الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
34- معبد اليقطيني
«1»
مطرب كم أخذ عنه صوت، ومجيدكم استدرك به لمعبد الأول فوت، وإن قيل «وما قصبات السبق إلا لمعبد» ، وعنى الأول أنه أعرب قيل ذلك له وللثاني منه ما أطرب، ثم ختل لبيبا وقتل كئيبا وفعل بالغناء ما يفعل بالناي، كان أطيب من العود أنفاسا، وأقرب إيناسا، يختلب الألباب، ويستلب العقول للأحباب، ويجتلب [ص 102] الهوى لذكر زينب اجتلاب الرباب.
قال أبو الفرج، قال عبد الله بن أبي سعيد، حدثني معبد غلام ابن يقطين قال:
كنت منقطعا إلى البرامكة، آخذ منهم وألازمهم ولا أفارقهم، فبينا أنا ذات يوم في منزلي إذا بابي يدق، فخرج غلامي ثم رجع فقال: على الباب فتى ظاهر المروءة يستأذن عليك، فأذنت له، فدخل علي شاب ما رأيت أحسن وجها، ولا أنظف ثوبا، ولا أجمل زيا منه، عليه آثار السقم ظاهرة، فقال: إني اخاف «2» لقاءك مذ مدّة، فلا أجد إليه سبيلا، إنّ لي حاجة، قلت: ما هي؟ فأخرج ثلاث مئة دينار فوضعها بين يدي، ثم قال: أسألك أن تقبلها وتصنع في بيتين قلتهما لحنا تغنيني به، قلت: هاتها، فأنشدني:«3» [البسيط]
والله يا طرفي الجاني على بدني
…
لتطفئنّ بدمعي لوعة الحزن
أو لأبوحنّ حتى يحجبوا سكني «1»
…
فلا أراه ولو أدرجت في كفني
قال: فصنعت فيهما لحنا ثم غنيته إياه، «2» فأغمي عليه، حتى ظننته قد مات، ثم أفاق فقال: أعد فديتك، فناشدته الله في نفسه، وقلت: أخشى أن تموت، فقال: هيهات، أنا أشقى من ذلك، وما زال يخضع ويتضرع «3» حتى أعدته، فصعق صعقة أشد من الأولى، حتى ظننت أن نفسه قد فاضت «4» ، فلما أفاق رددت عليه الدنانير ووضعتها بين يديه، وقلت له: يا هذا خذ دنانيرك وانصرف عني، فقد قضيت حاجتك وبلغت طرفا مما أردته، ولست أحب أن أشرك في دمك، فقال: يا هذا، لا حاجة لي في الدنانير، وهذه مثلها لك، وأخرج مثلها ثلاث مئة دينار أخرى فوضعهما بين يدي وقال: أعد الصّوت عليّ مرة أخرى وخلاك ذم، فشرهت نفسي إلى الدنانير، فقلت:
لا والله ولا بعشرة أمثالها، إلا على ثلاث شرائط، قال: وما هن؟ قلت:
أولهن أن تقيم عندي، وتتحرّم بطعامي، والثانية أن تشرب أقداحا من النبيذ تشد قلبك ويسكن مما بك، والثالثة أن تحدثني بقضيتك، قال: أفعل ما تريد، فأخذت الدنانير ودعوت بالطعام فأصاب منه إصابة معذر «5» ، ثم دعوت بالنبيذ فشرب أقداحا، وغنيّته بشعر غيره في نحو من معناه، فجعل يبكي أحر بكاء
وينشج «1» [ص 103] أشد نشيج، فلما رأيت النبيذ قد شد قلبه، كررت عليه صوته مرارا ثم قلت: حدثني حديثك، قال: أنا رجل من أهل المدينة، وخرجت متنزها في ظاهرها، وقد سال العقيق في فتية من أترابي، فبصرنا بفتيات قد خرجن لمثل ما خرجنا له، فجلسن حجزة «2» منا، وبصرت بفتاة كأنها قضيب قد طله الندى، فأطلنا وأطلن حتى تفرق الناس، وانصرفت وقد أثبتت في قلبي جرحا بطيئا اندماله، فعدت إلى منزلي وأنا وقيذ «3» ، وخرجت من الغد إلى العقيق وليس به أحد، فلم أر لها أثرا، فجعلت أتبعها في طرق المدينة وأسواقها، فلم أحسّ لها بعين ولا أثر، وسقمت حتى أيس مني أهلي، وخلت بي ظئر لي «4» واستعلمتني وضمنت لي كتمانها والسعي فيما أحبه، فأخبرتها بقضيتي، فقالت: لا بأس عليك، هذه أيام الربيع، وهي سنة خصب وأنواء، وليس يبعد عنك المطر، فأخرج أنا وأنت إلى العقيق، فإن النسوة سيجئن، فإذا فعلن فرأيتها عرفتها حتى أتبعها فأعرف موضعها فأتبعها وأصل بينك وبينها، وأسعى لك في تزويجها، فكأن نفسي اطمأنت إلى ذلك، ووثقت به، وسكنت إليه، فقويت نفسي وتراجعت، وجاء مطر بعقب ذلك، فسال العقيق، وخرج الناس وخرجت مع إخواني، فجلسنا مجلسنا الأول بعينه كما كنا والنسوة أقبلن، فأومأت إلى ظئري فجلست حجزة منا ومنهن وأقبلت إلى إخواني فقلت: لقد أحسن القائل: «5» [الطويل]
رمتني بسهم أقصد القلب وانثنت
…
وقد غادرت جرحا به وندوبا
فأقبلت على صويحباتها وقالت: أحسن والله القائل حيث يقول: [الطويل]
بنا مثل ما تشكو فصبرا لعلّنا
…
نرى فرجا يشفي السّقام قريبا
فأمسكت عن الجواب خوفا أن يظهر ما يفضحني وإياها، وعرفت ما أرادت، ثم تفرق الناس وانصرفنا، فتبعتها ظئري حتى عرفت منزلها، وصارت إلي فأخذت بيدي ومضينا إليها، فلم تزل تتلطف حتى وصلت إليها فتلاقينا على حال مجالسة، فشاع حديثنا، فحجبها أهلها، فسألت أبي أن يخطبها، فمضى أبي ومشيخة أهلي إلى أبيها، فخطبوها، فقال: لو كان فعل هذا قبل أن يفضحها لأسعفته بما التمس، فأما الآن وقد عرّها «1» فما [ص 103] كنت لأحقق ظن الناس بتزويجها إيّاه، فانصرفت على يأس منها ومن نفسي. قال معبد: فسألته أن ينزل فحبرني «2» ، وصارت بيننا عشرة، ثم جلس جعفر بن يحيى للشرب، فأتيته وكان أول صوت غنيته في شعر الفتى، فطرب عليه طربا شديدا، فقال: ويحك، ما سمعت هذا منك قط، فقلت: إن لهذا الصوت حديثا، قال: فما هو؟
فحدثته، فأمر بإحضاره، فأحضر الفتى بين يديه، فاستعاده الحديث، فأعاده عليه، فقال: هي في ذمتي حتى أزوجك أيّاها، فطابت نفسه، فأقام معنا حتى أصبح وغدا جعفر إلى الرشيد، فحدثه الحديث العجيب، فأعجب منه، وأمر بإحضارنا جميعا، فأحضرنا وأمر أن أغنيه الصوت، فغنيته فشرب وطرب، وأمر من وقته بكتاب إلى عامل المدينة بإشخاص الرجل وابنته وجميع أهله إلى حضرته، فلم يمض إلا مسافة الطريق، فأحضروا، وأمر الرشيد بإيصاله إليه، فأوصل وخطب الجارية للفتى، وأقسم لا يخالف أمره، فأجابه أبوها، وحمل إليه الرشيد ألف دينار لنفقة الطريق، وألف دينار لجهازها وأمر للفتى بألفي دينار، ولي بألف دينار، وأمر لنا جعفر بألفي دينار لي وله، وكان الفتى بعد ذلك من ندماء جعفر بن يحيى.