الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال: فبكى المأمون والناس، فما رأيت أكثر باكيا من ذلك اليوم، والبيتان لموسى شهوات.
ومن شعر أبي موسى وله فيه صنعة: «1» [مجزوء الخفيف]
رقدت عنك سلوتي
…
والهوى ليس يرقد
وأطار السهاد نو
…
مي فنومي مسهد
أنت بالحسن منك يا
…
أحسن الناس تشهد
وفؤادي بحسن وج
…
هك يشقى ويكمد
71- علّويه
«2»
كوكب أفق وسحب أنواء دفق، توقل «3» منارا، وتوقد شجره الأخضر نارا، صنع غرائب الألحان، وظهر بعجائب الامتحان، وأدنته مجالس الخلفاء، وأدنته «4» بالزيادة على الأكفاء وحلت له عقدة الحظ، وعقلة الزمن الفظ، فباء بالنعم الوافرة، وآب بالآمال النافرة، وراد معاندة خاسر [ص 213] الصفقة، حاسي الرفقة، لا يضم رجاؤه على النجاح كشحا، ولا تأتيه دقائق الرزق إلا رشحا.
قال أبو الفرج، قال أبو عبيد الله بن حمدون، حدثني أبي قال: اجتمعت مع إسحاق يوما في بعض دور بني هاشم، وحضر علويه فغنى أصواتا، ثم غنى من
صنعته: «1» [الطويل]
ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة
…
إلي فهلا وجه ليلى شفيعها
فقال له: أحسنت والله يا أبا الحسن ما شئت، فقام علويه من مجلسه فقبل رأس إسحاق وجلس بين يديه، وسر بقوله سرورا شديدا، ثم قال له: أنت سيدي وأستاذي، ولي إليك حاجة، قال: قل فو الله إني أبلغ فيها ما تحب، فقال: أيما أفضل أنا عندك أم مخارق فإني أحب أن يسمع منك في هذا المعنى قول يؤثر ويحكيه عنك من حضر، فتشرفني به، قال إسحاق: ما منكما إلا محسن مجمل، ولا نريد أن يجري في هذا شيء، قال: سألتك بحقي عليك وبتربة أبيك، وبكل حق تعظمه إلا ما حكمت، فقال: ويحك لو كنت أستجيز أن أقول غير الحق لقلته فيما تحب، فأما إذ أبيت إلا ذكر ما عندي، فلو خيرت أنا من يطارح جواري أو يغنّيني، لما اخترت غيرك، ولكنكما إذا غنيتما بين يدي خليفة أو أمير، غلبك على إطرابه، واستبد عليك بجائزته، فغضب علويه، وقام وقال: أفّ من رضاك، وأف من غضبك.
قال عبد الله بن طاهر، سمعت الواثق يقول: علويه أصح الناس صنعة بعد إسحاق، وأطيب الناس صوتا بعد مخارق، وأضرب الناس بعد زلزل «2» ، فهو مصلي «3» كل سابق ناذر «4» ، وثاني كل أول فاضل.
قال: وكان الواثق يقول: غناء علويه مثل نقر الطست يبقى ساعة في السمع بعد سكونه.
وكان علويه أعسر، وكان عوده مقلوب الأوتار، البم أسفل، ثم المثلث فوقه،
ثم المثنى ثم الزير، فيكون مستويا على يده، مقلوبا في يد غيره.
قال: غنى علويه يوما بين يدي الأمين «1» : [ص 214][الرمل]
ليت هندا أنجزتنا ما تعد
…
وشفت أنفسنا مما تجد
وكان الفضل بن الربيع يضطغن عليه شيئا، فقال للأمين: إنما يعرض بك ويحرض المأمون، ويستبطئ محاربته إياك، فأمر به فضرب خمسين سوطا «2» وجر برجله حتى أخرج، وجفاه مدة، فلما قدم المأمون، تقرب إليه بذلك، فلم يقع له بحيث يحب، وقال له: إن الملوك بمنزلة الأسد والنار فلا تتعرض لما يغضبه، فإنه ربما جرى منه ما يتلفك، ثم لا تقدر بعد ذلك على تلافي ما فرط منه، ولم يعطه شيئا.
ومثل هذا من «3» فعل الأمين ما حكاه إسحاق قال: دخلت يوما على الأمين فرأيته مغضبا كالحا، فقلت: ما للأمير تمم الله سروره ولا نغصه إياه كالخاثر، فقال: غاظني أبوك الساعة، والله لو كان حيا لضربته خمس مئة سوط، ولولاك لنبشت الساعة قبره وأحرقت عظامه، فقمت على رجلي وقلت: أعوذ بالله من سخطك يا أمير المؤمنين، ومن أبي وما مقداره حتى تغتاظ منه، وما الذي غاظك، فلعل له عذرا فيه، فقال: شدة محبته المأمون، وتقديمه إياه عليّ قال في الرشيد شعرا يقدمه علي وغناه فيه، وغنيته الساعة فأورثني هذا الغيظ، فقلت:
والله ما سمعت بهذا قط، ولا لأبي غناء إلا وأنا أرويه، ما هو؟ «4» فقال قوله:«5»
[الوافر]
أبو المأمون فينا والأمين
…
له كنفان من كرم ولين
فقلت له: لم يقدم المأمون هذا لتقديمه إياه في الموالاة، ولكن الشعر لم يصح وزنه إلا هكذا، فقال: وكان ينبغي له إذا لم يصح وزنه إلا هكذا أن يدعه إلى لعنة الله، قال: فلم أزل أرفق به إلى أن سكن، فلما قدم المأمون سألني عن هذا الحديث، فحدثته به فجعل يضحك ويتعجب منه.
قال أحمد بن يحيى المكي: دخلت على علويه أعيده من علة اعتلها، فجرى حديث المأمون، فقال: علم الله كدت أذهب ذات يوم وأنا معه، لولا أن الله عز وجل سلمني ووهب [ص 215] لي حكمة، فقلت كيف كان ذاك؟ قال: كنت معه لما خرج إلى الشام، فدخلنا دمشق وجعل يطوف على قصور بني أمية، فدخلنا صحنا «1» ، فإذا هو مفروش بالديباج والرخام الأخضر، وفيه بركة ماء يدخلها ويخرج منها من عين تصب إليها، وفي البركة سمك، وبين يديها بستان، وعلى أربع زواياها أربع سروات «2» ، كأنها قصت بمقراض من التفافها أحسن ما رأيت قط من السرو قدا، فاستحسن ذلك وعزم على الصبوح «3» ، وقال: هاتوا لي الساعة طعاما خفيفا، فأتي ببزماورد «4» فأكله، ودعا بالشراب، وأقبل علي فقال: غنني ونشطني، فكأن الله عز وجل أنساني الغناء «5» [كله إلا
هذا الصوت: «1» [المنسرح]
لو كان حولي بني أمية لم
…
تنطق رجال أراهم نطقوا]
فنظر إلي مغضبا وقال: عليك وعلى بني أمية لعنة الله، ويلك، قلت لك سؤني أو سرّني، ألم يكن لك وقت تذكر فيه بني أمية إلا هذا الوقت تعرض بي، فتحيلت عليه وعلمت أني قد أخطأت، فقلت: أتلومني على أن أذكر بني أمية، هذا مولاكم زرياب «2» عندهم «3» يركب في مئتي غلام له، ويملك ثلاث مئة ألف دينار، وهبوها له، سوى الخيل والضياع والرقيق، وأنا عندكم أموت جوعا!! قال: أو لم يكن لك شيء تذكرني به نفسك غير هذا؟ فقلت: هكذا خطر لي حين ذكرتهم، قال: اعدل عن هذا ونبه على إرادتي، فأنساني الله كل شيء أحسنه إلا هذا الصوت:«4» [الكامل]
الحين ساق إلى دمشق وما
…
كانت دمشق لأهلها بلدا
فرماني بالقدح فأخطأني، وانكسر القدح، وقال: قم عني إلى لعنة الله وحر سقر، وقام فركب، فكانت والله تلك الحالة آخر عهدي به، حتى مرض ومات.
قال: ثم قال لي علويه: يا أبا جعفر، كم تراني أحسن، أغني ثلاثة آلاف صوت أربعة آلاف صوت؟ خمسة آلاف صوت؟ أنا والله أغني أكثر من ذلك، ذهب
والله كله عني، حتى كأني لم اعرف غير ما غنيت، ولقد ظننت أن لو كان لي ألف روح، ما نجت منها واحدة، ولكنه كان رجلا حليما.
قال: وغنى يوما علويه بحضرة الرشيد: «1» [ص 216][الكامل]
وأرى الغواني لا يواصلن امرأ
…
فقد الشباب وقد يصلن الأمردا
فدعابه الرشيد وقال: يا عاض بظر أمه، تغني في مدح المرد وتذم الشيب، وستارتي منصوبة وقد شبت، كأنك إنما تعرض بي، ثم دعا بمسرور فأمره أن يأخذ بيده فيضربه مئة «2» درة، ولا يرد إلى مجلسه، ففعل ذلك به، ولم ينتفع الرشيد يومئذ بنفسه.
قال: دخل علويه يوما على إبراهيم بن المهدي، فقال له إبراهيم: ما الذي أحدثت بعدي من الصنعة يا أبا الحسن؟ قال: صنعت صوتين، قال فهاتهما إذا، فغناه:«3» [الطويل]
ألا إن لي نفسين نفسا تقول لي
…
تمتع بليلى ما بدا لك لينها
ونفسا تقول استبق ودك واتئد
…
ونفسك لا تطرح على من يهينها
قال: فكاد إبراهيم أن يموت من حسده، وتغير لونه، ولم يدر ما يقول له، لأنه لم يجد في الصوت مطعنا، فعدل عن الكلام في هذا المعنى، وقال له: هذا يدل على أن ليلى هذه كانت من لينها مثل الموم «4» بدهن البنفسج، ثم سأله عن