الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
189- ومنهم- عجيبة مغنّية الكامل
«1»
وكانت في نساء زمانها عجيبة، وفي أوانس أخدانها غريبة، من المغاني المشهورات، الغواني المذكورات، شغف بها الملك الكامل على دثور عقله، ووفور فضله، وكان لا يصبر عنها ليلة من الليالي، ولا يدع استرازها ولو بين تشجّر العوالي، وكانت ظريفة تأخذ بمجامع القلوب، وتخلب صوادف النفوس، وكانت تطلع إلى الملك الكامل وجنكها «2» محمول معها ووراءها الجواري والخدم، وكانت تحضر مجلسه سرا وعلانية، وتغنيه على الجنك وبالدف، وبها قدح فيه ابن عين الدولة القاضي لما قال له الملك الكامل في قضية من القضايا: أنا أشهد عندك بكذا، فقال: السّلطان يأمر وما يشهد، فأعاد عليه السلطان القول [ص 414] وأعاد عليه القاضي الجواب، فلما زاد الأمر، قال له السلطان: أنا أشهد، تقبلني أنت أولا؟ فقال: لا ما أقبلك، وكيف أقبلك وعجيبة تطلع إليك بجنكها كل ليلة وتنزل، تأتي يوم بكرة وهي تتمايل على أيدي الجواري والخدم، وينزل ابن الشيخ من عندك أنحس مما نزلت، فقال له السلطان (يا كنفرخ) وهي لفظة شتم بالفارسية، فظن ابن عين الدولة أنه قال له: كل فراخ، فقال: ما في الشرع كل فراخ، اشهدوا علي أني قد عزلت نفسي، وقام فجاء ابن الشيخ إلى الملك الكامل وقال له: المصلحة إعادته لئلا يقال لأي شيء عزل
القاضي نفسه، فيقال «1» : لأنه شهد السلطان عنده فما قبله، فيقال: لأي شيء ما قبله؟ فيقال: لأجل عجيبة، فتتمضمض بنا العوام، وتطير بها الأخبار إلى بغداد وإلى الملوك، فقال: صدقت، ونهض إلى القاضي فترضّاه، وأعاده إلى القضاء، وتأخر الأمر الذي كان يريد أن يشهد به.
عدنا إلى ذكر عجيبة والذي نعرف من أصواتها: [البسيط]
رفقا على ما أبقيت من رمقي
…
لا تأتسي لي بأن أبقى ولا تبقي «2»
هيهات أين البقا من موجع كمد
…
عليك صب بنار الشوق محترق
يا سائلي عن دمي لا تطلبوا أحدا
…
بعدي به فدمي المسفوك في عنقي
إني حملت على نفسي لشقوتها
…
مثل الجبال من البلوى فلم تطق
فمن رأى ليت شعري مثل موقفنا
…
يوم النوى أبحرا تجري من الحرق
يا آمري في دموعي بعد ما فنيت
…
بأن أصون وأحمي ما عساه بقي
والشعر لابن حجاج.
وحكي أنه أمر بها فأحضرت والغيم قد فرق في السماء قطعه، وطرز مذهّب البروق خلعه، وتشرين قد أرسل نجائب السحائب محبرة، والخريف قد جاء وراياته المختلفة مبشرة، وثغر الروض قد راق، ووقت السرور قد لاق، ولمى النهر قد حلا في فم من ذاق، وحر الهجير قد خمد لهيبه، وسبج «3» الفحم قد آن في المواقد ذهيبه، والبيوت قد هيّئت للكنّ، والمنازل [ص 415] قد قربت إلى الدنّ، والرواق قد رفعت صلبه المعلقة، والكؤوس بنطف الماء مخلقة وغير مخلقة، وقد حصل العود والعود، وأزلف المجلس لتطلع فيه طوالع السعود،
واندفعت تغنّي بصوت صنعته في بعض المشارقة، وصدعت به صباح تلك الشارقة، وهو هذا:[الطويل]
مشوق إذا ما ارتاح هيجه الحب
…
وصب لوبل الدمع في خده صب
وإن لاح وهنا برقه منه ينثني
…
وفي جفنه للدمع قد خده غرب
نضا عضب جفنيه عليّ عذاره
…
فمن مهجتي جفن ومن جفنه عضب
يعذب قلبي ظالما عذب ظلمه
…
ولكن تعذيبي لمرشفه عذب «1»
فلم يبق في المجلس إلا من مال، ودب للسكر بطربها في مفاصلهم نمال، واستدعى بها يوما وهو بداره بالفسطاط «2» المطلة على النيل، وقد نضدت رواشنها «3» ، وتلبثت قدامها أنواع المسك، وبرزت وعليها جواشنها «4» ، والنيل قد صفى مشربه، وخفي بتكاثر الأمواج مسربه، والبرق قد كحل جفن السحاب بمروده، والليل قد ذرّ في عين الشمس من إثمده «5» ، والهلال بقطع الغيم قد احتجب، والهلال المولي قد بلّل جناحه ليطير، وهذا من العجب في وقت غفل عنه الرقيب، ولم يحضره إلا مثل إسحاق أو حبيب، وأقبلت تحدثه وتغنّيه، وتفتح على يديه السؤل وتمنيه، وممّا غنته من أصواتها، والشعر قديم:[المنسرح]
دعه يداري فنعم ما صنعا
…
لو لم [يكن] عاشقا كما خضعا «6»
وكل من في فؤاده وجع
…
يطلب شيئا يسكن الوجعا
وا رحمتا للغريب في البلد النا
…
زح ماذا بنفسه صنعا
فارق أحبابه فما انتفعوا
…
بالعيش من بعده ولا انتفعا
ودام معها ليلته كلها، والبدر لا يعرف السرار، والبحر لا يدرك له قرار، والشموع كأنها عشاق تجري دموعها وتلتهب قلوبها الحرار، حتى هم الفجر أن يبوح بسره المكتوم، ويفك عن سفط النجوم طوابع الختوم، وقطرت أعطاف السحب متصببة، وجرت [ص 416] دموع النرجس في خدود الشقيق متصوبة، وقارب طلوع الصباح والجو بين برديه، وسيف البرق بين غمديه، واضطرب النسيم مذبذبا مبلبلا تلك الحدائق، واضطر الفجر إلى أن يقبل في ثغر الصبح المفتر تلك العقائق، فأشرف الملك الكامل، ومن مجر الرعد قد هول، والصباح الآتي قد فض ذيل الليل وقصر منه ما طول، فدعاها إلى الصبوح، وأقام بوجهها عذره عند الدهر الصفوح، فلما دارت به الحميّا، وذكرته هندا وميّا، أمرها أن تصنع لحنا في شعر بعض متيمي العرب، فصنعت في شعر ذي الرمه:«1» [الطويل]
أراني إذا هومت ياميّ زرتني
…
فيا نعمتا لو أن رؤياك تصدق «2»
يلوم على ميّ خليلي وربما
…
يجور إذا لام الشفيق ويحرق
غداة منى النفس أن تسعف النوى
…
بميّ وقد كادت من الوجد تزهق
لها جيد أم الخشف ريعت فأتلعت
…
ووجه كقرن الشمس ريان يشرق «3»
فوقع منه موقعا كان يجتذبه، ويأخذ بسمعه إليه ولو أراد أن يجتنبه، ثم أفاض عليها سجاله، ووسع في الكرم عليها محاله ومما يتبقى من محاسن هذه القصيدة المختار منها الصوت:«4»