الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الوافر]
كأنّ مزاحف الحيّات فيها
…
قبيل الصّبح آثار السّياط
قال المهدي يوما وهو يشرب لسلامة الأبرش: جئني بسياط وعقال «1» وحبال، فارتاع كل من حضر، وظن جميعهم أنه يريد الإيقاع بهم، فجاء بسياط المغني [ص 51] وعقال المدائني الذي كان يوقع عليه، وحبال الزامر، فجعل الندماء يشتمونهم، والمهدي يضحك.
قال: دخل ابن جامع على سياط وقد نزل به الموت، فقال له: ألك حاجة؟ قال: نعم، قال: لا تزد «2» في غنائي شيئا ليس منه، دعه رأسا برأس، فإنما هو ثمانية عشر صوتا.
19- ابن جامع
«3»
مطرب جليل، ومطر ما عنده قليل، لم يقصر عن إسحاق فيما جمع، ولا تأخر فيما لم يعلق به طمع، وكان لا يرى إلا أن يكون ظيره، وأن يعدّ نظيره «4» ، وله في كل حديث إذا شاء نصيب، وكلام مصيب، إلا أن الغناء كان عليه العلم الذي به عرف، والسبب الذي لولاه لما كان عكف.
قال أبو الفرج: كان حسن السمت «1» ، كثير الصلاة، قد أخذ السجود في جبهته «2» ، وكان يعتم بعمامة سوداء، على قلنسوة، ويلبس لباس الفقهاء، ويركب حمارا مرّيسيّا «3» في زي أهل الحجاز، فبينما هو واقف على باب يحيى بن خالد يلتمس الاذن عليه، إذ أقبل أبو يوسف القاضي بأصحابه أهل القلانس «4» ، فوقف ابن جامع إلى جانبه فالتفت اليه أبو يوسف، فرأى سمته وحلاوة هيئته، فقال له: امتع الله بك، توسمت فيك الحجازية، قال: أصبت، قال: فمن أي قريش؟ قال: من بني سهم، قال: فأي الحرمين منزلك؟ قال: مكة، قال: فمن لقيت من فقهائهم؟ قال: [سل] عمّن شئت، ففاتحه في الحديث فوجد عنده ما أحبّ، فأعجب به، ونظر الناس إليهما فقالوا: هذا القاضي قد أقبل على المغني، وأبو يوسف لا يدري أنه ابن جامع، فقال أصحابه: لو أخبرناه عنه، ثم قالوا: لعله لا يعود إلى مرافقته بعد اليوم، فلم نغمّه، فلما كان في الإذن الثاني ليحيى، غدا عليه الناس، وغدا عليه أبو يوسف، فنظر ابن جامع، فلما رآه ذهب فوقف إلى جانبه، فحادثه كما فعل [في المرة الاولى] فلما انصرف قال له بعض أصحابه: أيها القاضي، أتعرف هذا الذي ترافقه وتحادثه؟ قال: نعم، رجل من قريش من أهل مكة من الفقهاء، قالوا: هذا ابن جامع المغني، قال: إنّا لله، قالوا: إن الناس قد شهدوا مرافقته «5» فأنكروا ذلك من فعلك. فلما كان الإذن الثالث، جاء أبو يوسف ونظر إليه فتنكّبه، وعرف ابن جامع أنّه قد [ص 52]
أنذر، فجاء حتى وقف وسلم عليه، فرد أبو يوسف بغير ذلك الوجه الذي كان يلقاه [به] ، ثم انحرف عنه، فدنا منه ابن جامع، وعرف الناس القصة، وكان ابن جامع جهيرا، فرفع صوته ثم قال: يا أبا يوسف، مالك تعرض عنّي؟ أي شيء أنكرت؟ قالوا لك إني ابن جامع المغني فكرهت مرافقتي «1» ، اسألك عن مسألة فاصنع «2» ما شئت، وأقبل الناس نحوهما مستمعين، فقال: يا أبا يوسف، لو أن أعرابيا جلفا وقف بين يديك، فأنشدك بجفاء وغلظ من لسانه، فقال وحكى الأعرابي:«3» [البسيط] .
يا دار ميّة بالعلياء فالسّند
…
أقوت وطال عليها سالف الأبد
أكنت ترى بذلك بأسا؟ قال: لا، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سماع الشعر، وقد روي عنه الحديث. قال ابن جامع: فإن قلت [أنا] هكذا، ثم اندفع يغني فيه حتى أتى عليه، ثم قال: يا أبا يوسف، رأيتني زدت فيه أم نقصت؟ قال: عافاك الله، اعفنا من هذا، قال: يا أبا يوسف، أنت صاحب فتيا، هل زدته أم حسّنته بألفاظي فحسن في السمع، ووصل إلى القلب. ثم تنحّى عنه ابن جامع.
قال: دعا الرشيد يوما جعفر بن يحيى، وابن جامع عنده، فلم يزل يغنّيهم يومهما، ثم انصرفا، فلما كان من الغد، دخل إبراهيم الموصلي على جعفر بن يحيى، فسأله عن يومه فقال له: إنّه لم يزل ابن جامع يغنّينا إلا أنه كان يخرج عن الإيقاع- وهو في قوله هذا يريد أن يطيب نفس إبراهيم- قال، فقال إبراهيم:
أنت تريد أن تطيب نفسي بما لا تطيب، ألا بالله ما ضرط ابن جامع منذ ثلاثين سنة إلا بإيقاع، فكيف يخرج عن الإيقاع في الغناء؟
كان ابن جامع برّا بوالدته، وكانت مقيمة بمكة، فدعاه إبراهيم بن المهدي فأظهر له كتابا إلى أمير المؤمنين في نعي والدته، فجزع لذلك جزعا شديدا، وجعل يعزيه جميع من حضر، وجاؤوا بالطعام فلم يتركوه حتى أكل وشرب، وسألوه الغناء فامتنع، فقال له إبراهيم: إنك ستبذل هذا لأمير المؤمنين، فابذله لإخوانك، فاندفع يغنّي:«1» [البسيط]
كم بالدّروب وأرض الشام من قدم
…
ومن مصارع قوم ما هم قبروا
بقندهار ومن تقدر منيّته
…
بقندهار يرجّم دونه الخبر «2»
[ص 53] وجعل إبراهيم يسترده حتى صلح له، ثم قال: لا والله، ما كان مما أخبرناك شيء «3» ، فإنما مزحنا معك، فطابت نفسه، ثم قال له إبراهيم: ردّ عليه الصوت، فغنّاه، فلم يكن من الغناء الأول في شيء، فقال إبراهيم: خذه الآن عليّ، فأدّاه إبراهيم على السماع [الأول]، فقال له ابن جامع: أحب أن تطرحه أنت عليّ كذلك.
قال ابن جامع: ضمني الدهر «4» ضما شديدا بمكة، فانتقلت عنها بعيالي إلى المدينة، فأصبحت يوما ولا أملك إلا ثلاثة دراهم، فهي في كمي، إذا أنا بجارية حميراء، على رقبتها جرة تريد الرّكي «5» تستقي، وهي ترنم بصوت شجي:«6» [الطويل] .
شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا
…
فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا
وذاك بأنّ النّوم يغشى عيونهم
…
سراعا ولا يغشى لنا النّوم أعينا «1»
إذا ما دنا اللّيل المضرّ بذي الهوى
…
جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا
فلو [أنّهم] كانوا يلاقون مثل ما
…
نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا
قال: فأخذ الغناء بقلبي، ولم يدر لي منه حرف، فقلت: يا جارية ما أدري أوجهك أحسن أم غناؤك؟ فلو شئت أعدت، قالت: حبا وكرامة، ثم اندفعت فغنّته، فو الله ما دار لي منه حرف، فقلت: أحسنت فلو تفضلت فأعدته مرة أخرى، فقطّبت وكلحت «2» وقالت: ما أعجب أحدكم! لا يزال يجيء إلى الجارية عليها الضريبة فيشغلها، فضربت يدي إلى ثلاثة الدراهم فدفعتها إليها، وقلت لها: أقيمي بها وجهك اليوم إلى أن نلتقي، فأخذتها كالكارهة وقالت:
أنت الآن تريد أن تأخذ مني صوتا، أحسبك ستأخذ عليه ألف دينار وألف دينار، قال:: واندفعت تغني، فأعملت فكري في غنائها حتى بان لي الصوت وانصرفت مسرورا إلى منزلي أردّده حتى خفّ على لساني، ثم إني لما خرجت أريد بغداد، دخلتها فنزل بي المكاري على باب المحوّل «3» ، ولا أدري أين أتوجه، ولا من أقصد، فمازلت أمشي مع الناس حتى أتيت الجسر، فعبرت ثم انتهيت إلى الشارع بالميدان، فرأيت مسجدا بالقرب من دار الفضل بن الربيع مرتفعا، فقلت: مسجد قوم سراة، فدخلته وحضرت صلاة المغرب فصلّيت، وأقمت مكاني حتى صليت [ص 53] العشاء الآخرة على جوع وتعب، وانصرف أهل المسجد، وبقي رجل يصلي خلفه جماعة من الخدم وخول «4»
ينتظرون فراغه، فصلّى ملّيا، ثم التفت فقال لي: أحسبك غريبا، فقلت: أجل، فقال:
متى كنت في هذه المدينة، فقلت: آنفا، وليس لي بها منزل ولا معرفة، وليست صناعتي من الصنائع المذكورة لأهل الخير، قال: وما صناعتك؟ قلت: الغناء، فوثب مبادرا، فدخل ووكل بي بعض من معه، فسألت الموكّل بي فقال: هذا سلام الأبرش «1» ، قال: فانتهى إلى قصر من قصور الخليفة وجاوز بي من مقصورة إلى مقصورة، حتى أدخلني إلى مقصورة في آخر الدهليز، ودعا بطعام، فأتيت بمائدة عليها طعام من طعام الملوك، فأكلت حتى امتلأت، فإني كذلك إذ سمعت ركضا من الدهليز وقائلا يقول: أين الرجل؟ قال: ها هو ذا، قال: ادعوا له بغسول وخلعة وطيب، ففعل بذلك بي، وحملت على دابة إلى دار الخليفة، فعرفتها بالتكبير والحرس والنيران، فجاوزت مقاصير «2» عدة، حتى صرت إلى دار قوراء «3» فيها أسرة في وسطها قد أضيف بعضها إلى بعض، قال: فأمرني الرجل بالصعود، فصعدت، وإذا رجل جالس عن يمينه ثلاث جوار في حجورهن العيدان، وفي حجر الرجل عود، فرحّب الرجل بي، وإذا مجالس خالية، كان فيها قوم قد قاموا عنها، فلم ألبث أن خرج خادم من وراء الستر، فقال للرجل: تغنّ، فانبعث يغنّي بصوت فيه لي وهو:«4» [البسيط]
لم تمش ميلا ولم تركب على قتب
…
ولم تر الشّمس إلا دونها الكلل
تمشي الهوينى كأنّ الشمس توحشها
…
مشي اليعافير في جيآته الوهل «5»
فغنّى بغير إصابة وأوتار مختلفة ودساتين «1» مختلفة، ثم عاد الخادم إلى الجارية التي تليه فقال: تغنّي، فغنت بصوت لي كانت فيه أحسن حالا من الرجل، وهو:«2» [البسيط]
يا دار أضحت خلاء لا أنيس بها
…
إلا الظّباء وإلا الناشط الفرد «3»
أين الذين إذا ما زرتهم جذلوا
…
وطار عن قلبي التّشواق والكمد
ثم عاد الخادم إلى الجارية الثانية فاندفعت تغني بصوت لحكم الوادي وهو: «4» [الطويل]
فو الله ما أدري أيغلبني الهوى
…
إذا جدّ جدّ البين أم أنا غالبه
فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى
…
فمثل الذي لا قيت يغلب صاحبه
[ص 55] ثم عاد الخادم إلى الجارية الثالثة فغنّت بصوت لحنين وهو قوله: «5» [الطويل]
مررنا على قيسيّة عامريّة
…
لها بشر صافي الأديم هجان «6»
فقالت وألقت جانب السّتر دونها
…
من ايّة أرض أم من الرّجلان
فقلت لها أما تميم فأسرتي
…
هديت وأمّا صاحبي فيمان
رفيقان ضمّ السّفر بيني وبينه
…
وقد يلتقي الشّتى فيأتلفان
قال: ثم خرج الخادم فقال: تغنّ عافاك الله، فغنّيت بصوت الرجل على غير غنائه، فإذا الخادم قد خرج فقال لي ويحك لمن هذا الغناء؟ فقلت: لي، فانصرف عنّي ثم عاد فقال: كذبت، هذا الغناء لابن جامع، ودار الدّور، فلما انتهى إليّ غنيته بصوت الجارية الثانية، فخرج الخادم فقال: ويحك لمن هذا الغناء؟ فقلت:
لي، فرجع وخرج فقال: كذبت، هذا لابن جامع، ودار الدّور فلمّا انتهى إليّ الغناء تغنيت بصوت لي [لا] يعرف إلا بي، وهو:«1» [الكامل]
عوجي عليّ وسلّمى جبر
…
فيم الصّدود وأنتم سفر
ما نلتقي إلا ثلاث منى
…
حتّى يفرق بيننا النّفر «2»
قال: فزلزلت والله الدار عليهم، وخرج الخادم فقال: ويحك، لمن هذا الغناء؟
فقلت: لي، فرجع ثم خرج فقال: كذبت، هذا الغناء لابن جامع، فقلت: أنا إسماعيل بن جامع، قال: فما أشعر إلا وأمير المؤمنين وجعفر بن يحيى قد أقبلا من وراء الستر الذي كان يخرج منه الخادم، فقال له الفضل بن الربيع: هذا أمير المؤمنين قد أقبل إليك، فلما صعد السرير وثبت قائما، فقال لي: ابن جامع؟
فقلت: ابن جامع جعلت فداك يا أمير المؤمنين، فقال لي: ويحك متى كنت في هذه المدينة؟ فقلت: آنفا دخلتها في الوقت الذي علم بي أمير المؤمنين.
قال: اجلس ويحك يا بن جامع، ومضى هو وجعفر بن يحيى فجلسا في بعض تلك المجالس، وقال لي: أبشر يا بن جامع وابسط أملك، فدعوت له، ثم قال:
غنّني يا ابن جامع غنّني، فخطر ببالي صوت الجارية، فاندفعت أغنّيه، فنظر
الرشيد إلى جعفر وقال: سمعت كذا قط؟ قال جعفر: لا والله ما خرق مسامعي قط مثله، فرفع الرشيد رأسه إلى خادم له بالقرب منه، فدعا [ص 56] بكيس فيه ألف دينار فرمى به إليّ، فصيرته تحت فخذي ودعوت لأمير المؤمنين، فقال جعفر: يا بن جامع، ردّ على أمير المؤمنين الصوت، فرددته وتزيدت في غنائي، فقال له جعفر: يا سيدي، ما تراه كيف يتزيّد في الغناء؟ هذا خلاف ما سمعنا أولا، وإن كان الأمر في اللحن واحدا، ثم دعا بكيس آخر فيه ألف دينار، فجاءني به، فصيرته تحت فخذي، وقال: تغنّ «1» يا إسماعيل ما حضرك، فجعلت أقصد الصوت بعد الصوت مما كان يبلغني أنه يشتري عليه الجواري، فأغنيه فلم أزل أفعل ذلك إلى أن عسعس «2» الليل، فقال: أتعبناك يا إسماعيل هذه الليلة بغنائك، فأعد على أمير المؤمنين الصوت، يعني صوت الجارية، فغنّيت به، فدعا بكيس ثالث فيه الف دينار، قال: فذكرت ما كان من قول الجارية فتبسمت، فقال: يا بن الفاعلة ممّ تتبسّم؟ فجثوت على ركبتي وقلت: يا أمير المؤمنين، الصدق منجاة فقال بانتهار:
قل، فقصصت عليه خبر الجارية، فقال: صدقت قد يكون هذا، وقام فنزل عن السرير، وبقيت لا أدري أين أقصد، فابتدرني فرّاشان، فصارا بي إلى دار قد أمر لي بها أمير المؤمنين، ففرشت وجعل فيها جميع ما يكون في مثلها من آلة جلساء الملوك وندمائهم، فدخلت بغداد فقيرا وأصبحت من جلّة أهلها ومياسيرهم.
قال: كان ابن جامع يعدّ [صيحة الصوت]«3» قبل أن يصنع عمود اللحن.
قال ابن جامع: لولا أن القمار وحبّ الكلاب قد شغلاني ما تركت أحدا من المغنّين يأكل خبزا.