الوتر.

قال إسحاق «2» : كنت يوما عند إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فلما جلسوا للشرب، جعل الغلمان يسقون من حضر، وجاء غلام قبيح الوجه، إليّ [ص 181] بقدح فيه نبيذ، فلم آخذه، ورآني إسحاق فقال: لم لا تشرب؟ فقلت له: «3» [البسيط]

اصبح نديمك أقداحا تسلسلها

من الشّمول وأتبعها بأقداح «4»

من كفّ ريم مليح الدّلّ ريقته

بعد الهجوع كمسك أو كتفّاح

ص: 302

لا أشرب الرّاح إلا من يدي رشأ

تقبيل راحته أشهى من الراح «1»

فضحك وقال: صدقت والله، ودعا بوصيفة تامة الحسن في زي غلام عليها أقبية «2» ومنطقة، وقال لها: تولي سقي أبي محمد، فما زالت تسقيني حتى سكرت، ثم أمر بتوجيهها وكل ما لها في دارها الي، فحملت معي.

قال ابن المكي: تذاكرنا يوما عند [أبي] صنعة إسحاق، وقد كنا بالأمس عند المأمون فغناه إسحاق لحنا صنعه في [شعر] ابن ياسين:«3» [مجزوء الخفيف]

الطّلول الدّوارس

فارقتها الأوانس

أوحشت بعد أهلها

فهي فقر بسابس

قال: فقال لي أبي: لو لم يكن من بدائع إسحاق غير هذا لكفاه (الطلول الدوارس) كلمتان قد غنى فيهما استهلالا وبسطا، وصاح وسجع ورجع النغمة، واستوفى في ذلك كله في كلمتين، وأتى بالباقي مثله، فمن شاء فليفعل مثل هذا أو فليقاربه، ثم قال إسحاق: والله والله ما في زماننا فوق ابن سريج والغريض ومعبد، ولو عاشوا حتى يروه لعرفوا فضله، واعترفوا له به.

قال صالح بن الرشيد: كنا يوما عند المأمون، ومعه جماعة من المغنين، فيهم إسحاق وعلويه ومخارق وعمرو بن بانة، فغنى مخارق صوتا من صنعة إسحاق، وهو:«4» [الطويل]

ص: 303

أعاذل لا آلوك إلا خليقتي

فلا تجعلي فوقي لسانك مبردا

ذريني أكن للمال ربّا ولا يكن

لي المال رباّ تحمدي غبّه غدا

ذريني يكن مالي لعرضي وقاية

يقي المال عرضي قبل أن يتبدّدا

ألم تعلمي أني إذا الضيف نابني

وعّز القرى اقري السديف المسرهدا «1»

[ص 182] فقال له المأمون: لمن هذا اللحن؟ قال: لهذا الهزبر الجالس (يعني إسحاق)، فقال المأمون لمخارق: قم واقعد بين يدي وأعد عليّ الصوت، فقام فجلس بين يديه، فغناه فأجاد، وشرب المأمون عليه رطلا، ثم التفت إلى إسحاق فقال غن هذا الصوت، فغناه فلم يستحسنه كما سمعه من مخارق، ثم دار الدور إلى علوية، فغنى صوتا من صنعة إسحاق أيضا، وهو:«2» [الوافر]

أريت اليوم نارك لم أغمّض

بواقصة ومشربنا برود «3»

فلم أر مثل موقدها ولكن

لأيّة نظرة زهر الوقود

فبتّ بليلة لا نوم فيها

أكابدها وأصحابي رقود

كأنّ نجومها ربطت بصخر

وأمراس تدور وتستزيد

فقال المأمون: لمن هذا الصوت؟ فقال: لهذا الجالس، وأشار إلى إسحاق، فقال لعلوية: اعده، فأعاده وشرب عليه رطلا، وقال لإسحاق: غنه، فغناه، فلم يطرب عليه طربه لعلوية، فالتفت إسحاق وقال: أيها الأمير لولا أنه مجلس سرور وليس مجلس حجاج وجدل لأعلمته أنه طرب على خطأ، وأن الذي استحسنه، إنما هو

ص: 304

تزايد منهما يفسد قسمة اللحن وتجزئته، وكان الصواب ما غنيته لا ما زاداه، ثم أقبل عليهما وقال يا مخنثان، قد علمت أنّكما لم تريدا بما فعلتما مدحي ولا رفعي، وأنا على مكافأتكما قادر، فضحك المأمون وقال له: ما كان ما رأيته من طربي إلا استحسانا لأصواتهما، لا تقديما لهما، ولا جهلا بفضلك.

قال إسحاق: كانت أعرابية تقدم من البادية، فأفضل عليها وكانت فصيحة، فقالت لي: والذي يعلم مغزى كل ناطق، لكأنك في عملك ولدت فينا ونشأت معنا، ولقد أريتني نجدا بفصاحتك وأحللتني الربيع بسماحتك، فلا اطّرد لي قول إلا شكرتك، ولا نسمت لي ريح إلا ذكرتك.

قال الهشامي «1» : كان أهلنا يعتبرون «2» إسحاق فيما يقوله في نسبة الغناء واختياره، بأن يجلسوا كاتبين فهمين خلف الستارة [ص 183] يكتبان ما يقوله ويضبطانه، ثم يتركونه مدة حتى ينسى ما جرى، ثم يعيدون تلك المسألة عليه، فلا يزيد فيها ولا ينقص منها حرفا كأنه يقرأه من دفتر، فعلموا حينئذ أنه لا يقول في شيء يسأل عنه إلا الحق.

قال عبد الله بن العباس الربيعي: اجتمعنا بين يدي المعتصم، فغنى علوية:

«3» [الطويل]

لعبدة دار ما تكلّمنا الدّار

فقال له إسحاق: شتمنا قبّحه الله، وسكت وبان ذلك فيه، وكان علوية أخذه

ص: 305

من إبراهيم.

قال يحيى بن معاذ: كان إسحاق الموصلي وإبراهيم بن المهدي إذا خلوا فهما أخوان، وإذا التقيا عند خليفة تكاشفا أقبح تكاشف، فاجتمعا يوما عند المعتصم فقال لإسحاق يا إسحاق، إن إبراهيم يثلبك ويغض منك، فقال إسحاق:

يا أمير المؤمنين، أفعل الساعة فعلا إن زعم أنه يحسنه فلست أحسن شيئا، وإلا فلا ينبغي أن يدعي مالا يحسنه، ثم أخذ عودا فشوش أو تاره، فقال لإبراهيم:

غن على هذا او يغني غيرك، واضرب عليه، فقال المعتصم: يا إبراهيم، قد سمعت قول إسحاق فما عندك؟ قال: ليفعله هو إن كان صادقا، فقال إسحاق:

غن حتى أضرب، فأبى، فقال لزرزر الكبير، غن أنت، فغنى، وإسحاق يضرب عليه، حتى فرغ من الصوت، ما علم أن العود مشوش، ثم قال: هاتوا عودا آخر (فشوشه) وجعل كل وتر منه في الشدة واللين مقدار العود المشوش الأول، حتى استويا، فقال لزرزر، خذ أحدهما، فأخذه، ثم قال: انظر إلى يدي وأفعل كما افعل واضرب، ففعل، وجعل إسحاق يغني ويضرب، وزرزر ينظر إليه ويضرب، ويعمل كما يعمل، فما ظن أحد أن في العودين شيئا من الفساد، ثم قال لإبراهيم: خذ الآن [احد] العودين فاضرب منه مبدأ أو طريقة أو كيف شئت، إن كنت تحسن شيئا فلم يفعل، وانكسر انكسارا شديدا، فقال له المعتصم:

أرأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله، ما رأيت، ولا ظننت أن مثله يتم ولا يكون.

قال: كان الواثق إذا صنع صوتا قال لإسحاق: هذا [ص 184] وقع إلينا البارحة فاسمعه، فكان ربما أصلح فيه الشيء بعد الشيء، فكاده مخارق عنده، وقال له:

إنما يستجيد صنعتك إذا حضر ليقاربك ويستخرج منك فإذا فارقك قال في صنعتك غير ما تسمع، قال الواثق: فأنا أحب أن أقف على ذلك، فقال مخارق:

ص: 306

أنا أغنيه صوتك «1» : [الطويل]

أيا منشر الموتى

فإنه [لم] يعلم أنه لك، ولم يسمعه من أحد، قال: فافعل، فلما دخل إسحاق، غناه مخارق وتعمد لأن يفسده بجهده، وفعل ذلك في مواضع خفية لم يعرفها الواثق من قسمته، فلما غناه، قال الواثق لإسحاق: كيف ترى هذا الصوت؟ قال: فاسد غير مرضي، فأمر به فسحب من المجلس حتى أخرج عنه، وأمر بنفيه من بغداد، ثم جرى ذكره يوما فقالت فريدة: يا أمير المؤمنين، إنما كاده مخارق فأفسد الصوت في حيث أو همك أنه زاد فيه بحذقه نغما وجودة، وإسحاق يأخذ نفسه بقول الحق في كل شيء ساءه أو سره، ويفهم من غامض علم الصناعة ما لا يفهمه غيره، فليحضره أمير المؤمنين ويحلفه بغليظ الأيمان على حقيقة الصوت، فإن كان فاسدا فصدق عنه إن لم يكن عيبا ووافقناه عليه حتى يستوي، فليس يجوز أن يتركه فاسدا، وإن كان صحيحا، قال فيه ما عنده، فأمر بالكتاب بحمله فحمل وأحضر، وأظهر الرضا عنه، ولزمه أياما، ثم أحلفه أنه يصدقه عما يمر في مجلسه، فحلف له، ثم غني الواثق أصواتا يسأله عنها أجمع فيخبر فيها بما عنده، ثم غنته فريدة هذا الصوت، وسأله الواثق عنه، فرضيه واستجاده وقال: ليس على هذا سمعته المرة الاولى، وأبان عن المواضع الفاسدة، وأخبر بإفساد مخارق إياها، فسكن غضبه الذي كان، وتنكر لمخارق مدة.

قال إسحاق: ما كان يحضر الواثق أعلم منه بالغناء، قال إسحاق: كتبت إلى هشام أطلب نبيذا، فبعث إليّ بما التسمت، وكتب: قد وجهت إليك بشراب

ص: 307

أصلب من الصخر، وأعتق من الدهر، وأصفى من القطر. [ص 185]

قال: لما غنى إسحاق [محمدا الأمين] لحنه في شعر هو «1» : [المنسرح]

يا أيّها القائم الأمين فدت

نفسك نفسي بالمال والولد

بسطت للّناس إذ وليتهم

يدا من الجود فوق كلّ يد

أمر له بألف ألف درهم، فحملت إليه على مئة فرّاش حتى أدخلت إليه.

قال عمرو بن بانة «2» : رأيت المهدي يناظر إسحاق في الغناء، فتكلما بما فهماه، ولم أفهم منه شيئا، فقلت لهما: لئن كان ما أنتما فيه من الغناء، فما نحن في قليل منه ولا كثير.

قال: خالف إبراهيم إسحاق في شيء من التجزئة، فقال له:: إلى من أحاكمك، فالناس بيننا حمير!

قال ابن المنجم، قال لي محمد بن الحسين بن مصعب، وكان بصيرا بالغناء والنغم: لحن إسحاق في (تشكى الكميت الجري)«3» أحسن من لحن ابن سريج فيه، ولحنه (تبدي لنا) أحسن من لحن معبد فيه، وذلك من اجود صنعة ابن سريج، وهذا من أجود صنعة معبد، قال: فأخبرت إسحاق بقوله، فقال: قد

ص: 308

أخذت بزمامي راحلتهما فزعزعتهما ثم أنختهما فما بلغتهما، فأخبرت بذلك محمد بن الحسن، فقال: هو والله يعلم أنه قد برز عليهما، ولكنه لا يدع تعصبه للقدماء.

قال أبو الفرج: وكان إسحاق قد اعتلت عيناه «1» ، وضعف بصره، وكف في آخر عمره، قال: وكان السبب في علة عينيه أن إبراهيم ابن أخي سلمة الوصيف، نازع إسحاق بين يدي الرشيد في شيء من الغناء، فرد عليه، فشتمه إبراهيم، فرد عليه إسحاق وأربي «2» عليه في الرد، فقال [إبراهيم] : أترد علي وأنا مولى أمير المؤمنين فقال إسحاق: اسكت، فإنك من موالي العبدين «3» ، فقال له الرشيد: يا إسحاق، وأي شيء موالي العبدين؟ فقال: يا أمير المؤمنين، يشتري للخلفاء كل صانع في العبيد للعتق، فيكون فيهم الحائك والحجّام والسائس، فهو أحد هؤلاء الذين ذكرتهم، قال: وخرج إبراهيم فوقف له في طريقه، فلما جاز عليه منصرفا ضرب «4» رأسه بمقرعة فيها معول، فكان ذلك سبب ضعف نظره، فبلغ الرشيد الخبر فأمر [بأن] يحجب [ص 186] عنه إبراهيم، وحلف ألا يدخل عليه، فدس إلى الرشيد من غناه:«5» [الخفيف]

من لعبد أذلّه مولاه

ماله شافع إليه سواه

يشتكي ما به إليه ويخشا

هـ ويرجوه مثل ما يخشاه

ص: 309

فسأل الرشيد عن صانع لحنها فعرفه، فحلف أن لا يرضى عنه حتى يرضى إسحاق، فقام [إسحاق] وقال: قد رضيت عنه يا سيدي رضى صحيحا، وقبل الأرض لما كان من قوله، فرضي عنه وأحضره وأمره أن يترضى إسحاق ففعل.

قال ابن المكّي: كان إسحاق إذا غنى هذا الصوت، يأخذ بلحيته ويبكي:«1» [الطويل]

إذا المرء قاسى الدّهر وأبيضّ رأسه

وثلّم تثليم الإناء جوانبه

فللموت خير من حياة خسيسة

تباعده طورا وطورا تقاربه

قال أبو الفرج: كان إسحاق يأخذ عن الأصمعي، ويكثر الرواية عنه، ثم فسد ما بينهما، فهجاه إسحاق وثلبه، وكشف للرشيد معايبه، وأخبره بقلة شكره وبخله وضعف نفسه، وأن الصنيعة لا تزكو عنده، وأن أبا عبيدة أوثق منه وأصدق وأسمح بالعلم منه، فأنفذ إليه من أقدمه، وأبعد الأصمعي، فقال الأصمعي لإسحاق:«2» [البسيط]

أإن تغنيت للشّرب الكرام: ألا

رد الخليط جمال الحي فانفرقوا

وقيل أحسنت فاستدعاك ذاك إلى

ما قلت ويحك لا يذهب بك الخرق

وقيل أنت حسان الناس كلهم

وابن الحسان فقد قالوا وقد صدقوا

فما بهذا تقوم النادبات ولا

يثنى عليك إذا ما ضمّك الخرق

قال إسحاق: جاء عطاء الملط «3» بجماعة من أهل البصرة إلى قريب أبي

ص: 310

الأصمعي، وكان نذلا من الرجال، فوجده ملقى على وجهه في كساء نائما في الشمس، فركله برجله، وصاح به: يا قريب، قم ويلك، فقال: هل لقيت أحدا من أهل العلم، أو من أهل اللغة، أو من العرب، أو من المحدثين؟ قال: لا والله، فقال لمن حضر: هذا أبو الأصمعي، فاشهدوا لي عليه وعلى ما سمعتم منه، لا [ص 187] يقول لكم الأصمعي غدا أو بعده: حدثني أبي، أو أنشدني أبي، ففضحه.

قال الصولي: كان لإسحاق غلام يقال له فتح يسقي الماء لأهل داره على بغلين من بغاله دائما، فقال له إسحاق يوما: أي شيء خبرك يا فتح، قال خبري أنه ليس في هذه الدار أشقى مني ومنك، قال: وكيف ذاك؟ قال: أنت تطعم أهل الدار الخبز، وأنا أسقيهم الماء، فاستظرف قوله وضحك منه، فقال: وأيّ شيء [تحب قال] تعتقني وتهب لي البغلين أسقي عليهما، قال: قد فعلت.

قال: وكان إسحاق يقول الإسناد فيه الحديث فتحدث مرة بحديث لا إسناد له، فسئل عن إسناده فقال: هذا من المرسلات عرفا.

قال إسحاق، قال لي الرشيد يوما، أيّ شيء يتحدث الناس؟ قال: يتحدثون بأنك تقبض على البرامكة، وتولي الفضل بن الربيع الوزارة، فغضب وصاح، وقال: ما أنت وذاك ويلك، فأمسكت، فلما كان بعد أيام دعا بنا «1» فرأيته عيانا، وكان أول شيء غنيته أبياتا لأبي العتاهية:«2» [مجزوء الوافر]

إذا نحن صدقناك

فضّر عندك الصدق

ص: 311

طلبنا النفع بالباط

ل إذ لم ينفع الحقّ

فلو قدّم صبّا في

هواه الصبر والرفق

لقدّمت على الناس

ولكن الهوى رزق

فضحك الرشيد وقال: ويلك يا إسحاق قد صرت حقودا.

قال إسحاق: ذكر المعتصم يوما بعض أصحابه وقد غاب عنه، فقال: تعالوا حتى نقول ما يصنع في هذا الوقت، فقال قوم: يلعب بالنرد، وقال قوم: يغني، فبلغتني النوبة، فقال: قل يا إسحاق، فقلت إذا أقول وأصيب، قال: أتعلم الغيب؟ قلت: لا، ولكني أفهم ما يصنع وأقتدر على معرفته، قال: فإن لم تصب؟ قلت: فإن أصبت؟

قال: لك حكمك، قال: فإن لم تصب؟ قلت: لك دمي، فقال: وجب، فقلت:

وجب، قال: فقل، قلت:[ص 188] يتنفس، قال: فإن كان ميتا؟ فقلت:

تحفظ الساعة التي تكلمت فيها، فإن كان مات فيها أو قبلها، فقد قمرتني «1» ، فقال قد أنصفت، قلت: فالحكم؟ قال: احتكم ما شئت؟ فقلت: ما حكمي إلا رضاك يا أمير المؤمنين، قال: فإن رضاي لك، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم، أتري مزيدا؟ فقلت: ما أولاك بذلك يا أمير المؤمنين، قال: فانها مئتا ألف، أترى مزيدا؟ فقلت: ما أحوجني إلى ذلك يا أمير المؤمنين، قال: فإنها ثلاث مئة ألف، قلت: ما أولاك بذلك يا أمير المؤمنين، قال: يا صفيق الوجه ما نزيدك على هذا.

قال إسحاق: لم أر قط مثل جعفر بن يحيى، كانت له فتوة وظرف وأدب وحسن غناء وضرب بالطبل، وكان يأخذ بأجزل حظ من كل فن الأدب والفتوة،

ص: 312

فحضرت باب الرشيد يوما، فقيل لي: إنه نائم، فانصرفت فلقيني جعفر بن يحيى، فقال لي: ما الخبر؟ فقلت: أمير المؤمنين نائم، فقال لي: قف مكانك، ومضى إلى دار أمير المؤمنين وخرج إليه الحاجب فأعلمه بأنه نائم، ورجع فقال:

صربنا إلى المنزل حتى نخلو جميعا بقية يومنا، وأغنيك وتغنيني، ونأخذ في شأننا من وقتنا هذا، فقلت: نعم، فصرنا إلى منزله، فنزعنا ثيابنا ودعا بطعام فأكلنا، وأمر بإخراج الجواري وقال: لتبرزن، فليس عندنا من تحتشمنه، فلما وضع الشراب، دعا بقميص حرير فلبسه ودعا بخلوق «1» فتخلّق به، ثم دعا لي بمثل ذلك، وجعل يغنيني وأغنيه، حتى دعا بالحاجب وتقدم إليه، وأمره بأن لا يأذن لأحد من الناس كلهم، وإن جاء رسول أمير المؤمنين أعلمه بأنه مشغول واحتاط في ذلك، وتقدم فيه إلى جميع الحجاب والخدم، ثم قال: إن جاء عبد الملك فأذنوا له، يعني رجلا كان يأنس به ويمازحه ويحضر خلواته، ثم أخذنا في شأننا، فو الله إنا لعلي حالة سارة عجيبة، إذ رفع الستر، فإذا عبد الملك بن صالح الهاشمي قد أقبل، وغلط الحاجب فلم يفرق بينه وبين الذي عناه جعفر [ص 189] بن يحيى، وكان عبد الملك بن صالح من جلالة قدره والتقشف والامتناع من منادمة أمير المؤمنين على أمر جليل، وكان الرشيد قد اجتهد به أن يشرب معه أقداحا، فلم يفعل ذلك رفعا لنفسه، فلما رأيناه مقبلا، أقبل كل واحد منا ينظر إلى صاحبه، وكاد جعفر أن ينشق غيظا، وفهم حالنا، فأقبل نحونا، حتى إذا صرنا بالقرب منه، وصار إلى الرواق الذي نحن فيه، نزع قلنسيته فرمى بها مع [طيلسانه]«2» جانبا، ثم قال: اطعمونا شيئا، فدعا له جعفر بالطعام، وهو منتفخ غيظا وغضبا، فطعم، ثم دعا برطل فشربه، ثم أقبل إلى

ص: 313

المجلس الذي نحن فيه فأخذ بعضادتي «1» الباب، ثم قال: أشركونا فيما أنتم فيه، فقال له جعفر: ادخل، ثم دعا بقميص حرير وخلوق، فلبس وتخلق، ثم دعا برطل «2» ورطل حتى شرب عدة أرطال، ثم اندفع يغنينا، فكان أحسننا والله جميعا غناء، فلما طابت نفس جعفر بن يحيى وسرّي عنه ما كان به، التفت إليه فقال: ارفع حوائجك، قال: ليس هذا موضع حوائج، قال: لتفعلن، قال فلم يزل يلح عليه حتى قال: أمير المؤمنين واجد [علي] وأحب أن تترضاه لي، قال: فإن أمير المؤمنين قد رضي عنك، فهات حوائجك، قال: هذه كانت حاجتي، قال:

ارفع حوائجك كما أقول لك، قال: عليّ دين فادح، قال: هذه أربعة آلاف درهم «3» ، فإن أحببت تقتضيها من مالي الساعة فاقبضها، فإنه لم يمنعني عن إعطائك إياها إلا أن قدرك يجلك أن يصلك مثلي، ولكني ضامن لها حتى تحمل إليك من مال أمير المؤمنين فسل أيضا، قال ابني، تكلم أمير المؤمنين حتى ينوه باسمه، فقال: قد ولاه أمير المؤمنين مصر، وزوجه ابنته العالية وأمهرها عنه بألفي ألف درهم، قال: إسحاق: فقلت في نفسي: قد سكر الرجل،- يعني جعفرا- فلما اصبحت لم يكن لي همة إلا حضور دار الرشيد، فإذا جعفر بن يحيى قد بكر، ووجدت في الدار جلبة، وإذا أبو يوسف القاضي ونظائره، قد دعي بهم، ثم دعي بعبد الملك بن صالح الهاشمي [وابنه] فأدخلا جميعا على الرشيد، فقال الرشيد لعبد الملك: إن أمير المؤمنين كان واجدا عليك [ص 190] ، وقد رضي عنك، وأمر لك بأربعة آلاف [ألف] درهم، فاقبضها من جعفر بن يحيى الساعة، ثم دعا بابنه فقال: اشهدوا أني قد زوجته العالية بنت أمير المؤمنين، وأمهرتها عنه

ص: 314

بألفي ألف درهم [من مالي] ووليته مصر، فلما خرج جعفر بن يحيى سألته عن الخبر فقال: بكرت على أمير المؤمنين، فحكيت له جميعا ما كان منا وما كنا فيه حرفا حرفا، ووصفت له دخول عبد الملك وما صنع، فعجب لذلك وسر به، ثم قلت له: وقد ضمنت له يا أمير المؤمنين عنك ضمأنا، قال: وما هو؟ فأعلمته، قال: نفي له بضمانك، وأمر باحضاره، فكان ما رأيت.

قال اسحاق: ما اغتممت [بشيء قط مثلما اغتممت] بصوت مليح صنعته بهذا الشعر: [المديد]

كان لي قلب أعيش به

فاكتوى بالنّار فاحترقا

أنا لم أرزق محبّتها

إنّما للعبد ما رزقا

لم يكن ما ذاق طعم ردى

ذاقه لا شكّ إن عشقا

فإني صنعت فيه لحنا، وجعلت أردده في جناح لي سحرا، فأظن أن إنسانا من العامة، سمعه فأخذه، وبكرت من غد إلى المعتصم لأغنيه به، وإذا أنا بسواط يسوط الناطف «1» ويغني اللحن بعينه، إلا أنه غناء فاسد، فعجبت وقلت: ترى من أين للسواط هذا الصوت، ولعلي أن غنيته أن يكون مر بهذه السفلة بعض من يحضر معنا فسمعه يغنيه، وبقيت متحيرا، ثم قلت له: يا فتى، ممن سمعت هذا الصوت؟ فلم يجبني، فالتفت إلى شريكه فقال: خذ إليك [هذا] يسألني ممن سمعته، والله لو سمعه إسحاق الموصلي لخريء في سراويله، فبادرت والله هاربا خوفا من أن يمر بي إنسان فيسمع ما جرى فأفتضح، وما علم الله أني نطقت بذلك الصوت بعدها.

ص: 315

قال إسحاق: غدوت يوما ضجرا من ملازمة دار الخلافة والخدمة فيها، فخرجت وركبت بكرة، وعزمت على أن أطوف الصحراء أفترج فيها، فقلت لغلماني: إن جاء رسول الخليفة، فعرفوه أني بكرت في بعض مهماتي، وأنكم لا تعرفون أين توجهت، ومضيت فطفت ما بدا لي، ثم عدت وقد حمي [ص 191] النهار، فوقفت في شارع المخرم «1» في فناء ثخين الظل وجناح رحب على الطريق لأستريح، فلم ألبث أن جاء خادم يقود حمارا فارها «2» عليه جارية راكبة تحتها منديل دبيقي «3» ، وعليها من اللباس الفاخر ما لا غاية بعده، ورأيت لها قواما عادلا حسنا وظرفا وشمائل حسنة، فحدست عليها أنها مغنية، فدخلت الدار التي كنت واقفا عليها، ثم لم ألبث أن أقبل خادمان ومعهما رجلان شابان جميلان، فاستأذنا فأذن لهما، فنزلا ونزلت معهما، ودخلت فظنا أن صاحب الدار دعاني، وظن صاحب البيت أني معهما، فجلسنا وأتي بالطعام فأكلنا، وبالشراب فشربنا أقداحا، وقمت لأبول، فسأل صاحب المنزل الرجلين عني، فأخبراه أنهما لا يعرفاني، فقال: هذا طفيلي، ولكنه ظريف، فأجملا عشرته، وجئت فجلست، فغنت الجارية في لحن لي:«4» [الطويل]

ص: 316

ذكرتك إذ قّرت بنا أمّ شادن

أمام المطايا تشرئبّ وتسنح

من المؤلفات الرّمل أدماء حرّة

شعاع الضّحى في متنها يتوضّح

فأدته أداء صالحا، ثم غنت أصواتا شتى، وغنت في أضعافها [من] صنعتي:«1» [مجزوء الخفيف]

الطّلول الدّوارس

فارقتها الأوانس

أو حشت بعد أهلها

فهي قفر بسابس

فكان أمرها فيه أصلح من الأول، ثم غنت أصواتا من القديم والحديث، وغنت في أضعافها من صنعتي:«2» [مجزوء الخفيف]

قل لمن صدّ عاتبا

ونأى عنك جانبا

قد بلغت الذي أرد

ت ولو كنت لا عبا

فكان أصلح من الأولين، فاستعدتها لأصلح ما فيه، فقال لي أحد الرجلين: ما رأيت طفيليا أصفق وجها منك، لم ترض بالتطفيل حتى اقترحت «3» ، فهذا غاية المثل:(طفيلي مقترح) ، فأطرقت ولم أجبه، وجعل صاحبه يكفه عني فلا يكف، ثم قاموا إلى الصلاة، وتأخرت قليلا، فأخذت عود الجارية ثم شددت طبقته وأصلحته إصلاحا محكما، وعدت إلى موضعي فصليت [ص 192] وعاد وأخذ ذلك [الرجل] في عربدته عليّ، وأنا صامت، ثم أخذت العود الجارية فجسّته، فأنكرت حاله، وقالت: من مس عودي؟ قالوا: ما مسه أحد، قالت: بلى والله قد مسه حاذق متقدم، وشد طبقته وأصلحه إصلاح متمكن في صناعته، فقلت لها: أنا أصلحته، قالت: فبالله عليك، خذه واضرب به، فأخذته

ص: 317

وضربت به مبدأ عجيبا ضربا صعبا فيه نقرات متحركات، فما بقي أحد منهم إلا وثب فجلس بين يدي، فقالوا: بالله يا سيدي أتغني؟ قلت: نعم، وأعرفكم بنفسي، أنا إسحاق الموصلي، والله إني لأتيه على الخليفة إذا طلبني، وأنتم تسمعوني ما أكره منذ اليوم، لأني تملحت معكم، وو الله لا نطقت بحرف، ولا جلست معكم، حتى تخرجوا هذا المعربد المقيت الغث، فقال له صاحبه: من هذا حذرتك، فأخذ يعتذر، فقلت: ما أنطق بحرف أو تخرجوه، فأخذوا بيده فأخرجوه، فبدأت فغنيت الأصوات التي غنتها الجارية من صنعتي، فقال لي الرجل: هل لك في خصلة؟ وما هي؟ قال: تقيم عندي شهرا، والجارية والحمار لك مع ما عليها من حليّ، فقلت: أفعل، فأقمت عنده شهرا، لا يعرف أحد أين أنا، والمأمون يطلبني في كل موضع، فلا يعرف لي خبرا، فلما كان بعد ثلاثين يوما، سلم إليّ الجارية والحمار والخادم، فجئت بذلك إلى منزلي، وركبت إلى المأمون من وقتي، فلما رآني قال: إسحاق، ويلك أين تكون؟ فأخبرته، فقال:

عليّ بالرجل الساعة، فدللتهم عليه، فأحضر، فسأله المأمون عن القصة فأخبره بخبرها وخبر الرجل المعربد، وما حلفت من إخراجه، فقال: أنت رجل ذو مروءة، وسبيلك أن تعان على مروءتك، ثم أمر له بمائة ألف درهم، وقال له: لا تعاشر ذلك الرجل المعربد، وامر لي بخمسين ألف درهم، وقال لي: أحضر الجارية، فأحضرتها فغنته، فقال لي: قد جعلت عليها نوبة في كل يوم ثلاثاء تغنيني من وراء الستار مع الجواري، وأمر لها بخمسين الف درهم، فربحت وأربحت.

قال إسحاق: دخلت يوما دار الواثق بغير إذن، إلى موضع أمر أن أدخله إذا كان جالسا، فسمعت صوت عود من بيت [ص 193] وترنما لم أسمع مثله قط حسنا، فأطلع خادم رأسه ثم ردّه وصاح بي، فدخلت فإذا الواثق، فقال لي: أي شيء سمعت؟ فقلت: الطلاق لي لازم، وكل مملوك لي حر، لقد سمعت ما لم

ص: 318

أسمع مثله قطّ حسنا فضحك وقال: وما هو! إنما هو فضلة أدب وعلم، مدحه الأوائل واشتهاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بعده من التابعين، وكثر في حرم الله ومهاجر رسول الله، أتحبّ أن تسمعه؟ قلت:

إي والله الذي شرّفني بخطابك وجميل رأيك، فقال: يا غلام، هات العود، وأعط إسحاق رطلا، فدفع الرطل إليّ، وضرب وغنّى في شعر لأبي العتاهية بلحن صنعه فيه:«1» [البسيط]

أضحت قبورهم من بعد عزّهم

تسفي عليها الصّبا والحرجف الشّمل «2»

لا يدفعون هواما عن وجوههم

كأنهم خشب بالقاع منجدل

فشربت الرطل ثم قمت فدعوت له، فأجلسني وقال: أتشتهي أن تسمعه ثانية؟ فقلت: إي والله ثانية وثالثة، وصاح ببعض خدمه وقال: احمل إلى إسحاق ثلاث مائة ألف درهم الساعة، ثم قال: يا إسحاق، قد سمعت ثلاثة أصوات وشربت ثلاثة أرطال، وأخذت ثلاث مائة ألف درهم، فانصرف إلى أهلك بسرورك ليسرّوا معك، فانصرفت بالدراهم.

قال إسحاق: ما وصلني أحد من الخلفاء مثل ما وصلني به الواثق، ولا كان أحد منهم يكرمني إكرامه، ولقد غنّيته لحني في «3» :[الطويل]

لعلك ان طالت حياتك ان ترى

بلادا بها مبدى لليلى ومحضر

فاستعاده مني جمعة لا يشرب على غيره، ثم وصلني بثلاث مئة ألف درهم، ولقد قدمت عليه في بعض قدماتي، فقال لي: ويحك يا إسحاق أما اشتقت

ص: 319

إلي؟ فقلت: بلى والله يا سيدي، وقلت في ذلك أبياتا، إن أمرتني أن أنشدها، فقال: هات، فأنشدته:«1» [البسيط]

أشكو إلى الله بعدي عن خليفته

وما أقاسيه من هم ومن كبر

لا أستطيع رحيلا إن هممت به

يوما إليه ولا أقوى على السفر «2»

أنوي الرحيل إليه ثم يمنعني

ما أحدث الدهر والأيام في بصري

ثم استأذنته في إنشاد قصيدة مدحته بها فأذن لي، فأنشدته قصيدتي التي أقول فيها:[ص 194]«3» [البسيط]

لما أمرت بإشخاصي إليك هوى

قلبي حنينا إلى أهلي وأولادي

ثم اعتزمت فلم أحفل لبينهم

وطابت النفس عن فضل وحماد

كم نعمة لأبيك الخير أفردني

بها وخص بأخرى بعد إفرادي

فلو شكرت أياديكم وأنعمكم

لما أحاط بها وصفي وتعدادي

فقال: أحسنت يا أبا محمد، فكناني «4» وأمر لي بمائة ألف درهم، ثم قلت:

[الطويل]«5»

أتبكي على بغداد وهي قريبة

فكيف إذا ما ازددت عنها غدا بعدا

لعمرك ما فارقت بغداد عن قلى

لو أنّا وجدنا من فراق لها بدا

إذا ذكرت بغداد نفسي تقطعت

من الشوق أو كادت تموت بها وجدا

كفى حزنا أن رحت لم تستطع بها

وداعا ولم تحدث بساكنها عهدا

ص: 320

فقال لي: يا موصلي، قد اشتقت إلى بغداد: فقلت: يا أمير المؤمنين، لا والله، ولكني اشتقت إلى الصبيان، وقد حضرني بيتان، فقال: هاتهما، فقلت:«1» [الوافر]

حننت إلى الأصيبية الصغار

وشاقك منهم قرب المزار

وكل مفارق يزداد شوقا

إذا دنت الديار من الديار

فقال: يا إسحاق صر إلى بغداد، فأقم شهرا مع صبيانك، ثم عد إلينا، وقد أمرنا لك بمائة ألف درهم.

قال إسحاق الموصلي: قدمت سنة من السنين من الحج فصرت إلى سر من رأى فدخلت إلى الواثق، فقال لي: بأي شيء أطرفتني من أحاديث الأعراب وأشعارهم؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، جلس [إلي] فتى من الأعراب في بعض المنازل، فحادثني فرأيت منه أحلى من رأيت من الفتيان منظرا وحديثا وظرفا وأدبا، وسألته إنشادي، فأنشدني «2» :[الطويل]

سقى العلم الفرد الذي في ظلاله

غزالان مكحولان مؤتلفان

إذا أمنا التفا بجيدي تواصل

وطرفاهما للريب مسترقان

أرغتهما ختلا فلم أستطعهما

ورميا ففاتاني وقد قتلاني

ثم تنفس تنفسا ظننت أنه قد قطع حيازيمه، فقلت: مالك بأبي أنت؟

فقال: لي وراء هذين الجبلين [ص 195] شجن «3» وقد حيل بيني وبين الوصول إليه، وقد نذروا دمي، وأنا أتمتع بالنظر إلى الجبلين تعللا بهما إذا قدم الحاج، ثم

ص: 321

يحال بيني وبين ذلك، فقلت له: زدني مما قلت شيئا في ذلك، فأنشدني:«1» [الطويل]

إذا ما وردت الماء في بعض أهله

حضور فعرض بي كأنك مازح

فإن سألت عني حضور فقل لها

به غبّر «2» من دائه وهو صالح

فأمرني الواثق فكتبت له الشعرين، فلما كان بعد أيام دعاني فقال: قد صنع بعض عجائز دارنا في أحد الشعرين لحنا فأسمعه، فإن ارتضيت أظهرناه، وإن رأيت فيه موضع إصلاح أصلحناه، فغنى لنا من وراء الستارة، فكان في نهاية الجودة، وكذلك كان يفعل، إذا صنع شيئا، فقلت: أحسن والله صانعه ما شاء، فقال: بحياتي عليك، قلت: أي وحياتك، وحلفت له بما يوثق به، وأمر لي برطل فشربته، ثم أخذ العود فغناه ثلاث مرات، وسقاني ثلاثة ارطال، وأمر لي بثلاثين ألف درهم، فلما كان بعد أيام دعاني وقال: قد صنع عندنا أيضا في الشعر الآخر، وأمر فغني به، فكانت الحال فيه مثل الحال الاول، فلما استحسنته وحلفت له على جودته، وأعاده لي ثلاث مرات، وسقاني ثلاثة أرطال، وأمر لي بثلاثين الف درهم، ثم قال: هل قضيت حق هديتك؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأطال الله بقاءك، وتمم نعمتك، ولا أفقدنيها منك وبك، فقال: لكنك لم تقض حق جليسك الأعرابي، ولا سألتني معونته على أمره، وقد سبقت مسألتك، وكتبت إلى صاحب الحجاز وأمرته بإحضاره، وخطبت له المرأة وحمل صداقها إلى قومها عنه من مالي، فقبلت يده وقلت: السبق إلى المكارم لك، وأنت أولى بها من عبيدك ومن سائر الناس.

قال: لما خرج المعتصم إلى عمورية، واستخلف الواثق بسر من رأى كانت أموره

ص: 322

كلها كأمور أبيه، موجه إلى الجلساء والمغنين أن يبكروا إليه يوما حدد لهم، ووجه إلى إسحاق فحضره، فقال لهم الواثق: إني عزمت على الصبوح، ولست أجلس على سرير «1» حتى اختلط بكم ونكون كالشيء الواحد، فاجلسوا معي حلقة، ولكن كل جليس إلى جانبه مغن، فجلسوا كذلك، فقال الواثق: أنا أبدأ، فأخذ عودا وغنى [ص 196] وشربوا، وغنى من بعده حتى انتهى إلى إسحاق، فأعطي العود، فلم يأخذه، فقال: دعوه، ثم غنى وغنوا دورا آخر، فلما بلغ إسحاق، لم يغن، وفعل هذا ثلاث مرات، فوثب الواثق فجلس على سريره، وأمر الناس فأدخلوا، فما قال لأحد منهم اجلس، ثم قال: علي بإسحاق، فلما رآه قال: يا خوزي «2» يا كلب، أتبذّل لك وأغني، وترتفع عني؟!

أترى لو أني قتلتك لكان المعتصم يقيدني بك؟ [ابطحوه] فبطح وضرب ثلاثين مقرعة، وحلف لا يغني سائر يومه [سواه] ، فاعتذر وتكلمت الجماعة فيه، فأخذ العود وما زال يغني حتى انقضى ذلك اليوم.

قال إسحاق: دخلت يوما على الواثق وهو مضطجع، فقال: غنني يا إسحاق صوتا غريبا لم أسمعه منك، حتى أسر به بقية يومي، قال: وكأن الله عز وجل أنساني الغناء كله إلا هذا الصوت: «3» [السريع]

يا دار إن كان البلى قد محاك

فإنه يعجبني أن أراك

أبكي الذي [قد] كان لي مألفا

فيك فآتي الدار من أجل ذاك

قال: فتبينت الكراهة في وجهه، وندمت على ما كان مني، وتجلد فشرب رطلا

ص: 323

كان بيده، وعدلت عن الصوت إلى غيره، وكان ذلك اليوم والله آخر جلوسي معه.

قال: وتوفي إسحاق ببغداد أول خلافة المتوكل، وكان يسأل الله ألا يبتليه بالقولنج لما رأى من صعوبته على أبيه، فأصابه ذرب «1» في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومئتين، وكان يتصدق في كل يوم أمكنه أن يصومه بمائة درهم، ثم ضعف عن الصوم، ومات في رمضان.

لما تولى المتوكل الخلافة بعد الواثق، طلب إسحاق، فلما حضر رمى إليه مخدة وقال: اجلس عليها، فإني سمعت أن المعتصم أول يوم خلافته رمى إليك بها وقال: ما يستجلب ما عند الحر إلا بالكرامة، وسأله سماع شيء من أغانيه، فغناه لحنه نظمه في نفسه وعماه:«2» [البسيط]

ما علّة الشيخ عيناه بأربعة

تغرورقان بدمع ثم تنسكب «3»

فأنعم عليه بمائة ألف درهم وصرفه، وسأله العود فتوجه من سر من رأى [ص 197] إلى بيته ببغداد، فتوفي بعد شهر، فبلغ المتوكل وفاته، فغمه وحزن عليه.

قال ادريس بن أبي حفصة يرثي إسحاق الموصلي: «4» [الطويل]

سقى الله يا بن الموصلي بوابل

من الغيث قبرا أنت فيه مقيم

ذهبت فأوحشت الكرام فما يني

بعبرته يبكي عليك كريم

إلى الله أشكو فقد إسحاق إنني

وإن كنت شيخا بالعراق مقيم

ص: 324

وقال محمد بن عمر الجرجاني يرثيه: «1» [الطويل]

على الجدث الشرقي عوجا فسلما

ببغداد لما ضن عنه عوائده

وقولا له لو كان للموت فدية

فداك من الموت الطريف وتالده

أإسحاق لا تبعد وان كان قد رمى

بك الموت وردا ليس يصدر وارده

إذا هزل اخضرت متون حديثه

ورقت حواشيه وطابت مشاهده

وإن جد كان القول جدا وأقسمت

مخارجه ألا تلين معاقده

فابك على ابن الموصلي بعبرة

كما ارفضّ من نظم الجمان قلائده

وقال مصعب الزبيري يرثيه، تغمده الله برحمته:«2» [الكامل]

لله أي فتى إلى دار البلى

حمل الرجال ضحى على الأعواد

كم من كريم ما تجف دموعه

من حاضر يبكي عليه وباد

أمسى يؤبّنه ويعرف فضله

من كان يثلبه من الحساد

فسقتك يا بن الموصلي سحابة

تروي صداك بصوبها وغواد

وقال أيضا: «3» [المتقارب]

تولى شبابك إلا قليلا

وحل المشيب فصبرا جميلا

كفى حزنا بفراق الصبا

وإن أصبح الشيب منه بديلا

ولما رأى الغانيات المشي

ب أغضين دونك طرفا كليلا

سأندب عهدا مضى للصبا

وأبكي الشباب بكاء طويلا

ص: 325

68-

إبراهيم بن المهدي «1» [ص 198]

رجل وضع في شرفه، وخضع من شرفه، رضع حب الغناء منذ فطم، وأعطى قياده لغير أهل الغناء وما حطم، وانحط إلى الحضيض وحطه كذي «2» الجناح المهيض، حتى إنه بعد أن أصفقت له الأيدي المبايعة «3» ، وصفت له القلوب للمشايعة «4» وعقدت البيعة في الرقاب، وعينت له الألقاب، وصعد المنبر وتبوأ أعلاه، وولج المحراب، وأقام الصلاة جذب «5» عن ذلك المقام، وكذب عليه ليقام، وعير بالغناء مهنته وانشغاله أهنته، حتى استحر وخلع، وعضد اصل سؤدده وقلع، ثم كان هذا عليه عارا يلبسه، وشنارا كما نهض به حسبه يجلسه «6» .

قال أبو الفرج، كان إبراهيم يقول: لولا أني أرفع نفسي عن هذه الصناعة لأظهرت فيها ما يعلم معه أنهم لم يروا قبلي مثلي.

قال إبراهيم: دخلت يوما على الرشيد، وفي رأسي فضلة من خمار «7» ، وبين يديه ابن جامع وإبراهيم الموصلي، فقال: بحياتي يا إبراهيم غنني، فأخذت

ص: 326

العود، ولم ألتفت إليهما فغنيت:«1» [الكامل]

أسرى لخالدة الخيال ولا أرى

شيئا ألذ من الخيال الطائف

قال: فسمعت إبراهيم يقول لابن جامع: لو طلب هذا بهذا [الغناء] ما نطلب لما أكلنا خبزا أبدا، فقال له ابن جامع: صدقت، فلما فرغت من غنائي، وضعت العود وقلت: خذا في حقكما ودعا باطلنا.

قال هبة الله بن إبراهيم بن المهدي: اتخذ أبي حراقة «2» ، فأمر بشدها في الجانب الغربي حذاء داره، فمضيت إليها ليلة، وكان أبي يخاطبنا من داره بأمره ونهيه وبيننا عرض دجله، فما أجهد نفسه.

قال ابن قتيبة، حدثني ابن أبي ظبية، قال: كنت أسمع إبراهيم بن المهدي يتنحنح فأطرب.

قال ابن خرداذبة، حدثني محمد بن الحارث بن بسخنر، قال: وجه إبراهيم بن المهدي يوما يدعوني، وذلك في أول خلافة [ص 199] المعتصم، فصرت إليه وهو جالس وحده، وشارية جاريته خلف الستارة، فقال لي: قد قلت شعرا وغنيت فيه، وطرحته على شارية فأخذته وزعمت أنها أحذق به مني، وأنا أقول إنها دوني في الحذق، وقد تراضينا بك حكما لموضعك من هذه الصناعة، فاسمعه مني ومنها، ولا تعجل حتى تسمعه مني ومنها ثلاث مرات، فاندفع يغني هذا الصوت:«3» [الطويل]

أضن بليلى وهي غير سخية

وتبخل ليلى بالهوى وأجود

فأحسن وأجاد، ثم قال لها: تغني فغنته فبرزت فيه كأنه كان معها في الجد،

ص: 327

ونظر إلي فعرف أني قد عرفت فضلها، فقال: على رسلك، وتحدثنا وشربنا، ثم اندفع فغناه ثانية، فأضعف في الإحسان، ثم قال لها: تغني، فغنت وبرعت وزادت وزادت اضعاف زيادته، وكدت أشق ثيابي طربا، فقال لي: تثبت ولا تعجل، ثم غناه ثالثة فلم يبق عليه في الإحكام، ثم أمرها فغنت، فكأنه إنما كان يلعب، ثم قال لي:[قل] ، فقضيت لها عليه، فقال: أصبت، فكم تساوي الآن عندك؟ فحملني الحسد عليها له والنفاسة بمثلها ان قلت: تساوي مئة ألف درهم، فقال: أو ما تساوي على هذا كله الا مئة ألف درهم؟! قبح الله رأيك، والله ما أجد شيئا في عقوبتك ابلغ من أن أصرفك، فقم فانصرف إلى منزلك مذموما، فقلت له: ما لقولك اخرج من منزلي جواب، فقمت وانصرفت وقد أحفظني كلامه وأرمضني «1» ، فلما خطوت خطوات التفت إليه فقلت: يا إبراهيم، أتطردني من منزلك، فو الله ما تحسن أنت ولا جاريتك شيئا.

وضرب الدهر من ضربه، ثم دعانا المعتصم بعد ذلك وهو بالوزيرية في قصر الليل «2» ، فدخلت أنا ومخارق وعلوية، وإذا أمير المؤمنين مضطجع «3» ، وبين يديه ثلاث جامات: جام فضة مملوءة دنانير جددا، [وجام ذهب مملوءة دراهم جددا] وجام قوارير مملوءة عنبرا، فظننا أنها لنا لم نشك به في ذلك، فغنيناه وأجهدنا بأنفسنا، فلم يطرب ولم يتحرك لشيء من غنائنا، ودخل الحاجب فقال: إبراهيم بن المهدي، فأذن له، فدخل فغناه أصواتا فأحسن فيها، ثم غناه بصوت من صنعته وهو هذا:«4» [ص 200][البسيط]

ما بال شمس أبي الخطاب قد غربت

يا صاحبيّ أظن الساعة اقتربت

ص: 328

فاستحسنه المعتصم وطرب وقال: أحسنت والله، فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين فإن كنت قد أحسنت فهب لي إحدى هذه الجامات، فقال: خذ أيها شئت، فأخذ التي فيها الدنانير، فنظر بعضنا إلى بعض، ثم غناه إبراهيم بشعر له:«1» [المتقارب]

فما مزة قهوة قرقف

شمول تروق براووقها

فقال: أحسنت والله يا عم وسررت، فقال: يا أمير المؤمنين: إن كنت أحسنت فهب لي جاما أخرى، قال: فخذ أيها شئت، قال: فأخذت الجام التي فيها الدراهم، فعندها انقطع رجاؤنا منها، وغنى بعد ساعة:«2» [الطويل]

ألا ليت ذات الخال تلقى من الهوى

عشير الذي ألقى فيلتئم الحب

فارتج بنا المجلس الذي كنا فيه، وطرب المعتصم، واستخفنا الطرب، فقام على رجليه وجلس، وقال: أحسنت والله يا عم، قال: فإن كنت أحسنت فهب لي الجام الثالثة، قال: خذها، فأخذها، وقام أمير المؤمنين، فدعا إبراهيم بمنديل فثناه طاقين، ووضع الجامات فيه، ودعا بطين فختمه ودفعه إلى غلامه، ونهضنا للانصراف، وقدمت دوابنا، فلما ركب إبراهيم التفت إلي وقال: يا محمد بن الحارث، زعمت أني لا أحسن أنا وجاريتي شيئا، وقد رأيت ثمرة الإحسان، [فقلت في نفسي: قد رأيت، فخذها لا بارك الله لك فيها! ولم أجبه بشيء] .

قال: دخل الحسن بن سهل «3» يوما على المأمون وهو يشرب، فقال: بحياتي

ص: 329

عليك يا محمد، إلا شربت معي قدحا، وصب له من نبيذ قدحا فأخذه بيده وقال له: من تحب أن يغنيك فأومأ إلى إبراهيم بن المهدي، فقال له المأمون: غن يا عم: «1» [البسيط]

تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت

يعرض به لما كان لحقه من السوداء والاختلاط، فغضب المأمون حتى ظن إبراهيم أنه سيوقع به، ثم قال له: أبيت إلا كفرا، يا أكفر خلق الله تعالى لنعمه، والله ما حقن دمك غيره، ولقد اردت قتلك فقال لي إن عفوت عنه فعلت فعلا لم يسبقك إليه أحد [ص 201] فعفوت والله عنك لقوله، أفحقه أن تعرض به؟

والله لا تدع كيدك ودخلك، «2» وأنفت من إيمائه إليك بالغناء، فوثب إبراهيم قائما وقال: يا أمير المؤمنين، لم أذهب حيث ظننت، ولست بعائد، فأعرض عنه.

قال حمدون: كنت أحب أن أجمع بين إبراهيم بن المهدي، وأحمد بن يوسف الكاتب، لما كنت أراه من تقدم أحمد عليه [وغلبته] الناس جميعا بحفظه وبلاغته وأدبه في كل محضر ومجلس، فدخلت يوما على إبراهيم بن المهدي، وعنده أحمد بن يوسف وأبو العالية الخزري، فجعل إبراهيم يحدثنا فيضيف شيئا إلى شيء، مرة يذكر ومرة يونث، ومرة يعظنا ومرة ينشدنا ومرة

ص: 330

يضحكنا، وأحمد بن يوسف ساكت، فلما طال بنا المجلس، أردت أن أخاطب [أحمد]، فسبقني إليه أبو العالية فقال:«1» [الرجز]

مالك لا تنبح يا كلب الدوم

قد كنت نباحا فما لك اليوم

فتبسم إبراهيم وقال: لو رأيتني في يد جعفر بن يحيى لرحمتني منه، كما رحمت أحمد مني.

قال إبراهيم بن المهدي: قلت للأمين يوما: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! [فقال: بل جعلني الله فداك] فأعظمت ذلك، فقال: يا عم، لا تعظمه فإن لي عمرا لا يزيد ولا ينقص، فحياتي مع الأحبة أطيب من تجرعي فقدهم، وليس يضرني عيش من عاش [بعدي] منهم.

قال إبراهيم بن المهدي: غنيت يوما الأمين: «2» [مجزوء الكامل]

أقوت منازل بالهضاب

من آل هند فالرباب

خطارة بزمامها

وإذا ونت ذلل الركاب «3»

ترمي الحصا بمناسم

صم صلادمة صلاب

قال: فاستحسن اللحن، وسألني عن صانعه، فأعلمته أن ابن جامع حدثني عن سياط «4» أنه لابن عائشة، فلم يزل يشرب عليه لا يتجاوزه، ثم انصرفنا ليلتنا تلك، ووافاني رسوله حين انتبهت [من النوم] وأنا أستاك، فقال لي: يقول

ص: 331

لك بحياتي يا عم، لا تشتغل بعد الصلاة بشيء غير الركوب [إليّ] فصليت وتناولت طعاما خفيفا وركبت إليه، فلما رآني من بعيد، صاح بي، بحياتي يا عم (خطارة بزمامها) ، فلما دخلت المجلس، ابتدأت [ص 202] فغنيته إياه، فأمر بإخراج صبية كان يتحظاها، فأخرجت إليه صبية كأنها لؤلؤة في يدها عود، فقال: بحياتي يا عم ألقه عليها، فأعدته مرارا وهو يشرب، حتى ظننت أنها قد أخذته، وأمرتها أن تغنيه، فإذا هو قد استوى لها، إلا في موضع كان فيه، وكان صعبا جدا، فجهدت جهدي أن يقع لها طلبا ليسر به، فلم يقع لها بتة، ورأى جهدي في أمرها وتعذره عليها، فأقبل عليها وقد سكر وقال: نفيت من الرشيد، وكل أمة لي حرة، وعلي عهد الله، لئن لم تأخذيه في المرة [الثالثة] لأمرن بإلقائك في دجلة، قال: ودجلة تطفح وبيننا وبينها ذراعان، وذلك في الربيع، فتأملت القصة، فإذا هو قد سكر والجارية لا تقوله كما أقوله أبدا، فقلت: هذه والله داهية ويتنغص عليه يومه، وأشرك في دمها، فعدلت عما كنت أغنيه عليه وتركت ما كنت أقوله، وغنيته كما كانت هي تقوله، وجعلت اردده حتى انقضت ثلاث مرات أعيده عليها، كما كانت هي تقوله، وأريته أني اجتهدت، فلما انقضت الثلاث مرات، قلت لها: هاتيه، فغنته على ما كان وقع لها، فقلت: أحسنت والله يا أمير المؤمنين، ورددته عليها ثلاث مرات، فطابت نفسه، وسكر فأمر لي بثلاثين ألف درهم.

قال محمد بن الحارث بن بسخنر: غنى إبراهيم بن المهدي يوما بحضرة المأمون: «1» [الكامل]

يا صاح يا ذا الضامر العنس

والرحل ذي الأنساع والحلس

أما النهار فأنت تقطعه

ركضا وتصبح مثل ما تمسي

ص: 332

قال: فاستحسنه المأمون وذهبت آخذه، ففطن بي إبراهيم، فجعل يزيد فيه مرة وينقص أخرى بزوائده التي كان يعملها في الغناء، وعلمت ما يصنع فتركته، فلما قام قلت للمأمون: يا سيدي، إن رأيت أن تأمر إبراهيم أن يلقي علي:

يا صاح يا ذا الضامر العنس

فقال: أفعل، فلما عاد قال له: يا إبراهيم ألق على محمد:

يا صاح يا ذا الضامر العنس

فألقاها علي كما كان يغنيه مغيرا، ثم انقضى المجلس وسكر المأمون، فقال لي إبراهيم: قم الآن فأنت أحذق الناس به، فخرج وخرجت، وجئته إلى منزله، فقلت له: ما في الأرض أعجب منك، أنت ابن خليفة وأخو خليفة [ص 203] تبخل على وليّ لك مثلي لا يفاخرك بالغناء، ولا يكاثرك بصوت! فقال لي: يا محمد، ما في الدنيا أضعف عقلا منك، والله ما استبقاني المأمون محبة لي، ولا صلة لرحمي، ولكنه سمع من هذا الجرم شيئا فقده من سواه، فاستبقاني لذلك، فغاظني قوله، فلما دخلت إلى المأمون حدثته بما قال لي، فقال لي: يا محمد، هذا أكفر الناس لنعمة، وأطرق مليا ثم قال: لا نكدر على أبي إسحاق وقد عفونا عنه، ولا نقطع رحمه، واترك هذا الصوت الذي ضن به عليك إلى لعنة الله.

قال محمد بن يزيد: لما رضي المأمون عن إبراهيم بن المهدي ونادمه، دخل إليه متبذلا في ثياب المغنين وزيهم، فلما رآه ضحك وقال: نزع عمي ثياب الكبر عن منكبيه، فدخل فجلس، فأمر المأمون ان يخلع عليه فلبس الخلع، ثم ابتدأ مخارق يغني:«1» [الطويل]

ص: 333

خليلي من كعب ألما هديتما

بزينب لا يفقد كما أبدا كعب

فقال إبراهيم: أسأت واخطأت، فقال له المأمون: يا عم إن كان أساء وأخطأ فأحسن أنت، فغنى إبراهيم الصوت، فلما فرغ منه قال لمخارق: أعده الآن، فأعاده فأحسن، فقال له إبراهيم: يا أمير المؤمنين، كم بينه الآن وبينه في أول الامر، فقال: ما ابعد ما بينهما، فالتفت إلى مخارق وقال: مثلك يا مخارق مثل الثوب الوشي الفاخر، إذا تغافل عنه أهله سقط عليه التراب، فحال لونه، فإذا نفض عنه عاد إلى جوهره.

قال إسحاق بن إبراهيم بن رياح: كنت أسأل مخارقا: أي الناس أحسن غناء؟

فيجيبني جوابا مجملا حتى حققت عليه يوما، فقال لي: إبراهيم الموصلي أحسن غناء من ابن جامع بعشر طبقات، وأنا أحسن من إبراهيم بعشر طبقات، وإبراهيم بن المهدي أحسن غناء مني بعشر طبقات، ثم قال: أحسن الناس غناء أحسنهم صوتا، وإبراهيم بن المهدي أحسن الإنس والجن والوحش والطير صوتا، وحسبك هذا.

قال إبراهيم بن المهدي وقد ذكر الطبل والإيقاع به، فقال: هو من الآلات التي لا يجوز أن تبلغ نهايتها، فقيل له: وكيف خص الطبل بذلك؟ [ص 204] فقال:

لأن عمل اليدين فيه عمل واحد ولا بد أن يلحق اليسار فيه نقص عن اليمين، ودعا بالطبل ليرينا ذلك، فأوقع إيقاعا لم نظن أن يكون مثله، وهو مع ذلك يرينا زيادة اليمين على اليسار، وقال له الامين في بعض خلواته: يا عم، أشتهي أن أراك تزمر، فقال: يا أمير المؤمنين، ما وضعت على فمي ناياقط، ولا أضعه، ولكن يدعو أمير المؤمنين بفلانة- من موالي المهدي- حتى تنفخ في الناي وأمر يدي عليه، وأحضرت فوضعت الناي على فمها وأمسكه إبراهيم، فكلما مر الهواء

ص: 334