الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصوت الذي ادّعته شارية حتى استوفاه، وتضاحكت الأخرى عريب، ثم قالت لجواريها: خذوا في الحق ودعوا الباطل، وغنوا الغناء القديم، فغنت بدعة وسائر جواريها، وخجلت شارية وأطرقت وظهر الانكسار فيها، ولم تنتفع هي يومئذ ولا أحد من جواريها، ولا متعصبيها بأنفسهم.
37- بصبص جارية ابن نفيس
«1»
جارية سمراء تهزأ بالأسمر، وترسل في طرفها الأسود الموت الأحمر، انغمست في ماء الدلال، وطبعت على صورة الهلال، بحمرة دبت في وجناتها، وأمكنت بواكير الورد من جناتها، وذبلت نرجس العيون وأقاح المقل من جناتها، وروّقت في رضابها الرحيق، وأشعلت فيما تحت نقابها الحريق، وجلتها كالبدر يعلوه تحت الشفوف غيم رقيق، كلف بها المهدي على عفاف مضاجعه، وكف مطامعه وصارت إلى ملك حيث الملوك إلى أبوابه وافدة، والأقدار له على عدوه مرافدة، واختصها بأنسه، واستخلصها لنفسه، وأولدها عليّة بنت المهدي، ولهذا نزعت إلى أمها، واغترفت الغناء من يمّها، وكانت قد أدّبها ابن نفيس فمهرت، وحجبها مدة مقصورة على التعليم حتى ظهرت.
قال أبو الفرج: كان يحيى بن نفيس مولاها صاحب قيان يغشاه الأشراف، ويسمعون غناء جواريه، وكان فيمن [يغشاه] عبد الله بن مصعب بن ثابت بن
عبد الله بن الزبير، فحج أبو جعفر أبو جعفر في بعض السنين، ومر بالمدينة، فقال عبد الله ابن مصعب، تذكر:«1» [السريع]
أراحل أنت أبا جعفر
…
من قبل أن تسمع من بصبصا
لو أنّها تدعو إلى بيعة
…
بايعتها ثم شققت العصا [ص 108]
فبلغت أبا جعفر، فدعا به فقال: أما أنكم يا آل الزبير قديما قادتكم النساء، وشققتم العصا، حتى صرت أنت آخر الحمقى تبايع النساء المغنيات، فدونكم يا آل الزبير هذا المرتع الوخيم، قال: ثم بلغ المنصور بعد ذلك أن عبد الله بن مصعب قد اصطلح «2» مع بصبص وهي تغنيه: «3» [السريع]
إذا تمزّزت صراحيّة
…
كمثل ريح المسك أو أطيب «4»
ثم تغنّى لي بأهزاجه
…
زيد أخو الأنصار أو أشعب
حسبت أني مالك جالس
…
حفّت به الأملاك أو موكب
وما أبالي وإله الورى
…
أشرّق العالم أم غرّبوا
قال أبو جعفر: لكن العالم لا يبالون كيف أصبحت، ولا كيف أمسيت، ثم قال أبو جعفر: لكن الذي يعجبني الليلة أن يحدوني الحادي بشعر طريف العنبري فهو ألذ في سمعي من غناء بصبص، ثم دعا الحادي «5» ، وكان إذا حدا أصغت الإبل إلى صوته وانقادت انقيادا عجيبا، فسأله المنصور: ما بلغ من حسن حدائه؟
[قال] : تعطش الإبل خمسا وتدنى من الماء، وأحدو أنا، فتتبع كلّها صوتي ولا تقرب الماء، فحفظ الشعر، وهو «1» :[الكامل]
إنّي وإن كان ابن عمّي كاشحا
…
لمزاحم من دونه وورائه
وممدّه نصري وإن كان امرأ
…
متزحزحا في أرضه وسمائه «2»
وأكون مأوى سرّه وأصونه
…
حتّى يحقّ عليّ يوم أدائه
وإذا أتى من غيبة بطريفة
…
لم أطّلع ماذا وراء خبائه
وإذا تحيّفت الحوادث ماله
…
قرنت صحيحتنا إلى جربائه
وإذا تريّش في غناه وفرته
…
وإذا تصعلك كنت من قرنائه
وإذا غدا يوما ليركب مركبا
…
صعبا قعدت له على سيسائه «3»
قال: فلما كان الليل حدا به الحادي بهذه الأبيات، فقال: هذا والله أحثّ [ص 109] على المروءة، وأشبه لأهل الأدب من غناء بصبص، قال: فحدا به ليله أجمع، فلما أصبح قال: يا ربيع، أعطه درهما، قال: يا أمير المؤمنين، حدوت لهشام بن عبد الملك فأمر لي بعشرين ألفا، وتأمر لي أنت بدرهم! قال: إنا لله، ذكرت مالم نحب أن تذكره، وصفت رجلا ظالما أخذ مال الله من غير حله، وأنفقه في غير حقه، يا ربيع، اشدد يديك به حتى يرد المال، فبكى الحادي وقال: يا أمير المؤمنين، قد مضت به السنون، وقضيت به الديون، ولا والذي أكرمك بالخلافة ما بقي منه شيء، فلم يزل به أهله وخاصته يسألونه في أمره حتى كف عنه، وشرط عليه أن يحدو به ذاهبا وراجعا، ولا يأخذ منه شيئا.
قال: هوي محمد بن عيسى الجعفري بصبصا جارية ابن نفيس، فهام بها، وطال عليه ذلك، فقال لصديق له: لقد شغلتني هذه عن ضيعتي وكل أمري، وقد وجدت مسّ السّلوّ عنها، فاذهب بنا حتى أكاشفها بذلك وأستريح، فأتيتها، فلما غنت لهما، قال محمد بن عيسى: أتغنين: «1» [الوافر]
وكنت أحبّكم فسلوت عنكم
…
عليكم في دياركم السّلام
قالت لا، ولكني أغني:[الوافر]
تحمّل أهلها عنّا فبانوا
…
على آثار من ذهب العفاء
قال: فاستحسنها، ثم زاد بها كلفا، فأطرق ساعة، ثم قال لها: أتغنيني: «2» [الطويل]
وأخضع بالعتبى إذا كنت مذنبا
…
وإن أذنبت كنت الذي أتنصّل
قالت نعم، وأغني:[الطويل]
فإن تقبلوا بالودّ نقبل بمثله
…
وننزلكم منّا بأقرب منزل
قال: فتقاطعا في بيتين، وتواصلا في بيتين.
وفي بصبص هذه يقول ابن أبي الزوائد: «3» [السريع]
بصبص أنت الشمس مزدانة
…
فإن تبذّلت فأنت الهلال
سبحانك اللهمّ ما هكذا
…
فيما مضى كان يكون الجمال
[ص 110] إذا دعت بالعود في مشهد
…
وعاودت يمنى يديها الشمال
غنّت غناء يستفده الفتى
…
حذقا وزان الحذق منها الدلال