الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فضرب بين يديه مئة سوط «1» .
قال عبد الرحمن: دخلت يوما على [عليّ بن] ريطة، وستارته منصوبة، فعنّت جاريته:«2» [الطويل]
أناس أمنّاهم فنمّوا حديثنا
…
فلما كتمنا السّرّ عنهم تقوّلوا
فقلت له: أرأيت إن غنّيتك هذا الصوت وفي «3» تمامه زيادة بيت آخر «4» أيّ شيء لي عليك؟ قال: خلعتي «5» هذه، فغنّيته:
فلم يحفظوا الودّ الذي كان بيننا
…
ولا حين همّوا بالقطيعة أجملوا
قال: فنزع خلعته فجعلها عليّ، وأقمت عنده بقيّة يومي على عربدة كانت فيها.
8- ابن مسجح
«6»
سابق أغرّ وسارق ما غرّ، أول من تفطن لغناء فارس، وكان له في بلاد العرب الفارس إلى بر من العجم «7» ، وألقى سمعه إلى أصواتها، وابتزّ أرواح طربها من
لهواتها، ونقل ما تصوّر في خاطره من تلك الصور الأعجمية والتماثيل التي لا ترى للعيون العميّة، إلى أن أبرزها عربا أبكارا، وأسكنها أسماعا وأفكارا، وأدراها شمولا لا يسمع عليها إنكارا، ثم منه أدهقت آنيتها «1» ، وسمعت قاصيتها [ص 30] ودانيتها.
قال أبو الفرج، قال هاشم بن المرّيّة: إن أول من غنى هذا الغناء العربي بمكة ابن مسجح، وذلك أنه مرّ بالفرس وهم ينصّون «2» المسجد الحرام، فسمع غناءهم بالفارسية، فنقله في شعر عربي، وهو الذي علّم الغريض وابن سريج. قال: وهو أول من غنى الغناء الثقيل، وعاش ابن مسجح حتى لقيه معبد وأخذ عنه في أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك. قال دحمان [الأشقر] : كنت عاملا لعبد الملك بن مروان بمكة، فقيل إن رجلا يقال له ابن مسجح قد أفتن فتيان قريش فأنفقوا عليه أموالهم، فكتب إليه: أن اقبض ماله وسيّره، ففعل، وتوجه ابن مسجح إلى الشام، فصحبه رجل له جوار مغنيات في طريقه، فقال له: أين تريد؟ «3» ، فأخبره خبره، وقال: أريد الشام، قال له: فكن معي، فصحبه حتى بلغا دمشق، فدخلا مسجدها، فسألا عن أخص الناس بالامير قالوا: هؤلاء النفر من قريش من بني عمه، فوقف ابن مسجح عليهم، وسلم ثم قال: يا فتيان، هل فيكم من يضيف رجلا غريبا من أهل الحجاز؟ فنظر بعضهم إلى بعض وكان عليهم موعد أن يذهبوا إلى قينة يقال لها برق الأفق فتثاقلوا به إلا فتى منهم تذممّ «4» ، فقال:
أنا أضيفك، وقال لأصحابه: انطلقوا أنتم وأنا أذهب مع ضيفي، قالوا: بل تجيء
معنا أنت وضيفك فذهبوا جميعا إلى بيت المغنية، فلما أتوا بالغداء قال لهم سعيد:«1»
إني رجل أسود ولعل فيكم من يقذرني، فأنا أجلس فآكل ناحية، فاستحيوا منه، وبعثوا له بما أكل، فلما صاروا إلى الشراب قال لهم مثل ذلك، ففعلوا، وأخرجوا جاريتين فجلستا على سرير قد وضع لهما، فغنتا إلى العشاء، ثم دخلتا، وخرجت جارية حسنة الوجه والهيئة وهما معها فجلست على السرير، وجلستا أسفل منها على يمين السرير وشماله، قال ابن مسجح: فتمثلت بهذا البيت: «2» [الطويل]
فقلت أصبح أم مصابيح بيعة
…
بدت لك خلف السّجف أم أنت حالم
فغضبت الجارية وقامت وقالت: أيضرب مثل هذا الاسود فيّ الأمثال؟ فنظروا إليّ نظرا منكرا، ولم يزالوا بها [يسكنونها] حتى غنّت، فقلت: أحسنت والله، فغضب مولاها فقال: مثل هذا الأسود يقدم على جاريتي! فقال الرجل الذي أنا عنده: قم فانصرف [ص 31] إلى منزلي فقد ثقلت على القوم، فذهبت لأقوم، فتذمم القوم وقالوا: بل أقم وأحسن أدبك، فأقمت، وغنّت، فقلت: أخطأت وأسأت، ثم اندفعت فغنيت الصوت، فقالت الجارية: هو والله أبو عثمان سعيد ابن مسجح، فقلت: إي والله أنا هو، وو الله لا أقيم عندكم، فوثب القرشيون، فقال هذا: تكون عندي، [وقال هذا تكون عندي]، فقلت: لا والله لا أقيم إلا عند سيدكم- يعني الرجل الذي أنزله عنده- وسألوه عمّا أقدمه، فأخبرهم الخبر، فقال له صاحبه: أنا أسمر الليلة عند أمير المؤمنين، فهل تحسن أن تحدو «3» ؟
فقلت لا والله، ولكني أصنع حداء، قال له: إن منزلي بحذاء أمير المؤمنين فإن وقعت منه على طيب نفسه أرسلت إليك، ومضى إلى عبد الملك، فلما رآه طيّب