الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ورثاه الخطيب جمال الدين الصوفي النابلسي بقوله: [الطويل]
تعالوا بنا نذري الدموع الجواريا
…
ونستوقف الحادي ونبكي المغانيا
ونذكر عيشا مرّ حين حلا لنا
…
بأيّام أنس قد خلت ولياليا
ونسأل عن روح الحياة وطيبها
…
ملاعب ربّاب الحجاب الغوانيا
فإنا ذممنا العيش بعد محمّد
…
وذكّر بالأحزان من كان ناسيا
145- ومنهم- الكتيلة
بدر الدين محمد الجتكي المارديني، خطبته الملوك لمجالستها، وحطته مواضع [ص 332] القرناء لمنافستها، ونضرته لنعيمها «1» ، وسرته من العوارف بعميمها، وكان بصيرا بأخلاق العظماء، خبيرا باستدرار أخلاف الكرماء، ولم يزل جوّاب أسفار، وجوال بدر في غروب وأسفار، قليلا على ظهر المطية ظله «2» ، خفيفا مكانه من الخواطر ومحله، يزاحم في سحابه الوارد، ويتشوق إليه تشوق الظمآن إلى الماء البارد، واليقظان المسهد إلى المنام «3» الشارد، أتى قلعة الجبل وحل هالات دورها، وحظي بأيام سرورها، هذا وسلطانها يقبل المتاب، ويقبل على المنتاب، ويتلقى القادم بطلاقته، ويفك الرهن من عاقته، ووجد الزمان ما بسر «4» ، والبغاث «5» ما استنسر، والراعي لا يخاف الذئب على غنمه، والدم لا
يستباح منه إلا ما على الطرف المخضب من عنمه، والقلعة مسرح ظباء، ولا عقرب إلا بصدغ مليحة، ولا سيف يسل إلا بكرة صبيحة فقطع تلك المدد والدهر غافل، والبر سحابه حافل، والبدر في تلك الآفاق طالع غير آفل، ودخان الند يعقد سماء، وخدود الملاح يشرب ماء، ثم مات حيث تلاشى ذماء «1» الجود، ومص الثرى بقية الماء من الفرد.
أصله من أبناء الكتّاب، وكتب خطا حسنا، وقرأ طرفا من النحو والعربية، واتقن علم الموسيقا، وحفظ كثيرا من الشعر للقدماء والمحدثين، ونقل الأصوات المشهورة، وحفظ كثيرا من نوب عبد المؤمن وانخرط في سلك الندماء، وأهل المحاضرات، وملح وندر، وحكى الحكاية والخبر، وخدم ملوك ماردين «2» واتصل بهم، وحكي أنه حظي عند الملك الصالح شمس الدين وراج لديه، وسمع به السلطان الناصر فاستدعاه، وأقبل عليه غاية الإقبال، وكان له مكانة لم يبلغها أحد من أمثاله، وأمره بملازمة الجواري وتعليمهن ويلقي عليهن الأصوات، حتى تخرج غالب الجواري المحسنات، وكان يتردد إلى باب الستارة في كل يوم، وتخرج إليه الجواري، وكان مجيدا في الغناء، متقنا في سائر الخفيف والثقيل منه، غاية في ضرب الجنك «3» العجمي وتأليف الأنغام عليه، ولا يكاد يثبت سامعه لشدة الطرب، وكان يقيم بمصر المدد الطويلة، ثم يسأل في العود إلى ماردين فيؤذن له، فلا يكاد يصل [ص 333] ماردين ويستقر بها إلا وجهز السلطان في طلبه وبحث في سرعة عوده، فإذا وصل ضاعف الإكرام وعومل
بأكثر مما يعهد، وحصّل بهذا أموالا جزيلة، ونعما كثيرة والأنزال التي تزيد على عادة مثله، وحضرت مجلس السلطان مرة وعنده موسى بن مهنا، وكلاهما يضرب بالجنك بين يديه، فرأيت موسى بن مهنّا على سكونه العظيم ووقاره يميل يمنة ويسرة، وكان كتيلة ذلك اليوم كله يردد صوتا صنعه، والصوت:[البسيط]
يا دار عّزة من للواله الباكي
…
بنظرة يتملّى من محيّاك
ما هبّ من أيمن الوادي نسيم صبا
…
إلا وكان الهوى العذريّ يمناك
تحمّلي واحملي يا نوق واصطبري
…
على المسير فهذا من سجاياك
ولم يبق أحد من غلمان الدار وأعيان الأمراء، حتى هزه الطرب، ولولا مهابة السلطان لرقصوا، فلما فرغ مما هو فيه، أثنى السلطان عليه، وقال لموسى بن مهنا: كيف رأيت؟ فقال والله ظننت أنه يجذبني إليه، ولو لم أملك نفسي لوقعت عليه، وأمر له السلطان بألف دينار يتّجر بها، وكتب له توقيع مسامحة بما يجب عليه فيها من الموجبات الديوانية في السفر دائما صادرا وواردا، ومضى يوم عجيب لم ير مثله، ودخلت على السلطان يوما آخر وهو عنده، وقد أخذ في صوت صنعه، والصوت:[الطويل]
سلام على ليلى وليلى بعيدة
…
ولكنّها طيف إليّ قريب
بديعة حسن مالها من مماثل
…
إذا طلعت شمس النهار تغيب
كما أنّ قلبي في البلاد متيّم
…
كذا حسن ليلى في الحسان غريب
وكان الكتيلة يجيء إليّ في حوائجه التي تكون له عند السلطان، وكان كامل الأدب وافر المروءة، حسن الخلق، جميل العشرة، يرجع إلى كرم وطيب أعراق، وكان بينه وبين الكمال التوريزي ما يكون بين أرباب كل فن من المنافسة والحسد، وكان السلطان قد سمع بالكمال، وجاءته الأخبار بأنه فرد من أفراد
الدهر في فنه، فبعث إليه من يشخصه اليه، وتطلع إلى مقدمه عليه، وفخاف كتيلة من بواره به، فلم تمتد الأيام حتى جاءت الأخبار بأن الكمال مات فجاءة، فشاع ذكر بأن كتيلة إنما دبر عليه من قتله، ولعل هذا إنما من تشنيع العوام [ص 334] وأقوال الحسدة الطغام، ثم لم يلبث كتيلة بعده إلى أن عاد إلى ماردين فمات رحمه الله.
قلت: ولما انتهيت في ترجمتي هذه إلى هنا، وقعت على أصوات له صنع فيها ألحانا مشهورة، مما حدثني به خواجا محمد المارديني.
وكان من خلطائه وأهل صحبته، فمنها شعر الحلاوي وهو:[الكامل] .
ألف الملام ولام عن ميثاقه
…
رشأ فراق النفس دون فراقه
عذب اللّمى حلو الخلال كأنّما
…
خلقت مراشف فيه من أخلاقه
دقّت معاني حسنه ولقدّه
…
عبث الأنام من القنا بدقاقه
يهوى الوصال ولو بأيسر موعد
…
ويصد حتّى الطيف عن مشتاقه
يا محرقا قلبا أقام بربعه
…
ألا كففت جفاك عن إحراقه «1»
ومنها في شعر الحلاوي أيضا: [الكامل]
أحيا بموعده قتيل وعيده
…
رشأ يشوب وصاله بصدوده
قمر يفوق على الغزالة وجهه
…
وعلى الغزال بمقلتيه وجيده
ياليته بعد الملام فإنّه
…
ما زال ذا لهج بخلف وعوده
يفترّ عن عذب الرضاب حياتنا
…
في ورده والموت دون وروده
قمر أطاع الحسن منه وجهه
…
حتّى كأنّ الحسن بعض عبيده
أنا في الغرام شهيده ما ضرّه
…
لو أنّ جنّة وصله لشهيده
وهذه الأبيات من قصيدة فائقة منها مدح الملك الناصر داود: [الكامل]
يا يوسف الحسن الذي أنا في الهوى
…
يعقوبه نبّئ إلى داوده
أشكو إليه من الزمان فإنّه
…
ملك يشيب شظاه رأس وليده
ملك إذا اللأواء لاح لواؤها
…
هزمت كتائبها طوالع جوده «1»
غمرت مواهبه العفاة فأصبحت
…
ترجى المواهب من وفود وفوده
وإذا العدوّ نحته لدن رماحه
…
فتكت ثعالبها بغلب أسوده
من كلّ أسمر في الملاحم طالما
…
عاد الردى مهج الكماة بعوده
غصبت عواملها الظلام نجومها
…
والبان قد سلبته لين قدوده
[ص 335]
سمر إذا الجبّار سام دفاعها
…
وردت أسنّتها نجيع وروده
عذباتها صفر كوجه عدوّه
…
بالنصر تخفق مثل قلب حسوده «2»
ملك ألان لنا الزمان وإنّما
…
داود معجزة للين حديده
ومن أصوات كتيلة مما ذكر لي صاحبه خواجا محمد المارديني، أنّ كتيلة غناه بين يدي سلطاننا فأجزل عطاياه، ورفع على كاهل الجوزاء مطاياه:[الكامل]
ملك الملوك محمد أنت الذي
…
ذلّت ملوك الأرض بين يديه
شرف الملوك بأن يكون عبيده
…
أو أن يكونوا واقفين لديه
جهدوا وما دانوك في أدنى العلا
…
هيهات إن وصل الملوك إليه «3»
وإذا هم بلغوا السماء مكانه
…
لما تراموا في السماح عليه
والشعر لرجل من أهل ماردين.
ومنها صوته في شعر القاضي أبي الحسن: [الطويل]
أأيامنا بين الكثيبين في الحمى
…
وطيب ليالينا الحميدة فيهما
صحبنا بها شرخ الشّباب فدلّنا
…
على أعين كانت عن البين نوّما
فمن قائل لا آمن الدّهر حاسدا
…
وقائلة لا روّع البين مغرما
بدت صفرة في وجنتيه فلم تزل
…
مدامعه حتّى شربنا بها دما
ومنها صوته في شعر ابن زريق الكاتب: [البسيط]
بالله يا منزل القفص الذي درست
…
آثاره وعفت مدنية أربعه «1»
هل الزمان معيد فيك لذّتنا
…
أم الليالي التي أمضته ترجعه
في ذمة الله من أصبحت منزله
…
وجاد غيث على مغناك يمرعه
من عنده لي عهد لا يضيّعه
…
كما له عهد صدق لا أضيّعه
وقصيدة ابن زريق التي منها الصوت معروفة مشهورة لها في كل ناد نداء، ولها في كل واد حداء، وحمله مختارها سواه:[البسيط]
لا تعذليه فإن العذل ينفعه
…
قد قلت قولا ولكن لست أسمعه «2»
[ص 336]
جاوزت في لومه حدّ المضرّبه
…
من حيث قدّرت أنّ اللوم ينفعه
فاستعملي الرّفق في تأنيبه بدلا
…
من عنفه فهو مضنى القلب موجعه
يكفيه من روعة التفنيد أنّ له
…
من الهوى كلّ يوم ما يروّعه
ما آب من سفر إلا وأزعجه
…
رأي إلى سفر بالعزم يجمعه
كأنما هو من حلّ ومرتحل
…
موكّل بفضاء الأرض يذرعه
والله قسّم بين النّاس رزقهم
…
لم يخلق الله من خلق يضيّعه
أستودع الله في بغداد لي قمرا
…
بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودّعته وبودّي لو يعاجلني
…
ورد الحمام وأني لا أودّعه
لا أكذب الله ثوب الصبر منخرق
…
عنّي بفرقته لكن أرقّعه
إنّي لأقطع أيامي وأنفذها
…
لحسرة منه في قلبي تقطّعه
لأصبرنّ لدهر لا يمتّعني
…
به ولا بي في حال تمتّعه
علما بأنّ اصطباري معقب فرجا
…
فأضيق الأمر إن فكّرت أوسعه
عسى الليالي التي أضنت بفرقتنا
…
سمحا ستجمعني يوما وتجمعه
وإن تغل أحدا منّا منيّته
…
فما الذي في قضاء الله يصنعه
وموضع الصوت يكون أوله تلو: (إني لأقطع أيامي وانفذها) البيت.
ومن أصوات كتيلة في شعر البارع: [البسيط]
بالله يا ريح إن مكّنت ثانية
…
من صدغه فأقيمي فيه واستتري
وراقبي غفلة منه لتنتهزي
…
لي فرصة وتعودي منه بالظّفر
وإن قدرت على تشويش طرّته
…
فشوّشيها ولا تبقي ولا تذري
ولا تمسّي عذاريه فيفضحني
…
بنفحة المسك بين الورد والصّدر
وتتمة هذه القطعة:
وباكري عذب ورد من مقبّله
…
معلّل الطّعم بين الطّيب والخصر «1»
ثمّ اسلكي بين برديه على عجل
…
واستبضعي الطّيب وأتيني على قدر
[ص 337]
ونبّهيني دوين القوم وانتفضي
…
عليّ واللّيل في شكّ من السّحر
لعلّ نفحة طيب منك ثانية
…
تقضي لبانة قلب العاقر الوطر
ومن أصواته في شعر الجلال ابن الصفار المارديني: [الكامل]
يسعى بأبرق ذا من ثغره
…
يحيي وذا من مقلتيه قاتل «1»
عنيت إنسانا هما من لحظه
…
ذا سايف وبهديه ذا نابل «2»
فمتى تقوم قيامتي بوصاله
…
ويضمّ شملينا معاد شامل
وأكون من أهل الخطايا خدّه
…
ثاري وصدغاه عليّ سلاسل
وأولها:
أين السلو وما يروم العاذل
…
ممن له بهواك شغل شاغل
أنا ما سلوت وبرق فيه خلب
…
أسلو وعارضه أمامي سائل
ومن أصواته في شعره أيضا: [الطويل]
وفي خزرم لما حللنا فناءها
…
سكرى حيارى تحت ظل الغياهب «3»
تبدت لنا عند الصباح طليعة
…
من الترك مرد فوق جود السلاهب «4»
بأيديهم سمر طوال كأنما
…
أسنتها تبغي التقاط الكواكب
تثنوا غصونا في السروج وأطلقوا
…
سهام لحاظ من قسي الحواجب «5»
ولو كشفوا بيض العوارض في الوغى
…
لأغنتهم عن مثل بيض القواضب
ومن أصواته في شعره أيضا: [الكامل]
برق بدا من ثغرك المنعوت
…
أم لؤلؤ قد ضمّه ياقوت؟
يا للنصارى برقعوا شمّاسكم
…
قبل الضلال فإنّه طاغوت «1»
ما قام أقنوم الجمال بوجهه
…
إلا وفي ناسوته اللاهوت «2»
يشتاقه قلب إليه طائر
…
صبّ وطرف حائر مبهوت
فاحسن فإنّ الحسن وصف زائل
…
واصنع جميلا فالجمال يفوت
[ص 338]
واستبق من أهل الغرام ولا تجر
…
فيقلدوك دماءهم وتموت
أخبرني الجمال المشرقي ما معناه: أن أبا كتيلة كان يعزف، وزجاجته ما أبرزت، وكانت له معه نوادر تستحسن، ووقائع لا يعرف أنها أحسن، قال:
ومنها أنه لما اشتدّ يافعا، وأصبح لا يراد منه نافعا، سلك سبيل العتب في الإدلال، وفرط وأفرط في الاحتمال، حتى أتى إلى بركة كان قد صنعها النجم يحيى ملونة بالزجاج، ومشفقة كالقصور والجام، قد أقيمت حروفها وأحكم تأليفها، فأخذ حجرا بيده ورماها به، فثلمها وحطّ رتبة حسنها وحطّمها، فقال فيه:[السريع]
قل للذي ثلّم [في] بركة
…
ما يأخذ الثأر ولو هدّها
فتحت في أسفلها ثغرة
…
لو عاش ذو القرنين ما سدّها «1»
قال: ثم تعدى شوط عداته وتعالى قدره في بلاد ماردين، فخدم في أعمالها، وختم بتصرفه على مآلها، وولي نظر دنيسر، وهمى عليه صوب الرزق فأيسر، ونشأ ابناه مسعود ومحمد كتيلة وتعلما، وكبرا وتقدما، إلا أنّ الحمام أتى على مسعود أولا وشبابه شارخ، وغناؤه لم يصرخ باسمه صارخ، فبقي الذكر لأخيه مفردا، كأن لم يكن سواه من أبيه. فقال: وكان مسعود متعلقا بحبائل «2» ابن الملك المنصور صاحب ماردين، لا يخاف منه الخبر، ولا يسأل دونه السفر، وكان الملك المنصور قد أخذ ابنة الجنك البغدادية المغنية بغتة من بغداد، وأتى بها إلى ماردين وتركها بها مقيمة، وأهلها لا تعرف أرضا ابتلعتها، أو سماء اقتلعتها، وكان سبب هذا أن الملك المنصور كان رجلا جسيما وكان قد نقص عيار الدراهم بماردين حتى حول الدرهم مقدار الثلثين، فلما نزل الأرد ببغداد سافر للقاء القان، فلما كان يوم دخوله إلى بغداد، خرج أهلها ليروه، وكانت ابنة الجنك ممن خرجت، فلما مرّ عليها، قالت لبعض من كان عندها: من هو صاحب ماردين في هؤلاء؟ فقيل لها: هذا، وأشاروا إليه، فنظرت إليه وقالت: كل هذا بثلثين الا مارديني هو، فدخلت كلمتها [ص 339] في صماخ اذنه، وأذكت عليه نار إحنه، فطلب بعض خاصة قومه، وأمره أن يتعرف أمرها، حتى عرفها ثم عدا «3» عليها حتى أحضرها إليه ليلا لتغنيه فاختطفها وأركبها الخيل، وسيق بها
النهار والليل حتى أتى بها ماردين، وقبرها في بعض دورها، وتركها لا يحفل بأمورها، ثم أحضرها ليسمع غناءها، فما رآها حتى رابه أمره، وخامر لبه خمره، وتلف بها جوى في الجوانح، وهوى صاد شركه الجوارح، ثم طال عليها الاغتراب والحبس المضيق في عش الغراب، وكانت قد أنست إلى مسعود بن غدايفال لطول اجتماعها به في مجلس الملك المنصور، وعلقت قلبه فلم يجد سبيلا إليها إلا بأن حسّن لابن الملك المنصور حبّها وهون عليه قربها، واستغفل الملك المنصور حتى سافر إلى الموصل، واتى مع ابنه إليها، وباتا يحثان كؤوس الراح عليها، فلما عاد الملك المنصور أتته عينه الناظرة بما رأت، وحدثته ثقات خبره بالليلة التي جرت، فأحل بمسعود المنحوس الحمام، وأورده مورد الموت الحمام، وقد خافت بنت الجنك فأمسكت خفيها على يديها وتدلت من الساتون «1» حتى ثبتت على الأرض قدميها ولقت هناك خدمها، وكانت قد اتعدت مع ثقات لها منهم إلى هناك بالخيل، وسارت تقطع وتسابق السحاب الركام، حتى وافت مدينة سنجار «2» ، وبها الأمير يحيى بن الجلال، فاستجارت به فأجارها، ووسع تحت نقاط يده وجارها «3» ، وأتى الخبر الملك المنصور، فقتل صبرا، ولام أهل مشورته للتدبير، وبعث رسله إلى ابن الجلال يعتب، فضم ظهور المطي، وخصم ألسنة الملي البدري وأعلمه بما يجد لفرقتها، ويكوى به من نار حرقتها، فبعث بها إليه فتلقاها وأقرها لديه على أتم الأحوال وأبقاها، وذهب دم ابن غدا يفال هدرا، وكان حمه لها قدرا.