الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقفت عليه وتمثلت: «1» [السريع]
يا منزلا لم تبل أطلاله
…
حاشا لأطلالك أن تبلى
لم أبك أطلالك لكنّني
…
بكيت عيشي فيك إذ ولّى
قد كان لي فيك هوى مرّة
…
غيّبه التّرب وما ملا
فصرت أبكي بعده جاهدا
…
عند ادّكاري حيثما حلا
والعيش أولى ما بكاه الفتى
…
لا بدّ للمحزون أن يسلى
قال: ثم بكت حتى سقطت من قامتها، وجعل النسوة يقلن لها: نفسك فإنك تؤخذين الآن، فبعد لأي احتملت بين امرأتين، حتى جاوزت الموضع.
30- سلّامة القسّ
«2»
وكانت شمس كواكب وأنس لاعب، لو قابلت البدر لاستتر، أو هابّت النسيم لفتر، قد طالت منى، وطابت جنى، وعرفت بالقس لأن بها لا يقاس، ولأن كل قلب لها دير أو كناس، أوقفت الغوادي، وبدت كالقمر البادي، إلى غناء تخالس الجليس ويحتبس الظعائن [ص 91] وقد شدّت العيس، يغنى عن منّة الأوتار، ورنّة الإعلان عند بلوغ الأوطار «3» .
قال أبو الفرج: إنما سمّيت سلامة القس، لأن رجلا يعرف بعبد الرحمن بن عمار الجشمي من قرّاء أهل مكة، كان يلقب القس لعبادته وأنه مرّ بمنزل أستاذ سلامة، فسمع غناءها فهويها «1» وهويته، وشغف بها واشتهر، حتى غلب عليها لقبه، وفيها يقول:«2» [الوافر]
أهابك أن أقول بذلت نفسي
…
ولو أنّي أطيع القلب قالا «3»
حياء منك حتّى سلّ جسمي
…
وشقّ عليّ كتماني وطالا
قال إسحاق: كانت حبابة وسلامة من قيان أهل المدينة، وكانتا حاذقتين ضاربتين ظريفتين، وكانت سلامة أحسنهما وجها، وكانت سلامة تقول الشعر، وكانت حبابة تتعاطاه فلا تحسنه.
قال أيوب بن عباية: كانت سلامة أحسنهما غناء، وهي المقدمة فلما صارتا إلى يزيد بن عبد الملك، ورأت حبّابة إيثار يزيد لها، ومحبته إياها، استخفت بسلامة «4» ، فقالت لها: يا أخيّة، نسيت فضيلتي عليك، ويلك، أين تأديب الغناء؟ وأين خلق التعليم؟ أنسيت قول جميلة وهي تطارحنا وتقول: خذي اتقان ما أطارحك من أختك سلامة ولن تزالي بخير ما بقيت لك، وكان أمركما مؤتلفا، قالت: صدقت يا أخت والله لا عدت إلى شيء تكرهينه، فما عادت إلى مكروه، وماتت حبّابة، وعاشت سلامة بعدها زمانا طويلا.
قال: لما قدم عثمان بن حيان المري المدينة واليا عليها، قال له قوم من وجوه الناس: إنك وليت المدينة على كثرة من الفساد، فإن كنت تريد أن تصلح،
فطهرها من الغناء والزنا، فصاح في ذلك وأجلّ أهلها «1» ثلاثا يخرجون فيها من المدينة، وكان ابن أبي عتيق غائبا، فلما كان آخر ليلة من الأجل قدم، قال: لا أدخل على منزلي حتى أدخل على سلامة القس، فدخل عليها فقال: ما دخلت منزلي حتى جئتكم أسلم عليكم، قالوا: ما أغفلك عن أمرنا؟ وأخبروه الخبر، فقال:[ص 92] اصبروا الليلة، فقالوا: نخاف ألا يمكنك شيء، قال: إن خفتم شيئا فاخرجوا في السّحر، ثم خرج فاستأذن على عثمان بن حيان، فأذن له وذكر غيبته وأنه جاء لقضاء حقه، ثم جزاه خيرا على ما فعل من إخراج أهل الغناء والزنا، وقال:[أرجو أن]«2» لا تكون عملت عملا هو خير لك من ذلك، قال عثمان: قد فعلت وأشار به عليّ أصحابك، قال: قد أصبت، ولكن ما تقول- أكرمك الله- في امرأة كأنت هذه صناعتها، وكانت تكره على ذلك، ثم تركته وأقبلت على الصوم والصلاة والخير، وإني رسولها إليك، تقول: أتوجه اليك وأعوذ «3» بك أن يخرجني من جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسجده، قال فإني أدعها لك ولكلامك، قال ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس، ولكن تأتيك وتسمع كلامها وتنظر إليها، فإن رأيت أن مثلها ينبغي أن يترك تركتها، قال: نعم، فجاء بها وقال: احملي معك سبحة وتخشعي، ففعلت، فلما دخلت عليه حدثته، فإذا هي أعلم الناس بالأخبار والأحاديث، فأعجب بها، وحدثته عن آبائه وأمورهم ففكه «4» لذلك، فقال لها ابن أبي عتيق: اقرئي على الأمير، فقرأت له، فقال: احدي «5» للأمير، ففعلت، فكبر عجبه بها، فقال: كيف لو سمعتها في صناعتها، فلم يزل يزين لها شيئا بعد شيء حتى أمرها بالغناء، فقال لها ابن أبي
عتيق عند ذلك غني: «1» [الطويل]
سددن خصاص الخيم لمّا دخلنه
…
بكلّ لبان واضح وجبين «2»
فغنّته، فقام عثمان من مجلسه فقعد بين يديها، ثم قال: لا والله ما مثل هذا من يخرج، فقال له ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس، يقولون: أقرّ سلامة واخرج غيرها، قال: فدعوهم جميعا، فتركوا وأصبح الناس يتحدثون بذلك، يقولون:
كلّم ابن أبي عتيق في سلامة فتركوا جميعا.
قال ابن أبي أويس: كان يزيد بن عبد الملك [يقول] : ما يقرّ بعيني ما أتيت من أمر الخلافة، حتى أشتري «3» سلامة وحبّابة، فأرسل فاشتريتا، فلما اجتمعتا عنده قال أنا والله كما قال الشاعر «4» :[الطويل]
فألقت عصاها فاستقرّ بها النّوى
…
كما قرّ عينا بالإياب المسافر
[ص 93] فلما توفي يزيد رثته سلامة وهي تنوح على قبره «5» : [مجزوء الرمل]
لا تلمنا إن خشعنا
…
أو هممنا بخشوع
إذ فقدنا سيّدا كا
…
ن لنا غير مضيع
قد لعمري بتّ ليلي
…
كأخي الداء الوجيع
كلّما أبصرت ربعا
…
خاليا فاضت دموعي «6»