الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
156- ومنهم- نظام الدّين يحيى بن الحكيم
الجعفري الطيّاري البغدادي الدار، المقيم الآن بدمشق حيث تشوق ربوتها، وتسوق الصبابة إلى النفوس صبوتها، قد تم بمن وراءه إلى هذه البلاد آمنين، وقام مشكورا هذه السنين وعكف على الحديث النبوي يسمعه ويكتب أجزاءه وطباقه، ويجد إليه تبكره وسباقه، وله حديث لا يمل، وأنس على القلوب لا يذل، وفضل أصبح له خلفا، وكرم لو وصف به غيره لكان خرفا، وله مشاركة في الأدب، ومحاسنه تأتي منه بآيات لا يتقاصر بناؤها، وفقرات ظاهر غناؤها، فأما صناعة الغناء، فهو محرز قصباتها ومستمع مضروباتها، لو عرض الموصلي عليه أصواته لجودها، أو زلزل لثبت قدمه ووطدها، أو ابن جامع «1» لأقر له في المجامع، أو معبد لاعترف له بأنه المفرط وهو الجامع، وهو من صدور بغداد، وممن يدخل مع خلة أهلها في الأعداد، وله جملة محاسن تغني معرفتها عن التعداد، كان الحكيم نور الدين «2» من الحكماء الفضلاء، والأعيان المتميزين في صناعة الكحل، واتصل بالأردو وخدم البيت الهولاكي، والقان والخواتين والأمراء والخواجكية «3» ، واتصل بالوزراء واختلط في صحبتهم، وعدّ في جملتهم، وحصل الأمور الجمّة. والملك والعقار، واقتنى ببلاد بغداد والحلة»
من ذلك ما يتحصل منه الريع الكثير، والمبلغ الجزيل، واشتغل نظام الدين ولده، وكتب وتأدب وأخذ تعليم المنسوب والموسيقا عن السهروردي، وكتب خطا حسنا
مليحا، وتفرد بعمل المشجّرات، حتى شجر في العلوم على اختلاف أنواعها، وأجاد في الموسيقا وبرز فيها، وسمعت من صناعته المطربة، ورأيت من تشجيره الفائق ملء العين والأذن، وسر البصر والسمع، ودنا من السلطان أبي سعيد بهادر قان رحمه الله دنوا زائدا، وكان ممن شملته لديه عناية الوزير ملك الوزراء محمد خواجا رشيد، وتقدم به، كان لا يزال يحضر مجلسه ويكون [ص 362] من المقربين إليه وأهل الحظوة لديه، واستكتبه عن القان أبو سعيد، وعنه [تصدر] الكتب العربية التي كانت تكتب إلى سلطاننا، وإلى السلطان محمد بن طغلقشاه بالهند، وكانت له جملة كبيرة على ذلك، مع ما له من المقدرات والأقدارات والرواتب، وكان لا يتلقى المراسم إلا عن الوزير، ولم يكن كاتبا مستقرا للإنشاء، إذ لا عادة للقوم بذلك، ولكنه كان في هذا المعنى، ولقد كانت تجيء بخطه الكتب المليحة البليغة بالخط المليح، والألفاظ الفصيحة السهلة التناول، القريبة المأخذ، على خاطري منها في كتاب كبير عن أبي سعيد إلى سلطاننا في معنى الحاج العراقي، وأنّ توجّهه من العراق إلى الحجاز، أقرب عليه من توجّهه على الشام إلى الحجاز.
قال فيه: «والقلوب بالإحسان تملك، وأقرب الطرق إلى الله أولى بأن تسلك» ، وهاتان كلمتان تقوم في المعنى المقصود مقام كتاب مطول، مع خفة موقعهما، وتمكينهما في موضعهما، ولقد كان يقع في كتبه في هذه النسبة كل حسن، وكان يجري على الطلق «1» ممتد الرسن، وقد جهز مرات أميرا على المركب العراقي، تارة مستقلا، وتارة شريكا، وكانت تجيء أخباره بتوجهه، ولما آل الملك إلى موسى قان الملك القائم من ولد بيدو، ضاعف علي باشا بن حنجل- القائم بدولته- إكرامه، ووفّر احترامه، وكان هو والأمير الوزير نجم الدين محمود