الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلا معارض لك، فقال له إسحاق: يا أبا جعفر، ما غنيتك والله فيما قلت، ولكن قد قال إنه لا يعرف لمعبد هزج «1» غيره، فاكذبه أنت بهزج آخر له مما لا يشك فيه، فقال أحمد: لا اعرف، تمام الصوت:[البسيط]
قل للحمامة لا تعجل بإسراج
…
ليس الجواد بذاك السابح النّاجي
لما دعا دعوة أخرى فأسمعني
…
أخذت قولي واستعجلت إدلاجي «2»
44- شارية
«3»
جارية بيضاء مذكورة، هيفاء ممكورة، باهت بالغناء، وتاهت تيه الحسناء، وأربت على كل مجيد، وأبرّت على كل ذات سالفة وجيد، يقال إنها ريحانة من رياحين مخزوم، وممن حار بحبها اللزوم، فكانت درة تقلدها ملك فخر بأجداده، وجمع النقيضين ببياضها وسواده «4» ، وكانت تفوق كل جارية، وتفوت الكواكب وهي سارية.
قال أبو الفرج، قال عيسى بن هارون المنصوري: إنّ مولاة شارية «5» قدمتها ببغداد لتبيعها، فعرضتها على إسحاق بن إبراهيم [ص 120] الموصلي، فأعطى بها ثلاث مئة دينار ثم استعادها بذلك ولم يردّها، فجيء بها إلى إبراهيم بن المهدي، فعرضت عليه، فساوم بها، فقالت مولاتها: قد بذلتها لإسحاق بثلاثة
مئة دينار، والأمير أعزه الله أحق بها، فقال: زنوا لها ما قالت، ثم دعا بقيّمته فقال لها: خذي هذه الجارية ولا ترينيها سنة، وقولي للجواري يطرحن عليها، فلما كان بعد سنة، أخرجت إليه وسمعها، فأرسل إلى إسحاق وأراه إيّاها، وأسمعه غناءها، قال: هذه جارية تباع فبكم تأخذها لنفسك؟ فقال إسحاق:
آخذها بثلاثة آلاف دينار «1» وهي رخيصة، فقال إبراهيم، أتعرفها قال: لا، قال:
هذه الجارية التي عرضتها عليك الهاشمية بثلاث مئة دينار فلم تقبلها، فبقي إسحاق متعجبا من حالها وما انقلبت إليه.
قال ابن المعتز، ذكر أبو يوسف بن إبراهيم المصري صاحب إبراهيم بن المهدي، أن إبراهيم وجه إلى عبد الوهاب بن عليّ في حاجة كانت له، قال:
فلقيته وانصرفت من عنده، فلم أخرج من دهليزه حتى استقبلتني امرأة، فلما بصرت [بي]«2» سترت وجهها عني، فأخبرني بعض الشاكرية أن الامرأة أم شارية جارية إبراهيم، فبادرت إلى إبراهيم، وقلت: أدرك أم شارية في دار عبد الوهاب، وهي من تعلم، فقال لي في جواب ذلك: أشهدتك ان جاريتي شارية صدقة مني على ميمونة بنت إبراهيم بن المهدي، ثم أشهد ابنه على مثل ذلك، وأمرني بالركوب إلى دار ابن أبي دواد «3» وإحضار من قدرت عليه من الشهود، فأحضرتهم وكانوا أكثر من عشرين شاهدا، وأمر بإخراج شارية، فأخرجت، فقال: اسفري، فجزعت من ذلك، فأعلمها أنما أمرها بذلك لخير يريده لها، ففعلت، فقال: تسمي، فقالت: أنا شارية أمتك، فقال لهم: تأملوا وجهها، ففعلوا، فقال: أشهدكم أنها حرة لوجه الله تعالى، وأني قد تزوجتها وأصدقتها
عشرة آلاف درهم، يا شارية مولاة إبراهيم بن المهدي أرضيت؟ قالت نعم، رضيت، والحمد لله على ما أنعم عليّ، وأمرها بالدخول [ص 121] ، وأطعم الشهود وطيبهم وانصرفوا، فما أحسبهم بلغوا دار ابن أبي دواد، حتى دخل علينا عبد الوهاب بن علي فأقرأه السلام من المعتصم، ثم قال له: يقول لك أمير المؤمنين المفترض عليّ طاعتك، وصيانتك من كل ما يعودك، إذ كنت عمي وصنو أبي، وقد رفعت إليّ امرأة في قريش قصة ذكرت فيها أنها من بني زهرة صليبة «1» ، وأنها أم شارية أمتك، وكيف تكون امرأة من قريش أمة، فإن كانت هذه المرأة صادقة في أن شارية ابنتها، وأنها من بني زهرة، فمن المحال أن تكون شارية أمة، والأصلح بك والأشبه اخراج شارية من دارك، وتصيرها عند من تثق به من أهلك، حتى نكشف ما قالته المرأة، وكان في ذلك الحظ الأوفر لك في دينك وحقك، وإن لم يصح لك، أعيدت الجارية إلى منزلك، وقد زال عن نفسك القول الذي لا يليق بك ولا يحسن. فقال له إبراهيم: فديتك، هب شارية بنت زهرة بن كلاب، أتنكر على ابن العباس بن عبد المطلب أن يكون بعلا لها؟ قال: لا، فقال إبراهيم فأبلغ أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، أن شارية حرة، وقد تزوجتها بشهادة جماعة من العدول، وقد كان الشهود بعد منصرفهم من عند إبراهيم، صاروا إلى ابن أبي دواد، فشم رائحة الطيب منهم، فأنكره، فسألهم عنه فأعلموه أنهم حضروا عتق شارية جارية إبراهيم بن المهدي وتزوجه إياها، فركب إلى المعتصم فحدثه الحديث، فقال: ضلّ سعي عبد الوهاب، فلما رآه يمشي في صحن الدار سد المعتصم أنف نفسه، فقال: يا عبد الوهاب إني أشمّ رائحة صوف محرق، وأحسب عمي لم يقنعه ردك [إلا و]«2» على أذنك صوفة حتى أحرقها، فشممت رائحتها منك، فقال: الأمر على ما ظن أمير المؤمنين
وأسمج، ولما انصرف عبد الوهاب من عند إبراهيم، ابتاع إبراهيم من ميمونة شارية بعشرة آلاف درهم وستر ذلك عنها، وكان عتقه إياها وهي في ملك غيره، ثم ابتاعها من ميمونة فحل له فرجها، فكان يطؤها على أنها أمة، وهي تتوهم على أنه يطؤها على أنها زوجته حرة، فلما توفي طلبت مشاركة أم محمد [ص 122] بنت خالد زوجته في المهر، فأظهرت خبرها، وسألت ميمونة وهبة الله عن الخبر، فأخبرتا به، فأمر المعتصم بابتياعها، فابتيعت من ميمونة [بخمسة آلاف و] خمس مئة دينار، فحولت إلى داره، فكانت في ملكه إلى أن توفي.
قال ابن المعتز: وحدث حمدون بن إسماعيل أنه دخل على إبراهيم يوما فقال له: أتحب أن أسمعك شيئا لم تسمع قط مثله، فقلت: نعم، فقال: هاتوا شارية، فخرجت فأمرها أن تغني لحن إسحاق «1» [البسيط]
هل بالدّيار التي أحببتها أحد
قال حمدون: فغنّي شيء لم أسمع قط مثله، فقلت: لا والله يا سيدي ما سمعت هكذا قط، قلت: أتحب أن تسمعه أحسن من هذا؟ قلت: لا يكون، قال: بلى والله، تقر بذلك، فقلت: على اسم الله، فغناه هو، فرأيت فضلا عجيبا، فقلت: ما ظننت أن هذا يفضل ذلك هو الفضل، قال: أفتحب أن تسمعه أحسن من هذا وذاك؟ قلت: هذا الذي لا يكون أبدا، فقال: بلى والله، فقلت: هات، قال: بحياتي يا شارية قوليه وأحيلي «2» حلقك [فيه]، قال:
فغنّت، فسمعت والله فضلا بيّنا، فأكثرت التعجب، فقال لي: والله يا أبا جعفر ما أهون هذا على السمع! تدري كم رددت عليها موضعا في هذا الصوت؟