الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال أبو الفرج، قال هاشم بن سليمان: أصبح موسى الهادي يوما وعنده جماعة منا، فقال: غنّنا: «1» [الكامل]
أبهار قد هيّجت لي أوجاعا
…
وتركتني عبدا لكم مطواعا
فإن أصبت حاجتي فلك حاجة مقضية، فغنّيته فقال: أصبت وأحسنت، سل تعط حاجتك، فقال: يا أمير المؤمنين، تأمر بأن يملأ هذا المكان دراهم، وكان بين يديه كانون عظيم، فأمر به فملىء، فلما حصلها قال: يا قصير الهمة، والله لو سألت أن أملأها دنانير لفعلت، فقلت: أقلني يا أمير المؤمنين، قال: لا سبيل إلى ذلك، ولم يسعدك الجد به، وتمام الصوت الذي اقترحه موسى الهادي على هاشم بن سليمان:«2» [الكامل]
بحديثك الحسن الذي لو حلفت
…
وحش الفلاة به لجئن سراعا
وإذا مررت على البهار منضدا
…
في السوق هيج [لي] إليك نزاعا
والله لو علم البهار بأنّها
…
أضحت سميته لطال ذراعا
42- عمرو بانة
«3»
مفيد طرب، ومجيد إذا ضرب، طالما غنّى فخرق كلّ حجاب، واستنفق العبرة بغير حساب، كم له في الطرب دقة داخلة، ويد غير باخلة، بكل إشارة وافية،
وعبارة للعود الأعجم بما يتخير من معاني العرب كافية، كم حضر في مجلس فقال السرور ما غبت، وانجح فقال الاستحقاق «1» ما خبت، [ص 117] وكان مهما حضر دار الخلافة، استقله معروفها، ودبت إليه قطوفها، فكان أنّى أمر الدهر ائتمر، ومهما غرس الطرب في سمع اجتنى الثمر.
قال أبو الفرج: كان تائها معجبا، وكان ينادم الخلفاء على ما فيه من الوضح، وفيه يقول الشاعر:«2» [المتقارب]
أقول لعمرو وقد مرّ بي
…
فسلّم تسليمة جافيه
لئن فضّلوك بحسن الغناء
…
لقد فضّل الله بالعافية
قال أبو معاوية الباهلي: سمعت عمرو بن بانة يقول لإسحاق في كلام جرى بينهما: ليس كمثلي «3» يقاس بمثلك، لأنك تعلمت الغناء تكسبا، وتعلمته تطربا، وكنت أضرب لئلا أتعلمه، وأنت تضرب لأن تتعلمه.
قال: اجتمع عمرو بن بانة والحسين بن الضحاك «4» في منزل ابن شعوف، وكان له خادم يقال له مفحم، وكان عمرو يتهم به، فلما أخذ منهم الشراب، سأل عمرو بن بانه الحسين بن الضحاك أن يقول شعرا يغني فيه، فقال:«5» [المنسرح]
وا بأبي مفحم بغرّته
…
قلت له إذ خلوت مكتتما
تحبّ بالله من يخصّك بال
…
حبّ فما قال لا ولا نعما
فغنى فيه عمرو بن بانة، ولم يزل هذا الشعر غناءهم، وفيه طربهم، فأتاهم في عشيتهم إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فسألوا ابن شعوف «1» أن لا يأذن له، فحجبه، وانصرف إسحاق إلى منزله، فلما تفرقوا، مر به الحسين بن الضحاك، فأخبره بجميع ما دار في مجلسهم، فكتب في ذلك إسحاق إلى ابن شعوف:«2» [المنسرح]
يا بن شعوف أما علمت بما
…
قد صار في النّاس كلّهم علما
أتاك عمرو فبات ليلته
…
في كلّ ما يشتهي كما زعما
حتى إذا ما الظلام خالطه
…
سرى دبيبا يجامع الخدما
ثمّت لم يرض أن يفوز بذا
…
سرّا ولكن أبدى الذي كتما
حتّى تغنى لفرط صبوته
…
صوتا شفى من فؤاده سقما [ص 118]
وا بأبي مفحم بغرّته
…
قلت له إذ خلوت مكتتما
تحب بالله [من] يخصك بال
…
حب فما قال لا ولا نعما
قال: فهجر ابن شعوف ابن بانة وقطع عشرته.
قال: جمع عبد الله بن طاهر بين المغنين، وأراد أن يمتحنهم، وأخرج بدرة دراهم سبقا «3» لمن تقدم منهم وأحسن، فحضر مخارق وعلوية وعمرو بن بانة ومحمد ابن الحارث، فغنى علوية، فلم يصنع شيئا، وتبعه محمد بن الحارث، فكانت
هذه سبيله، وامتدت الأعين إلى مخارق، فبدأ مخارق فغنى:«1» [مجزوء الكامل]
إنّي امرؤ من جرهم
…
عمّي وخالي من جذام
فما نهنه عمرو بن بانة من انقطاع نفسه حتى غنّى «2» [السريع]
يا ربع سلامة بالمنحنى
…
بخيف سلع جادك الوابل «3»
وكان إبراهيم بن المهدي حاضرا، فبكى طربا، وقال: أحسنت والله واستحققت «4» السبق، فإن أعطيته وإلا فخذه من مالي، يا حبيبي عني أخذت هذا الصوت، وقد والله زدت عليّ فيه وأحسنت غاية الإحسان، ولا يزال صوتي عليك أبدا، فقال عبد الله بن طاهر: من حكمت له بالسبق فقد حصل له، وأومأ بالبدرة فحملت إلى عمرو. قال: فلقي إسحاق [عمرو] بن راشد الخناق فقال له: بلغني خبر المجلس الذي جمع فيه عبد الله بن طاهر المغنين ليمتحنهم، ولو شاء كفيته، قال: أما مخارق فأحسن الناس غناء إذا اتفق له أن يحسن، وقلما يتفق له ذلك، وأما محمد بن الحارث فأحسنهم شمائل وأملحهم إشارة بأطرافه ووجهه في الغناء، وليس عنده غير ذلك، وأما عمرو بن بانة، فإنه أعلم القوم وأوفاهم، وأما علويه فمن أدخله مع هؤلاء؟