الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أعطوه مئة دينار، وأعطوا الرسول خمسين دينارا من مالنا، عوض الخمسين التي «1» أراد أن يأخذها ابن اشعب، فقبضها وقمنا، فما حظي أحد بشيء غيري وغير الرسول «2» .
قال إسحاق: حدّثت أن الأبجر أخذ صوتا من الغريض ليلا، ثم دخل الطواف، فلقي عطاء بن أبي رباح يطوف، فقال له: يا أبا محمد اسمع صوتا أخذته في هذه الليلة من الغريض، فقال له: ويحك، في هذا الموضع، فقال: كفرت برب هذه البنيّة لئن لم تسمعه مني سرّا إن لم أجهر به، فقال: هاته، فغناه:«3» [السريع]
عوجي علينا ربّة الهودج
…
إنك إن لم تفعلي تحرجي
في الحجّ إن حجّت وماذا منى
…
وأهله إن هي لم تحجج
فقال له عطاء: الخير كله في منى وأهله، حجّت أو لم تحجّ فاذهب الآن.
قال: وختن عطاء بنيه أو بني أخيه، فكان الأبجر يختلف إليهم ثلاثة أيام يغني [لهم] .
11- فريدة
«4»
وكانت فريدة جمال، ووحيدة كمال، وبديعة حسن وإحسان، وفصيحة عود ولسان، ربيبة خدر، وشبيهة بدر، ومتقنة لطرب، ومحسنة لا يقاس بها من
إذا أحسن كان قد ضرب، توقع الضرب فلا تبين أناملها اللمس، وتضرب بالدّفّ فلا يظنّ إلا أن البدر في يد الشمس، ولع بها الواثق أشد الولوع، وكان يضنّ بها على من بعده، ويجري «1» الدموع.
قال أبو الفرج، قال علي بن يحيى المنجم: حدثني محمد بن الحارث بن بسخنّر قال: كانت لي في خدمة الواثق في كل جمعة نوبة، إذا حضرت، ركبت إلى الدار، فإن نشط للشرب [ص 35] أقمت عنده، وإن لم ينشط انصرفت، وكان رسمنا ألا يحضر أحد منا إلا في يوم نوبته، فإني لفي منزلي في غير يوم نوبتي، إذا رسل الواثق قد هجموا عليّ وقالوا لي: احضر، قلت: لخير؟ قالوا:
خيرا إن شاء الله، فقلت: إن هذا يوم لم يحضرني فيه أمير المؤمنين قط، ولعلكم غلطتم، قالوا: الله المستعان، لا تطل وبادر، فقد أمرنا أمير المؤمنين أن لا ندعك تستقر على الأرض، فداخلني فزع عظيم، وخفت أن يكون ساع سعى عليّ، أو بلية قد حدثت في رأي الخليفة فيّ، فتقدمت لما أردت حتى وافيت الدار [فذهبت] لأدخل «2» من حيث كنت أدخل، فمنعت، وأخذ بيدي الخادم، فعدلوا بي إلى ممرات لا أعرفها، فزاد ذلك من جزعي، ثم لم يزل [الخدم] يسلموني من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة الصحن «3» ، ملبسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب، ثم أفضيت إلى رواق أرضه وحيطانه ملبسة
كذلك، ثم نظرت فإذا الواثق في صدره على سرير مرصع بالجوهر، وعليه ثياب منسوجة بالذهب، وإلى جانبه فريدة جاريته عليها مثل ثيابه وفي حجرها عود، فلما رآني قال: جودت «1» والله يا محمد إلينا «2» ، فقبلت الأرض، وقلت:
خيرا يا أمير المؤمنين، قال: خيرا، أما ترانا: طلبت والله ثالثا يؤنسنا، فلم أر أحق بذلك منك، بحياتي بادر وكل شيئا وعجّل إلينا، فقلت: قد والله يا سيدي أكلت وشربت آنفا، قال: فاجلس، فجلست، وقال: هاتوا لمحمد رطلا في قدح [فأحضرت]، فاندفعت فريدة تغني:«3» [الطويل]
أهابك إجلالا وما بك قدرة
…
عليّ ولكن ملء عين حبيبها
وما هجرتك النّفس أنّك «4» عندها
…
قليل ولكن قلّ منك نصيبها
فجاءت والله بالسحر، ثم إن الواثق جعل يحادثها في خلال ذلك وتغني الصوت بعد الصوت، وأغني أنا أيضا في خلال غنائها، فمّر لنا يوم حسن، ما مرّ لأحد مثله، فإنا لكذلك إذ رفع رجله فضرب بها صدر فريدة ضربة فدحرجها من السرير إلى الأرض، وتفتت عودها ومرت تصيح، وبقيت كالمنزوع الروح، لم أشك في أن عينه وقعت عليّ، وقد نظرت إلى الأرض، وأطرقت أتوقع ضرب العنق، فأنا كذلك إذ قال: يا محمد، فوثبت قائما، فقال: ويحك، أرأيت ما اتفق، علينا؟ قلت: يا سيدي، الساعة تخرج روحي، فقل لي، من أصابنا بالعين [ص 36] لعنه الله، وما كان السبب؟ قال: لا والله، ولكني فكرت أن جعفرا كان يقعد هذا المقعد، وتقعد معه كما هي قاعدة معي، فلم أطق الصبر، وخامرني ما
أخرجني إلى ما رأيت، فسرّي عني، وقلت: بل يقتل جعفر ويحيا أمير المؤمنين أبدا وقبّلت الأرض وقلت: الله الله يا أمير المؤمنين ارحمها فأمر بردّها، فقال لبعض الخدم الوقوف من يجيء بها، فلم يكن بأسرع من أن أقبلت وفي يدها عودها، وعليها غير الثياب التي كانت عليها، فلما رآها جذبها إليه وعانقها، فبكت وجعل يبكي، واندفعت أنا في البكاء، وقالت: ما ذنبي يا مولاي، وبأي شيء استوجبت هذا، فأعاد عليها ما قاله لي وهو يبكي، فقالت: سألتك الله يا أمير المؤمنين إلا ضربت عنقي السّاعة وأرحتني من الفكر في هذا، وأرحت نفسك من الهم، وجعلت تبكي ويبكي، ثم مسحا أعينهما، ورجعت إلى الغناء، وأومأ إلى خدم فمضوا وأحضروا أكياسا فيها عين وورق «1» ، ورزما فيها ثياب كثيرة، وجاء خادم بدرج ففتحه فأخرج منه عقدا ما رأيت مثله قط فألبسها إيّاه، وأحضرت بدرة «2» فيها عشرة آلاف درهم فوضعت بين يديّ، وخمسة تخوت «3» ثياب، وعدنا إلى أمرنا، وإلى أحسن ما كنا فيه، فلم نزل كذلك إلى الليل، ثم تفرقنا.
وضرب الدهر من ضربه، وتقلد المتوكل الخلافة، فو الله إني لفي منزلي في غير يوم نوبتي، إذ هجم عليّ رسل الخليفة، فما أمهلوني حتى ركبت وصرت إلى الدار، فأدخلت والله الحجرة بعينها، وإذا المتوكل في الموضع الذي كان فيه الواثق بعينه، وعلى ذلك السرير، وإلى جانبه فريدة، فلما رآني قال: ويحك ما ترى ما نحن فيه من هذه! أنا من غدوة أطلبها أن تغني فتأبى ذلك، فقلت: سبحان الله، تخالفين سيدك وسيد البشر، بحياته غني، فضربت والله العظيم واندفعت