الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
35- محمد الزّف
«1»
سابق لا يكر معه في جولة، ولا يقر معه لصولة، ولا يذكر مع بوارقه برقة ثهمد ولا خولة «2» . ما أبو كامل عنده إلا ناقص، ولا الكميت المذكور في صوت ابن سريج عنه إلا ناكص، ولا ابن محرز معه ممن تحرّز ولا ابن ميمون الموصلي إلا ممن تغنى «3» وما نسج مثل نسجه ولا طرّز.
قال أبو الفرج الأصفهاني: كان أسرع خلق الله أخذا للغناء من جميع خلقه وأصحه أداء له، وكان يتعصب على ابن جامع، ويميل إلى إبراهيم وابنه، فكانا يرفعان منه ويقدمانه، ويجلبان له الصلات من الخلفاء، وكان في ابن جامع بخل شديد لا يقتدر معه أن يسعفه ببر، وقد كان ابن جامع إذا غنى صوتا أصغى إليه حتى يحكيه ويلقيه على جماعة المغنين، فغنى ابن جامع يوما بحضرة الرشيد:«4» [الخفيف]
أرسلت تقرئ السلام الرّباب [ص 105]
…
في كتاب وقد أتانا الكتاب
فيه لو زرتنا لزرناك ليلا
…
بمنى حيث تستقلّ الرّكاب
قال إسحاق: ونظرت إلى الزّفّ فغمزته، وقمت إلى الخلاء، فإذا هو قد جاءني، فقلت: أي شيء قد عملت؟ قال: قد فرغت لك منه، فقلت: هاته، فرده علي
ثلاث مرات حتى عرفت مقاطعه وفهمته وصح لي، فأخذته وعدت إلى مجلسي وأنا مسرور «1» ، وغمزت عقيدا ومخارقا فقاما وتبعهما، فألقاه عليهما، وابن جامع لا يعرف الخبر، فلما عاد إلى المجلس، أومأت إليهما أسألهما عنه، فعرفاني أنهما أخذاه، فلما بلغ الدور إلي كان الصوت أول ما غنيته، فحدد الرشيد نظره إليّ، ومات ابن جامع وأسقط في يده «2» ، فقال لي الرشيد: من أين لك هذا؟
قلت: أنا أرويه قديما، وقد أخذه عني مخارق وعقيد، فقال: غنياه، فغنياه، فوثب ابن جامع، فجلس بين يديه، وحلف بالطلاق ثلاثا أنه صنعه في ليلته الماضية، ما سبقه إليه أحد من الناس، فنظر إليّ الرشيد فغمزته بعيني أنه صدق، وجدّ الرشيد في العبث به بقية يومه، ثم سألني بعد ذلك في الخبر فصدقته، فجعل يضحك ويقول: لكل شيء آفة، وآفة ابن جامع الزف. ومن مشهور صنعته في طريقة الرمل:«3» [البسيط]
بان الحبيب فلاح الشيب في راسي
…
وبتّ منفردا وحدي بوسواس
ماذا لقيت فدتك النفس بعدكم
…
من التّبرّم بالدنيا وبالناس
لو كان شيء يسلّي النّفس عن شجن
…
سلّت فؤادي عنكم لذّة الكاس
ما دارت الكأس إلا كان ذكركم
…
مجاز كأسي وأنسي بين جلاسي