الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
173- رداح جارية عبد الرّحمن [ص 394]
المستظهر «1» ، وكانت أي هيفاء رداح «2» ، وسمراء تنتضي من جفونها السود بيض الصفاح، ذات جمال يغير البدر إن سفرت، ودلال يغير الغصن إن خطرت، وغنج يعيد سحر بابل إن نظرت، هذا إلى نغم يعلّم الحمائم في الأراك، ويوقع العشاق في الأشراك، ويفعل فعل البابلي، ويغسل حتى قلب الخلي، ويغلّ النار في الجوانح، ويشعر طرفها الكاسر بأن الظباء تصيد الجوارح. قيل إنّه كان يقال إنها بدعة القيان، وإنها بهذا كانت تدعى، ويحكى عنها لطائف وظرائف، ولها شعر ليس بطائل، ولها أعمال صنيعة، وأصوات بديعة، فمنها هذا:»
[الطويل]
أتعرف رسما كاطراد المذهب
…
لعمرة وحشا غير موقف راكب
ديار التي كادت ونحن على منى
…
تحل بنا لولا نجاء الركائب
تبدت لنا كالشمس تحت غمامة
…
بدا حاجب منها وضنت بحاجب
ولم أرها إلا ثلاثا على منى
…
وعهدي بها عذراء ذات ذوائب
والشعر لقيس بن الخطيم، والغناء فيه، ومن هذه القصيدة:
فلما رأيت الحرب حربا تجددت
…
لبست مع الحربين ثوب المحارب
رجال متى يدعوا إلى الموت يرقلوا
…
إليه كإرقال الجمال المصاعب
إذا فزعوا مدوا إلى الليل صارخا
…
كموج الأتي المزبد المتراكب
صبحناهم الآطام حول مزاحم
…
قوانس أولى بيضها كالكواكب
إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا
…
صدود الخدود وازورار المناكب
إذا قصرت أسيافنا كان وصلنا
…
إلى نسب من جذع غسان ثاقب «1»
صبحناهم شهباء يبرق بيضها
…
تبين خلاخيل النساء الهوارب
فأبنا إلى أبياتنا ونسائنا
…
وما من تركنا في بعاث بآئب
وحكي أن عبد الرحمن [ص 395] عزم على التفسّح في بعض الظواهر مدة يقيم بها في مضارب نصبت له على نهر يروق انحداره، وربيع بقل في وجنة الروض عذاره وكان الشتاء قد كلح وساء به مزاج الزمان ثم صلح، فلما عزم على الخروج أتت جواريه لوداعه، ورداح بينهن قد اغرورقت مقلتاها بالمدامع، وقطعت لديها أعناق المطامع، فوقفت وقفة المتعني، ثم اندفعت في صوت صنعته تغني:«2» [البسيط]
شط المزار بحدوى وانتهى الأمل
…
فلا خيال ولا عهد ولا طلل
إلا رجاء فما تدري أندركه
…
أم يستمر فيأتي دونه الأجل
والشعر لعمرو بن أحمر الباهلي «3» ، والغناء فيه من الهزج، ثم اتبعته بصوت آخر صنعته:[الطويل]
إذا ما كتمنا الحب نمّت عيوننا
…
علينا وأبدته العيون السواكب
وإن نحن أخفينا ضمائر حبنا
…
أشارت بتسليم علينا الحواجب
والشعر فيه مجهول، فبكى عبد الرحمن لبكائها، وطفق يضمها إليه، ثم أقبل على جواريه فقال: هلا كان فيكن واحدة فعلت مثل فعلها، ثم أمر بأن تخرج معه فأبت، فقالت: والله لا خرجت إلا أنا وصويحباتي، قال: فليخرجن، ثم خرجن معه، فلم يكن أحسن من ذلك المربع، ولا من أيام مضين فيه.
وحكي أن عبد الرحمن نظر إلى جارية عند بعض نساء الحرائر فأحبها، وفطنت الحرة لذلك، فحجبت الجارية عن نظره، وطالت مدة حجابها، وزيادة ما يجده من الجوى بها، ونمي الخبر في جواريه، واستفاض حال غرامه بها وعدم قراره لأجلها، فصنعت رداح صوتا وجودته ثم دخلت عليه وهي تغني به، والصوت:«1» [الطويل]
تمسك بحب الأخيلية واطرح
…
عدا الناس فيها والوشاة الأدانيا
فإن يمنعوا ليلى وحسن حديثها
…
فلم يمنعوا مني البكا والقوا فيا
يلومك فيها اللائمون فصاحة
…
فليت الهوى باللائمين مكانيا
لو انّ الهوى في حب ليلى أطاعني
…
أطعت ولكن الهوى قد عصانيا
[ص 396]
والشعر لتوبة بن الحميّر، والغناء فيه كان في مذهب شيخي، لم يتمالك معه عبد الرحمن أن فاضت عينه بالبكاء، وقال: ما الحيلة يا رداح؟ قالت: عزيمة مثلك، قال: هيهات أن تنفع العزيمة، ولكن قد يجيء في أحداث الدهر مالا يتوقعه المنتظر، فنقل المجلس إلى تلك الحرة، فقالت: هو ولي النعمة وأنا أمته