الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقال: نعم يا سيدي، قال: هاته، فغناه، فعبس في وجهه وبسر «1» ثم أقبل علي [ص 222] وقال: أتغنيه يا مخارق؟ فقلت: نعم يا سيدي، وعلمت أنه أراد أن يستقيد لي «2» من علويه ويرفع مني، وإلا فما أتى فيه علويه لا يعاب به، فغنيت فطرب وشرب، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، وفعل بي ذلك ثلاث دفعات، كما فعل به، ثم أمر بالانصراف فانصرفنا، وما عاودت بعد ذلك مؤاكلة خليفة إلى وقتنا هذا.
قال حج رجل مع مخارق، فلما قضيا الحج وعادا، قال الرجل، بحقي عليك غنني صوتا، فغنى:«3» [الطويل]
رحلنا فشرّقنا وراحوا فغرّبوا
…
وفاضت لروعات الفراق عيون
فرفع الرجل يده إلى السماء وقال: اللهم إني أشهدك أني قد وهبت حجتي له.
وتوفي مخارق في أول خلافة المتوكل، وقيل: بل في آخر خلافة الواثق، وذكر ابن خرداذبة أنه كان أكل قرنبيطيّة باردة فقتلته من يومه.
73- عريب جارية المأمون
«4»
وهي التي تحفظ أخبارها، ولا يقاس عليها، ولا يقال عن أحد فيكون بالنسبة
إليها، وكانت أنفذ من السهام إلى أغراضها «1» وأطيب من زوال السقام لأمراضها، غلب معها المأمون وسرت إلى هواها سرى الأمون، وكانت لا تتحاشى، ولا ترى لها بغير أن تعاشر انتعاشا، وكانت ذات فنون ومحاسن كما في الظنون، وبديهة تتوقد، وميامن كأنها الفرقد.
ذكرها أبو الفرج الأصفهاني وقال، قال: دخل أبو عبيد الله الحسامي على المعتز، وعريب تغني فقال: يا بن هشام غن، فقلت: تبت من الغناء مذ قتل سيدي المتوكل، فقالت له عريب: قد والله أحسنت حيث تبت فإن غناءك كان لا متقنا ولا صحيحا ولا مطربا، فأضحكت أهل المجلس منه وخجل.
وكانت عريب مولدة في دار جعفر بن يحيى، وقيل إن أمها كانت تسمى فاطمة، وإن جعفرا تزوجها سرا وأسكنها دارا، ووكل بها من يحفظها، وكان يتردد إليها، فولدت عريبا في إحدى وثمانين ومئة، وعاشت ستا وسبعين [ص 223] سنة.
قال: وماتت أم عريب في حياة جعفر بن يحيى، فدفعها إلى امرأة نصرانية وجعلها داية لها، فلما حدثت الحادثة بالبرامكة باعتها من شنين «2» النخاس، فباعها من عبد الله بن إسماعيل المراكبي، ثم باعها فاشتراها المأمون بخمسين ألف درهم.
قال الفضل بن مروان: كنت إذا نظرت إلى قدمي عريب «3» شبهتها بقدمي جعفر
ابن يحيى.
قال: وذكرت بلاغتها لبعض الكتاب فقال: وما يمنعها من ذلك وهي بنت جعفر ابن يحيى.
قال أبو العنبس بن حمدون، حدثني أبي قال: دخلنا على عريب يوما مسلمين، فقالت: أقيموا اليوم عندي حتى أطعمكم لوزينجه «1» صنعتها بدعة بيدها من لوز رطب، وأغنيكم أنا وهي، قال: فقلت لها: على شريطة، قالت: وما هي؟
قلت: شيء أريد أن أسألك عنه وأنا أهابك، قالت: ذاك إليك وأنا أقدم الجواب قبل أن تسأل، تريد أن تسألني عن شرطي أي شيء هو، فقلت: والله ذلك الذي أردت، قالت: شرطي أير صلب ونكهة طيبة، فإن انضاف إلى ذلك حسن وجمال زاد قدره عندي، وإلا فهذا ما لا بد منه.
قال: عتب المأمون على عريب بهجرها أياما ثم اعتلت فعادها، فقال لها: كيف وجدت طعم الهجر، فقالت: يا أمير المؤمنين، لولا مرارة الهجر ما عرفت حلاوة الوصل، ومن ذم بدء الغضب، أحمد عاقبة الرضا، فخرج المأمون إلى جلسائه فحدثهم ذلك، ثم قال: أترى هذا لو كان من كلام [النظام]«2» ألم يكن كبيرا.
قال: وكانت عريب تهوى محمد بن حامد، فكتب إليها: أخاف على نفسي، فكتبت إليه «3» [المتقارب]
إذا كنت تحذر ما تحذر
…
وتزعم أنك لا تجسر
فما لي أقيم على صبوتي
…
ويوم لقائك لا يقدر
فصار إليها من وقته واصطلحا، واقام عندها يومه
قال [ص 224] ابن حمدون: ركبت ليلة في حاجة للمأمون، فإذا أنا بصوت حافر، ووافت برقة فأضاء لها وجه الراكب، فإذا عريب، فقلت: عريب: قالت:
نعم، ابن حمدون؟ قلت: نعم، ثم قلت لها: من أين أقبلت في هذا الوقت؟
قالت: يا تكش «1» ! عريب في مثل هذا الوقت من عند محمد بن حامد خارجة من مضرب الخليفة وراجعة إليه، تقول أي شيء عملت عنده؟! صليت معه التراويح، أو قرأت عليه جزءا من القرآن؟! أو دارسته شيئا من الفقه؟! يا أحمد، تحادثنا وتعاتبنا وأكلنا وشربنا ولعبنا وغنينا وتنايكنا [وانصرفنا] ، فأخجلتني وغاظتني، وافترقنا، ومضيت في حاجتي ثم عدت إلى المأمون، فأخذنا في الحديث وتناشدنا الاشعار، فهممت أن أحدثه بحديثها، ثم هبت أن أذكر ذلك، فقلت أقدم قبل ذلك تعريضا بشيء من الشعر، فأنشدته:«2» [الطويل]
ألا حي أطلالا لواسعة الحبل
…
ألوف تساوي صالح القوم بالرذل
فلو أن من أمسى بجانب تلعة
…
إلى جبلي طيّ مساقطة الحبل
جلوس إلى أن يقصر الظل عندها
…
أراحوا وكل القوم منها على وصل
فقال لي المأمون: اخفض صوتك لا تسمع عريب فتغضب، وتظن أنك في حديثها، فأمسكت عما أردت [أن أخبره] وخار الله في ذلك.
قال اليزيدي: خرجت مع المأمون في خرجته إلى الروم، فرأيت عريب في هودج، فلما رأتني قالت: يا يزيدي: أنشدني شعرا قلته حتى أصنع فيه لحنا، فأنشدتها:«1» [الرجز]
ماذا بقلبي من دوام الخفق
…
إذا رأيت لمعان البرق
من قبل الأردن أو دمشق
…
لأن من أهوى بذاك الأفق
ذاك الذي يملك مني رقي
…
ولست أبغي ما حييت عتقي
فلما سمعته تنفست نفسا ظننت أن ضلوعها قد تفصلت منه، فقلت: والله هذا نفس عاشق، فقالت: اسكت يا عاجز، أنا أعشق؟ والله لقد نظرت نظرة مريبة في [ص 225 مجلس فادعاها من أهل المجلس عشرون رئيسا، ما علم أحد منهم لمن كانت إلى اليوم.
قال ابن حمدون: وقعت ملاحاة بين عريب وبين محمد بن حامد وشر، وكان في قلبها أكثر مما في قلبه منها، فلقيته يوما فقالت له: كيف قلبك يا محمد، قال: أشقى والله ما يكون وأقرحه، فقالت: استبدل تسل، فقال: لو كانت البلوى باختيار لفعلت، فقالت: لقد طال إذا تعبك، فقال: وما يكون؟ أصبر مكرها، اما سمعت قول العباس بن الأحنف:«2» [الكامل]
تعب يطول مع الرجاء لذي الهوى
…
خير له من راحة في الياس
لولا كرامتكم لما عاتبتكم
…
ولكنتم عندي كبعض الناس
قال: فذرفت عيناها واعتذرت إليه وعاتبته، واصطلحا.
قال أحمد بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي، قالت لي عريب: حج بي أبوك وكان مضعوفا، فكان عديلي «1» ، وكنت في طريقي أطلب الأعراب فاستنشدهم الأشعار، وأكتب عنهم النوادر، فوقف شيخ من الاعراب يسأل، فاستنشدته، فأنشدني:«2» [البسيط]
يا عز هل لك في شيخ فتى أبدا
…
وقد يكون شباب غير فتيان
فاستحسنته، ولم أكن سمعته قبل ذلك، فاستنشدته «3» باقي الشعر فقال لي: هو يتيم، فاستملحت قوله وبررته، وحفظت البيت وغنيت فيه لحنا من الثقيل الأول، ومولاي لا يعلم بذلك لضعفه، فلما كانت عشية ذلك اليوم، قال لي: ما كان أحسن البيت الذي أنشدك الأعرابي إياه وقال لك إنه يتيم، أنشدينيه إن كنت حفظته، فأنشدته إياه وأعلمته أني قد غنيت فيه، ثم غنيته له، فوهب لي ألف درهم، وفرح بالصوت فرحا شديدا.
قال أبو الخطاب العباس بن أحمد بن الفرات، حدثني أبي قال: كنا يوما عند جعفر بن المأمون نشرب، وعريب حاضرة، اذ غنى بعض من كان هناك «4» [ص 226][الكامل]
يا بدر إنك قد كسيت مشابها
…
من وجه ذاك المستنير الواضح
وأراك تمحص بالمحاق وحسنها
…
باق على الأيام ليس ببارح «5»
فطربت عريب وصفقت ونعرت «1» ، وقالت: ما على وجه الارض من يعرف خبر هذا الصوت غيري، فلم يعرف ولم يقدر أحد منا على مسألتها عنه غيري، [فسألتها] فقالت: أنا أخبركم بقصته، ولولا أن صاحب القصة قد مات، لما أخبرتكم، إن أبا محلم قد قدم بغداد فنزل بقرب دار صالح المسكين في خان هناك، فاطلعت أم محمد على أبي محلم يوما فرأته يبول فأعجبها متاعه، فأحبت مواصلته، فجعلت لذلك علة بأن وجهت إليه تقترض منه مالا، وتعلمه أنها في ضيقة، وأنها ترده إليه بعد جمعة، فبعث إليها عشرة آلاف درهم، وحلف لها أنه لو ملك غيرها لبعث به، فاستحسنت ذلك منه وواصلته، وجعلت القرض سببا للوصلة، وكانت تدخله إليها ليلا، وكنت أنا أغني لهم، فشربنا ليلة في القمر، وجعل أبو محلم ينظر إليها، ثم دعا بدواة ورقعة، وكتب فيها:
[الكامل]
يا بدر إنك قد كسيت مشابها
…
من وجه أم محمد ابنة صالح
والبيت الآخر، وقال لي: غني فيه، ففعلت واستحسناه وشربنا عليه، فقالت لي أم محمد في آخر المجلس: يا أختي انك قد غنيت في هذا الشعر وأراه سيبقى علي فضيحة آخر الدهر، قال أبو محلم، فأنا أغيره، فجعل مكان (ام محمد ابنة صالح) ، (ذاك المستنير اللائح) ، وغنيته كما غيره، وأخذه الناس عني ولو كانت أم محمد حية، لما أخبرتكم بالخبر.
قال أبو الحسن بن الفرات: كنت يوما عند أخي أبي العباس بن الفرات، وعنده عريب تغني، فقالت لأخي، وقد جرى ذكر الخلفاء: ناكني منهم ثمانية، ما اشتهيت منهم أحدا، إلا المعتز، قال ابن الفرات: فأصغيت إلى بعض بني أخي،
فقلت: كيف ترى شهوتها الساعة، فضحك من قولي، فقالت: أي شيء قلتم؟
فجحدتها، فقالت: جواري حرائر [ص 227] لئن لم تخبراني بما قلتما لأنصرفن، ولئن قلتما لي لاحذرت من شيء جرى، ولو أنها تسفيل، فصدقتها فقالت: وأي شيء في هذا، أما الشهوة فبحالها، ولكن الآلة قد ضعفت، عودوا إلى ما كنتم فيه.
قال أبو عبد الله بن حمدون: زارت عريب محمد بن حامد، وجلسا جميعا فجعل يعاتبها ويقول: فعلت كذا وفعلت كذا، فقالت: يا عاجز، خذ فيما نحن فيه، واجعل سراويلي مخنقتي «1» ، والصق خلخالي بقرطي، فإذا كان غد فاكتب إلى بعتابك حتى أكتب اليك بعذري، فقد قال الشاعر:«2» [الوافر]
دعي عد الذنوب إذا التقينا
…
تعالي لا نعد ولا تعدي
قال: اصطبح المأمون وعنده ندمان، وفيهم محمد بن جامع وجماعة من المغنين، وعريب معه على مصلاه، فأومأ محمد بن حامد إليها بقبلة، فاندفعت تغني ابتداء:«3» [الطويل]
رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة
…
كحاشية البرد اليماني المسهم
فقال المأمون: أمسكي، فأمسكت، ثم أقبل على الندماء فقال: من منكم أومأ إلى عريب بقبلة؟ والله لئن لم يصدقني لأضربن عنقه، فقام محمد فقال:
أنا يا أمير المؤمنين أومأت إليها، والعفو أقرب للتقوى، فقال: قد عفوت عنك.
فقال: [كيف] استدل أمير المؤمنين على ذلك فقال: ابتدأت صوتا وهي لا تغني