الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأديب أبو علي حاضر يسمعه، ويجني له من عوده ثمر السرور أجمعه، ثم فقد أخوه ذلك القانون، وطوى منه طرب المسامع والعيون، فأفكر فيه أيّة ذهب، وما الذي اختطف أوقاته به وانتهب، ثم وقع على الخبر في ذهابه وفجيعة أترابه بإطرابه، فإذا كان قد رأى صبيا فتنه بحسنه، واستماله بميل غصنه، جعل ذلك القانون صداقه وخلا معه، وعقد عليه عناقه، وبات معه مستبدلا من نظر الخلوة بجهر الخلوة، فساء ذلك أخاه، وثوّره ونحاه، وقال ما أحوجك إلى بلد يصونك، وإخراج العزيز الغالي من مكنونك، وهبك رأيت ظبيا سانحا أعجزك، وأنت أنت عن صيده وقد سنح، وإمساكه وقد جنح، وهل خلقنا لغير هذا، أو عرفت سهامنا إلى غيره نفاذا، ونحن نصل من الصيد إلى ما لا يصل إليه الطير ولا النشاب، ولا غيرهما من مثل هذه الأسباب، ثم حصره في أرجائه، وقسره في هجائه، فقال:[الكامل]
لي في دمشق أخ قليل عقله
…
لا بل سليب الذّهن كالمجنون
[ص 367]
أفعاله أبدا خراف كلّها
…
لكن ينيك العلق بالقانون «1»
159- ومنهم- عزيز جارية الحكم بن هشام
«2»
جارية لو أماطت نقابها للبدر لتلثم، ولو عاطت رضا بها البريء لتأثم، لو ألمت بحبها عزة الميلاء لما مالت، أو دعت لبنى للبثّ ما قالت، أو أسفرت لابن الرقيات لما رابه من ليلى أذى، أو جليت على بقية العشاق لعذر جميل إذ قال:
(رمى الله في عيني بثينة بالقذى)«1» ، مع سرعة بوادرر، وطرف نوادر، وحسن غناء يجر الافئدة بأشطان «2» ، وينفذ إلى القلوب بسلطان، وينفث السحر، فلا غرو إذا قيل إن الغناء مزمار الشيطان.
ومن أصواتها: «3» [الطويل]
وإني لأستحيي القنوع ومذهبي
…
فسيح وآبى الشح إلا على عرضي
وما كان مثلي يعتريك رجاؤه
…
ولكن أساءت سيمة من فتى محض
وإني وأشواقي إليك بهمتي
…
لكالمستقي من زبدة الماء بالمخض
والشعر لمسلم بن الوليد، والغناء فيه من أول الثقيل، وكذلك صوتها:«4» [الخفيف]
يا شبابي وأين مني شبابي
…
آذنتني أيامه بانقضاب
ومعز عن الشباب مواس
…
بمشيب اللدات والأصحاب
قلت لما انتحى يعد أساه
…
من مصاب شبابه فمصاب
ليس تأسو كلوم غيري كلومي
…
ما به ما به وما بي وما بي
والشعر لابن الرومي، والغناء فيه في الهزج.
وكذلك صوتها: «1» [المجتث]
تأمل العيب عيب
…
وليس في الحق ريب
فكل خير وشر
…
دون العواقب غيب
وإنما كل شيء
…
شبيبة ثم شيب
لا تحقرن سبيبا
…
كم جر نفعا سبيب
والشعر لابن الرومي، والغناء فيه....
وحكي أن الحكم [ص 368] كان يهوى جارية من جواريه اسمها حين، فخرج مرة إلى الصحراء متنزها، والربيع قد وشى الجلابيب، ووشح مجر أذيال الكثيب، فنزل والأصل قد اعتلت كأنها تشكو فراق حبيب، والشمس قد جعلت نصب عينها المغيب، وكان قد خلف حينا «2» وراءه فبات لا تطعم النوم جفونه، ولا تلمس الرقاد عيونه، فاستدعى ملهياته ليشغلنه ليلته بطربهن، وكانت عزيز شاعرة مغنية لبيبة أديبة فطينة، كثيرة الرواية، ففطنت لحال مولاها وما وجده لفراق حنين، ووجهه من القلق لوشيك البين، فصنعت لحنا في شعر بعض الأزد، وهو أبو عدي عامر بن سعيد أحد بني النمر بن عثمان:«3» [الطويل]
ألا من لنفس [لا] تؤدى حقوقها
…
إليها ولا ينفك غلا وثيقها
عصت كل ناه مرشد عن غواته
…
فإن لها في الغي نحبا يسوقها
إذا استدبرت من غيها عطف الهوى
…
عليها أمورا عصبة ما تطيقها
وقد دهديت بالحي دار مشتة
…
وصرف النوى اشتاتها وصفوقها
ألا طرقتنا أم سلم وأرقت
…
فيا حبذا إلمامها وطروقها
فيا ليتني حمت لنفسي منيتي
…
ولم تتعلقني لحين علوقها
وردّدته حتى أجادته، فلما استدعى الحكم جواريه، دخلت عزيز من باب المضرب وهي تغنّي هذا الصوت، فاهتز الحكم حتى خرج عن فرشه وقال: لله أنت يا عزيز، ما أبصرك بمواقع البلوى، وأعرفك بمواضع الشكوى، لمن الشعر؟
فقالت: إنه لرجل من بني النمر بن عثمان، فقال: والله أنت أحق منه، إذ أتيت به كأنه صيغ لما نحن فيه، ثم أمرها بإعادته، وبعث لوقته من أحضر حينا، وأقام في منتزهه أياما كأنما كانت أحلاما، وأمر لعزيز بعشرة آلاف، وأمرت لها حين بمثلها، ثم كانت تصفيها الودّ مدة حياة الحكم.
وحكي أنه استدعى بها في غرة يوم طلعت شمسا في صباحها وكأسا لا صطباحه، وكان [ص 369] الحكم لا ينال اللذات إلا سرا، ولا يلم بالشراب حتى يلقي عليها سترا، ولا يجالس إلا من داخل ستارة، ولا ينافس في القمر إلا من دائرة دائرة، خوفا من فضيحة الاشتهار، وفرارا من علن الإظهار، وظل يقترح يومه عليها وعلى سائر جواريه الأصوات، ويحث المدام بها في الخلوات، إلى أن صدع الليل زجاج النهار، وبان في جفن عين الشمس الانكسار، وشرعت تنكر الجواد، وتقبل شيعة الليل من الشرف بشعار السواد. قال الحكم: هل فيكن من ينظم في هذا الشعر؟ فبدرت عزيز فقالت: [الخفيف]
قد تقضي النهار إلا بقايا
…
من شعاع مخلّف للأصيل «1»
وأتانا الظلام من جهة الشر
…
ق فأهلا منه بخير نزيل