الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنهم:
2- ابن عائشة
«1» طوى زمان الغناء بموت قرنائه، وأنسى إحسان المحسنين بغنائه، وأسس مالم يشيد على بنائه، حتى كان مجمع أولئك العشاق وطراز حواشي تلك الأيام الرقاق، وألف من صغره مغازلة النساء، فجاء على غنائه تلك الرقة، وبان في أصواته الشّجية البكاء لتلك الفرقة، واتصل بالخلفاء اتصال أمثاله، واتصف بما فات مراد الظرفاء من آماله.
قال أبو الفرج، قال الوليد بن يزيد «2» لابن عائشة: يا محمد ألبغيّة أنت؟
قال: لا، ولكن كانت أمي يا أمير المؤمنين ما شطة، وكنت غلاما، وكانت إذا دخلت إلى موضع قالوا: ارفعوا هذا لابن عائشة، فغلبت على نسبي.
قال إسحاق: أخذ الغناء عن معبد ومالك، ولم يموتا حتى ساواهما، وكان حسن الصوت يفتن كل من سمعه، وابتداؤه الغناء كان يضرب به المثل، فيقال:
كأنه ابتداء ابن عائشة في الحسن. قال يحيى المكي: ثلاثة من المغنين كانوا أحسن الناس حلوقا: ابن عائشة [ص 5] وابن بيرق «3» وابن أبي اللباب، قال:
رأى «1» ابن أبي عتيق يوما حلق ابن عائشة مخدّشا، قال: من فعل بك هذا؟
فقال: فلان، فمضى ونزع ثيابه، وجلس للرجل على بابه، فلما خرج، أخذ بتلابيبه «2» ، وجعل يضربه ضربا شديدا، والرجل يقول: مالك تضربني؟ أي شيء صنعت؟ وهو لا يجيبه حتى فرغ منه، ثم خلاه، وأقبل على من حضر فقال: أراد أن يكسر مزامير داود، شدّ على ابن عائشة فخنقه وخدش حلقه.
قال صالح بن حيّان «3» ، وذكر يوما المغنّين بالمدينة، فقال: لم يكن بها أحد بعد طويس «4» أعلم من ابن عائشة، ولا أظرف «5» مجلسا ولا أكثر طيبا، وكان يصلح أن يكون نديم خليفة وسمير ملك.
قال إسحاق: كان ابن عائشة تائها سيىء الخلق، فإن قال له إنسان تغنّ، قال:
ألمثلي يقال هذا؟ فإن قال له قائل وقد ابتدأ وهو يغني: أحسنت، قال: ألمثلي يقال أحسنت؟ وسكت، وكان قليلا ما ينتفع به، فسال العقيق مرة «6» ، فدخل
الماء عرصة سعيد بن العاص «1» حتى ملأها، فخرج الناس إليها، وخرج ابن عائشة فيمن خرج، فجلس على قرن الثنيّة، فبيناهم كذلك إذ طلع الحسن «2» بن علي عليهما السلام، على بغلة وخلفه غلامان أسودان كأنهما الشياطين، فقال:
امضيا رويدا حتى تقفا بأصل القرن الذي عليه ابن عائشة، فخرجا حتى فعلا ذلك، ثم ناداه الحسن: كيف أصبحت يا ابن عائشة؟ فقال: بخير فداك أبي وأمي، قال: انظر من تحتك، فنظر فإذا العبدان «3» ، فقال له: أتعرفهما؟ قال نعم، قال: هما حرّان لئن لم تغنّ مئة صوت لأمرتهما بطرحك، وهما حرّان لئن لم يفعلا لأنكلنّ بهما «4» ولآمرنّ بقطع أيديهما، فاندفع ابن عائشة يغني، وكان أول ما ابتدأ به صوت، وهو:«5» [مجزوء الوافر]
ألا لله درّك من
…
فتى قوم إذا رهبوا
«6» ثم لم يسكت حتى غنّى مئة صوت، فقال: إن الناس لم يسمعوا من ابن عائشة أكثر مما سمعوه ذلك اليوم، وكان آخر ما غنّى به:[البسيط]«7»
قل للمنازل بالظّهران قد حانا
…
أن تنطقي فتبيني اليوم تبيانا
«1» قال جرير: ما رئي يوم أحسن منه «2» ، وما بلغني أن أحدا تشاغل عن غنائه بشيء، ولا انصرف أحد لقضاء حاجة ولا لغير ذلك حتى فرغ، ولقد تبادر الناس من المدينة [ص 6] وما حولها حيث بلغهم الخبر لاستماع غنائه، فما يقال إنه رئي جمع في ذلك الموضع مثل ذلك اليوم «3» ، ولقد رفع الناس أصواتهم:
أحسنت والله، أحسنت والله، ثم انصرفوا حوله يزفونه إلى المدينة.
قال علي بن الجهم «4» : حدثني رجل أن ابن عائشة كان واقفا بالموسم متحيرا، فمر رجل من بعض أصحابه، فقال له: ما يقيمك هاهنا؟ قال: إني أعرف رجلا لو تكلم لحبس الناس، فقال له الرجل، ومن ذاك؟
قال: أنا، ثم اندفع يغني:«5» [الوافر]
جرت سنحا فقلت لها أجيزي
…
نوى مشمولة فمتى اللّقاء
قال: فحبس الناس، واضطربت المحامل، ومدت الإبل أعناقها، وكادت الفتنة أن تقع، فأتي به هشام «6» ، فقال: يا عدو الله أردت أن تفتن الناس، فأمسك
عنه، وكان تياها «1» ، فقال له هشام: ارفق بتيهك يا ابن عائشة، فقال: حقّ لمن كانت هذه مقدرة «2» أنّ القلوب أن يتيه، فضحك منه وخلّى سبيله.
قال عمر «3» بن شبة، قال شيخ من تنوخ: كنت صاحب ستر الوليد بن يزيد، فرأيت عنده ابن عائشة، وقد غنّاه:«4» [الكامل]
إني رأيت صبيحة النّفر
…
حورا نفين عزائم الصّبر «5»
مثل الكواكب في مطالعها
…
بعد العشاء أطفن بالبدر
وخرجت أبغي الأجر محتسبا
…
فرجعت موفورا من الوزر
قال فطرب حتى كفر وألحد، فقال: يا غلام أسقنا «6» بالسماء الرابعة، وكان الغناء يعمل فيه عملا يضلّ عنه رشده من بعده، ثم قال أحسنت والله يا أمير المؤمنين «7» ، أعد بحقّ فلان، حتى بلغ من الملوك نفسه، فقال: أعد بحياتي، فأعاد، فقام إليه فلم يبق عضو من أعضائه إلا قبّله، وأهوى إلى هنه فضم [ابن عائشة] فخذيه، فقال: والله العظيم لا تريم حتى أقبله، فأبداه له فقبله، ثم نزع ثيابه فألقاها على ابن عائشة، وبقي مجرّدا إلى أن أتوه بغيرها، ووهب له ألف دينار وحمله على بغلة، فقال: اركبها بأبي أنت وانصرف، فقد تركتني على مثل المقلى من حرارة غنائك، فركبها على بساطه وانصرف.
قال: وخرج ابن عائشة يوما من عند الوليد بن يزيد وقد غنّاه: «1» [الوافر]
أبعدك معقلا أرجو وحصنا
…
قد اعيتني المعاقل والحصون [ص 7]
قال: فأطرق وأمر له بثلاثين ألف درهم، وبمثل كارة القصار «2» ثيابا «3» .
فبينا ابن عائشة يسير إذ نظر إليه رجل من أهل وادي القرى «4» ، كان يشتهي الغناء وشرب النبيذ فدنا منه غلامه وقال: من هذا الراكب؟ قال: ابن عائشة المغني، فدنا منه، فقال: جعلت فداك، انت ابن عائشة أم «5» أمير المؤمنين؟ قال لا، أنا مولى لقريش، وعائشة أمي، وحسبك هذا، ولا عليك أن تكثر. قال: وما هذا [الذي] أراه بين يديك؟ «6» قال: المال والكسوة «7» ، قال:
غنيت أمير المؤمنين صوتا فأطربه، فكفر وترك الصلاة، وأمر لي بهذا المال والكسوة، فقال: جعلت فداك، فهل تمنّ عليّ أن تسمعني ما أسمعته إياه، فقال له: ويلك أمثلي يكلم بهذا في الطريق؟ قال: فما أصنع؟ قال: الحقني بالباب، وحرك ابن عائشة بغله شقراء كانت تحته لينقطع عنه، فغدا معه حتى وافيا «8» الباب كفرسي رهان، فدخل ابن عائشة فمكث طويلا طمعا في أن يضجر فينصرف، فلم يفعل، حتى قال لغلامه: أدخله، فلما أدخله قال له: من أين صبك
الله عليّ؟ قال: أنا رجل من أهل وادي القرى أشتهي هذا الغناء، قال له: هل لك فيما هو أنفع لك منه؟ قال: وما ذلك؟ قال: مئة «1» دينار وعشرة أثواب تنصرف بها إلى أهلك، قال له: جعلت فداك إن لي لبنية ما في أذنها- علم الله- حلقة من الورق «2» فضلا عن الذهب، وإن لي زوجة ما عليها- شهد الله- قميص، ولو أعطيتني جميع ما أمر لك به أمير المؤمنين على هذه الخلعة «3» والفقر الذي عرّفتكهما وأضعفت لي ذلك، لكان الصوت أحبّ إليّ، وكان ابن عائشة تائها لا يغني إلا لخليفة، أو لذي قدر جليل من إخوانه، فعجب منه وغناه الصوت، فطرب طربا شديدا وجعل يحرك رأسه حتى ظن أن عنقه ستنقصف، ثم خرج من عنده ولم يزوّده «4» شيئا، وبلغ الخبر الوليد بن يزيد، فسأل ابن عائشة عنه فجعل يغيب عن الحديث، فعزم عليه الوليد فعرفه، فأمر بطلب الرجل فأحضره ووصله بصلة سنيّة وجعله من جملة ندمائه ووكّله بالسّقي، فلم يزل معه حتى مات.
قال يونس الكاتب «5» : كنا يوما متنزهين بالعقيق أنا وجماعة من قريش، فبينا نحن [على] حالنا، إذ أقبل ابن عائشة ومعه غلام من بني ليث وهو متوكّئ على يده [ص 8] فلما رأى اجتماعنا وسمعني أغني، جاءنا فسلّم وجلس إلينا وتحدث معنا، وكانت الجماعة تعرف سوء خلقه وغضبه إذا سئل أن يغني، فأقبل بعضهم على بعض يتحدثون بأحاديث (كثيّر) و (جميل) وغيرهما،
يستخرجون بذلك أن يطرب فيغني، فلم يجدوا عنده ما أرادوا، فقلت لهم أنا:
حدثني بعض الأعراب حديثا يأكل الأحاديث، فإن شئتم حدثتكم إياه، قالوا:
هات، قلت: حدثني هذا الرجل أنه مرّ بناحية الرّبذة «1» ، فإذا صبيان يتغاطسون في غدير، فإذا شاب جميل منهوك الجسم، وعليه آثار العلة، والنحول في جسمه بين، وهو جالس ينظر إليهم فسلمت فرد السلام وقال: من أين وضح الراكب؟ «2» فقلت: من الحمى «3» ، قال: ومتى عهدك به؟ قلت: رائحا، قال:
وأين كان مبيتك؟ قلت: ببني فلان، قال: أوّه، وألقى نفسه على ظهره وتنفس الصعداء تنفسا «4» قلت قد خرق حجاب قلبه، ثم أنشأ يقول:«5» [الطويل]
سقى بلدا أمست سليمى تحلّه
…
من المزن ما يروي به ويسيم «6»
وإن لم أكن من قاطنيه فإنه
…
يحلّ به شخص عليّ كريم
ألا حبذا من [ليس] يعدل قربه
…
لديّ وإن شطّ المزار نعيم «7»
ومن لا مني فيه حميم وصاحب
…
فردّ بغيظ صاحب وحميم
ثم سكت كالمغشي «8» عليه، فصحت بالصبيان، فأتوا بماء فصببته على وجهه، فأفاق وأنشأ يقول:«9» [الوافر]
إذا الصبّ الغريب رأى خشوعي
…
وأنفاسي تزيّن بالخشوع «1»
ولي عين أضرّ بها التّفاتي
…
إلى الأجراع مطلقة الدموع
إلى الخلوات يأنس فيك قلبي
…
كما أنس الغريب إلى الجميع
فقلت له: أنزل فأساعدك، وأكثر عودي علي بذي الحمى، في حاجة إن كانت لك، أو رسالة؟ قال: جزيت الخير وصحبتك السّلامة امض لطلبتك، فلو علمتك أنك تغني عني شيئا لكنت موضعا للرغبة وحقيقا بإسعاف المسألة، ولكنك أدركتني في صبابة من الحياة يسيرة، فانصرفت وأنا لا أراه يمسي «2» ليلته إلا ميتا، فقال القوم: ما أعجب هذا الحديث [ص 9] فاندفع ابن عائشة فغنّى في الشعرين جميعا فطرب وشرب بقية يومه، ولم يزل يغنينا إلى أن انصرفنا.
قال: وتوفي ابن عائشة في أيام الوليد بن يزيد، وقيل في أيام هشام. قال المدائني [فحدثني] «3» بعض أهل المدينة قال: أقبل ابن عائشة من عند الوليد بن يزيد، وقد أجازه وأحسن اليه، فجاء بما لم يأت أحد بمثله من عنده، فلما قرب من المدينة نزل بذي خشب «4» على أربعة «5» فراسخ من المدينة، وكان واليها