الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: نعم، فقال: قم بنا، ومال إلى دار في السوق، ثم قال: غنّه، فقلت:
بل تتمّ يا عمّ إحسانك وتغنيني أنت به، فإن سمعته كما أقوله غنيته وإن [كان] فيه مستصلح «1» استعدته، فضحك وقال: أنت لست تريد تصحيح غناء، إنما تريد أن تقول إنك سمعتني وأنا شيخ وقد انقطعت [ص 86] وأنت شاب، فقلت للجماعة: إن رأيتم أن تسألوه أن يشفّعني «2» فيما طلبت منه فسألوه فاندفع فغنّاه وأعاده ثلاث مرات، فما رأيت أحسن من غنائه، على «3» كبر سنه ونقصان صوته، ثم قال: غنّه، فغنيته فطرب الشيخ حتى بكى وقال: اذهب يا بني، فأنت أحسن الناس غناء، وإن عشت ليكونن لك شأن.
27- سائب خاثر
«4»
مطرب حرّك بغنائه معاوية الحكيم، وحرّض على «5» الإنفاق عبد الله بن جعفر الكريم، وأحدث للعرب ما لم تكن تعهد ونفث، فلم يكن يخلو «6» من
نفثاته بيت ولا معهد، اقترح في الغناء وفتح فيه للبناء، تقيّل عن الفرس غرائب الضروب، وغزائر الفكر التي ترنّح كلّ طروب، وحظي لدى أشراف المدينة لغناء كان يحلّ حباهم «1» ويحل مثله رباهم، إلا أنه جرى جري الجواد، وترك الكل للجواد، كان قدم إلى المدينة رجل فارسي يعرف ببسيط يغني بها، فأعجب عبد الله بن جعفر، فقال له سائب خاثر: أنا أصنع لك مثل غناء هذا الفارسي بالعربي، ثم غدا على عبد الله بن جعفر، وقد صنع:«2» [الكامل]
لمن الديار رسومها قفر
وهذا أوّل صوت غنّي به في الإسلام من الغناء المتقن في الصنعة.
قال: ثم اشترى عبد الله بن جعفر بسيطا بعد ذلك، فأخذ عن سائب خاثر الغناء العربي، وأخذ عن سائب أيضا ابن سريج وجميلة ومعبد وعزّة الميلاء وغيرهم.
قال: وفد عبد الله بن جعفر على معاوية، ومعه سائب خاثر، فوقّع له في حوائجه «3» ، ثم عرض عليه حاجة لسائب خاثر، فقال معاوية: من هذا؟
فقال: رجل من أهل المدينة ليثي، ويروي الشعر، قال: أو كلّ من روى الشعر ازداد فضله؟ قال: إنه يحسّنه، قال: وإن حسّنه، قال: أفأدخله إليك يا أمير المؤمنين؟
قال: نعم، فلما دخل قام على الباب فرفع صوته، ثم غنّى:«4» [الكامل]
لمن الدّيار رسومها قفر
…
لعبت بها الأرواح والقطر
فالتفت معاوية إلى عبد الله وقال: أشهد لقد حسّنه، وقضى حوائجه.
قال: [ص 87] أشرف معاوية ليلا على منزل يزيد ابنه، فسمع صوتا أعجبه، واستخفّه السماع، فاستمع قائما حتى ملّ، ثم دعا بكرسي فجلس عليه، واستمع بقية ليلته، فلما أصبح غدا عليه يزيد فقال له: يا بني، من كان جليسك البارحة؟ قال: أي جليس يا أمير المؤمنين؟ وتجاهل عليه، فقال: عرفني، فإنه لم يخف عليّ شيء من أمرك، قال: سائب خاثر، قال: فاخثر «1» له يا بني من برك، فما [رأيت] بمجالسته بأسا.
قال ابن الكلبي: وفد معاوية المدينة في بعض ما كان يفد، فأمر حاجبه بالإذن للناس، فخرج الحاجب، ثم رجع فقال: ما بالباب من أحد، قال: وأين الناس؟
قال: عند عبد الله بن جعفر، فدعا معاوية ببغلته فركبها، ثم توجه إليهم، فلما جلس قام سائب خاثر، ومشى بين السماطين «2» وتغنّى:«3» [الطويل]
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحى
…
وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
فطرب معاوية وأصغى إليه حتى سكت، وهو مستحسن لذلك، ثم قام وانصرف.
قال: وقتل سائب خاثر يوم الحرّة، فلما عرضت أسماء من قتل على يزيد بن معاوية، مرّ به اسمه، فقال: إنا لله، وبلغ القتل إلى سائب خاثر إلى طبقته، ما
أظن أنه بقي بالمدينة من أحد، ثم قال: قبّحكم الله يا أهل الشام، تجدهم صادفوه في حديقة أو حائط مستترا فقتلوه.
وحدّث مويلك عن أبيه «1» قال: قال لي سائب خاثر يوم الحرّة:
هل أسمعك شيئا صنعته؟ فغنّاني: «2» [الطويل]
لمن طلل بين الكراع إلى القصر
…
يغيّر عنالونه سبل القطر «3»
قال: فسمعت عجبا معجبا من ذكر أهله وولده، فقلت: فما يمنعك من الرجوع إليهم؟ فقال: أما بعد شيء سمعته، ورأيته من يزيد بن معاوية فلا، ثم تقدم فقاتل حتى قتل.
وتمام الصوت: «4»
سوى خامدات ما يرمن وهامد
…
وأشعث ترميه الوليدة بالفهر
28-
عبد الله بن جدعان «5» [ص 88]
سيد تيم في الجاهلية، ومشيد المفاخر الجليّة، شرّفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بدخول داره، وطرفه مطارف فخاره، وكان قد أتى كسرى ملك آل
ساسان، وسمع عنه غناء الحسان، وشدا جانبا مما سمع، واحتذى منه مالو علم جمع، وإنما كان هو وسادات العرب يتغنى غناء الركبان، ويتأتى به خلا [ل] الفضلاء ورؤوس الكثبان، وقد ذكر أبو الفرج في أنباء صوت ذكر، وصوب من بارقه الجنوبي مبتكر.
قالت عائشة رضي الله عنها: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ابن جدعان في الجاهلية كان يصل الرحم، ويطعم المساكين، فهل تلك نافعة له؟ قال:(لا، لأنه لم يقل اللهم اغفر لي خطيئتي يوم الدين) .
قال: قدم أمية بن أبي الصلت «1» على عبد الله بن جدعان، فقال عبد الله: أمر ما أتى بك؟ فقال أمية: كلاب وغرماء «2» قد نبحتني ونهشتني، فقال له عبد الله:
قدمت عليّ وأنا عليل من حقوق لزمتني، فأنظرني قليلا يحم «3» ما في يدي، وقد ضمنت قضاء دينك، ولا أسألك مبلغه، فأقام اميّة ايّاما ثم قال:«4» [الوافر]
أأذكر حاجتي أم قد كفاني
…
حياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالأمور وأنت قرم
…
لك الحسب المهذّب والسّناء
كريم لا يغيّره صباح
…
عن الخلق السّني ولا مساء
تباري الريح مكرمة وجودا
…
إذا ما الكلب احجره الشتاء
إذا أثنى عليك المرء يوما
…
كفاه من تعرّضه الثّناء
فلما أنشده أمية هذا الشعر كانت عنده قينتان، فقال لأمية: خذ إحداهما، فأخذ إحداهما وانصرف، فمر بمجلس من مجالس قريش، فلاموه على أخذها، وقالوا: لقد لقيته عائلا، ولو رددتها، فإن الشيخ محتاج إلى خدمتها، كان ذلك أقرب لك عنده، فوقع الكلام في أمية موقعا، وندم فرجع لردها إليه، فلما أتاه بها قال ابن جدعان: لعلك إنما رددتها لأن قريشا لاموك على أخذها، ووصف لأمية ما قال القوم له، فقال له أمية، والله ما أخطأت يا أبا زهير، فقال عبد الله: فما الذي قلت في ذلك؟ فقال [ص 89] أمية: «1» [الطويل]
وليس بشين لا مرئ بذل وجهه
…
اليك كما بعض السؤال يشين
فقال عبد الله لأمية: خذها، يعني الأخرى، فأخذهما جميعا وانصرف.
قال الحسن المروزي: سألت سفيان بن عيينة فقلت: يا [أبا] محمد، ما تفسير قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان دعاء أكثر الأنبياء قبلي بعرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) وإنما هو ذكر وليس فيها من الرجاء شيء»
، فقال لي أعرفت حديث مالك بن الحويرث، يقول الله جل ذكره:«إذا شغل عبدي ثناؤه عليّ عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» ، قال: قلت: نعم، أنت حدثتنيه عن منصور عن مالك ابن الحويرث، قال: فهذا تفسير ذلك، ثم قال: أعلمت ما قال أمية بن أبي الصّلت