الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
62- أبو صدقة
«1»
من المشهورين في أهل الموسيقا، والمشكورين تحقيقا، أطرب أصواتا، وأحيا نفوسا مواتا، خطب للتقريب وخطي إليه من غير مكان قريب، وإذا كان اندفع يغنّي استوجف الطير، وأوقف الراكب العجل عن السير، فكل مطرب يطير في الأوتار، ويطيب به حتى ذو الاقتار، لا يغلب على تدبير، ولا يشبه تلعّبه بالقلوب لاعب بالماء في الغدير «2» .
قال أبو الفرج: «3» كان الرشيد يعبث به كثيرا، فقال ذات يوم لمسرور: قل لابن جامع، وإبراهيم الموصلي، والزبير [ص 161] بن دحمان وبرصوما، وابن أبي مريم المديني، إذا رأيتموني قد طابت نفسي فليسألني كل واحد منكم حاجة، مقدارها مقدار صلته، وذكر لكل واحد منهم مبلغ ذلك، وأمرهم أن يكتموا أمرهم عن أبي صدقة، فقال لهم مسرور ما قال له، ثم أذن لأبي صدقة قبل إذنه لهم، فلما جلس قال: يا أبا صدقة، قد أضجرتني «4» كثرة مسألتك، وأنا في هذا اليوم ضجر قد أحببت أن أتفرج وأفرح، ولست آمن أن تنغص عليّ مجلسي بمسألتك، فإما إن أعفيتني أن تسألني اليوم حاجة [وإلا فانصرف]، قال: يا
سيدي لست أسألك في يومي هذا ولا إلى شهر حاجة، فقال له الرشيد: أما إذ قد شرطت لي هذا على نفسك فقد اشتريت منك حوائجك بخمس مئة دينار، وها هي ذه فخذها طيبة معجلة، فإن سألتني بعدها في هذا اليوم فلا لوم عليّ إن لم أصلك سنة بشيء، فقال له: نعم، فقال له الرشيد، زدني في الوثيقة، فقال:
قد جعلت أمر أمّ صدقة إليك فطلقها منّي متى شئت، إن شئت واحدة، وإن شئت الفا، إن سألتك في يومي هذا حاجة، وأشهد الله ومن حضر على ذلك، ودفع المال إليه، ثم أذن للجلساء والمغنين فدخلوا، وشرب القوم، فلما طابت نفس الرشيد، قال ابن جامع: يا أمير المؤمنين، قد نلت بك مالم تبلغه أمنيتي، وكثر إحسانك إليّ حتى قتلت أعدائي، وليس لي بمكة دار تشبه حالي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بمال أبني به دارا وأفرشها، لأفقأ عيون أعدائي وأزهق نفوسهم، فعل، فقال: كم قدرت لذلك؟ قال: أربعة آلاف دينار، فأمر له بها ثم قام إبراهيم الموصلي فقال: قد ظهرت نعمتك عليّ وعلى أكابر ولدي، وفي أصاغرهم من قد بلغ وأريد تزويجه، ومنهم من أحتاج أن أطهره، ومنهم صغار وأحتاج أن أتخذ لهم خدما، فإن رأى أمير المؤمنين أن يحسن معونتي على ذلك، فأمر له بمثل ما أمر لابن جامع.
وجعل كل واحد منهم يقوم فيقول من الثناء ما يحضره، ويسأل حاجة على قدر جائزته، وأبو صدقة ينظر إلى الأموال تفرق يمينا وشمالا، فوثب على رجليه قائما ورمى بالدنانير من كمه، وقال: يا أمير المؤمنين أقلني أقال الله عثرتك، قال له الرشيد: لا أفعل، فجعل يستحلفه ويضطرب ويلح، والرشيد يضحك ويقول [ص 161] : ما إلى ذلك سبيل، الشرط أملك، فلمّا عيل صبره أخذ الدنانير فرمى بها بين يدي الرشيد، فقال: هاكها قد رددتها عليك وزدتك فرج أم صدقة، فطلقها إن شئت واحدة، وإن شئت ألفا، وإن لم تلحقني بجوائز القوم،
فألحقني بجائزة هذا البارد ابن البارد، وأراد بذلك عمر بن الغزال، وكانت [صلته ألف دينار، فضحك الرشيد حتى استلقى، ثم رد عليه خمس مئة الدينار، وأمر له [ب]«1» ثلاثة آلاف دينار معها، وكان ذلك أكثر ما أخذه منه منذ يوم خدمته إلى أن مات.
قال: دخل جعفر بن يحيى على الرشيد صبيحة يوم مطر، فسأله عن يومه الماضي وما صنع فيه، فقال: كان عندي أبو زكّار الأعمى «2» وأبو صدقة، فغناني أبو صدقة صوتا من صنعته فطربت وو الله يا أمير المؤمنين طربا ما أذكر أني طربت مثله وهو:«3» [الخفيف]
فتنتني بفاحم اللّون جعد
…
وبثغر كأنه نظم درّ
وبوجه كأنّه طلعة البد
…
روعين في طرفها نفث سحر
فقلت له: أحسنت يا أبا صدقة، فلم أسكت عن هذه الكلمة حتى قال لي: يا سيدي، إني قد بنيت دارا وقد انفقت عليها حريبتي «4» ، وما أعددت لها فرشا فافرشها لي، نجّد «5» الله لك ألف قصر في الجنة، فتغافلت عنه، وأعاد الغناء والمسألة، فتغافلت، فقال: يا سيدي، هذا التغافل متى حدث لك؟ سألتك الله، وبحق أبيك عليك إلا أجبتني عن كلامي ولو بشتم، فأقبلت عليه وقلت: أنت والله بغيض، فاكفف عن المسألة الملحة، فوثب من بين يدي، فظننت أنه يخرج
لحاجة، فإذا هو قد نزع ثيابه، وتجرد منها خوفا من المطر، ووقف تحت السماء لا يواريه شيء، والمطر يأخذه، فرفع رأسه فقال: يا رب أنت تعلم أني مله ولست نائحا، وعبدك هذا الذي رفعته عليّ وأحوجتني إليه، يقول لي أحسنت، ولا يقول لي أسأت، وأنا منذ جلست اقول له بنيت ولا أقول له هدمت، فيحلف بك جراءة عليك أني بغيض، فاحكم بيني وبينه يا سيدي، فأنت خير الحاكمين.
فغلبني الضحك وأمرت به فجيء، وجهدت به في أن يغني، فامتنع حتى حلفت له بحياتك أني أفرش له داره يا أمير المؤمنين، وخدعته فلم أسمّ له ما أفرشها به، فقال الرشيد [ص 163] : طيب والله [الآن] تمّ لنا اللهو، هو ذا ادعوه، فإذا رآك فسيتنجز لك الفرش، لأنك حلفت له بحياتي، فهو يقتضيك ذلك بحضرتي ليكون أوثق، فإن قال لك فيه فقل: أنا أفرشها لك بالبواري «1» ، وإن شئت فالبردي «2» من الحصر، وحاكمه إلي، ثم دعا به فأحضر، فلما استقر في مجلسه قال لجعفر: الفرش الذي حلفت بحياة أمير المؤمنين الذي تفرش به داري تقدم فيه، فقال له جعفر: تخير إن شئت فرشتها لك بالبواري، وإن شئت فالبردي من الحصر، فضج واضطرب، فقال له الرشيد: وكيف كانت القصة؟ [فأخبره] فقال له: أخطأت يا أبا صدقة، إذ لم تسمّ النوع ولم تحدد القيمة، فإن فرشها لك بالبواري، أو بما دون ذلك، فقد وفي بيمينه، وإنما خدعك ولم تفطن أنت ولا توثقت، وضيعت حقك، فسكت وقال: نوفر عليه أيضا، البردي والبواري أعزّه الله.
وغنى المغنون، حتى انتهى الدور إليه، فأخذ يغني غناء الفلاحين والملاحين والسقائين، وما جرى مجراه من الغناء، فقال له الرشيد: وأي شيء هذا من الغناء