الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال أبو الفرج الأصفهاني، قال ابن عباد: إني لأمشي بأعلى مكة في العشر «1» ، إذا أنا بمالك على حمار له ومعه فتيان من أهل المدينة، فظننت أنهما قالا له: هذا ابن عباد، فمال إليّ، فملت إليه، فقال لي: أنت ابن عباد، فقلت: نعم، فقال: مل معي هاهنا، فأدخلني شعب ابن عامر، ثم أدخلني دهليز ابن عامر، قال: غنّني، قلت: أغنّيك وأنت مالك، وقد كان يبلغني أنه يثلب أهل مكة، ويتعصب عليهم، فقال: بالله إلا غنّيتني صوتا من صنعتك، فاندفعت فغنيته:[الوافر]
ألا يا صاحبيّ قفا فعوجا
…
على ربع تقادم بالمنيف «2»
فأمست دارهم شحطت وبانت
…
وأضحى القلب يخفق ذا وجيف
وما غنيته إياه إلا على احتشام، فلما فرغت نظر إليّ وقال: والله لقد أحسنت، ولكن حلقك كأنه حلق زانية، فقلت: أما إذ «3» أفلت منك بهذا فقد أفلتّ.
قال: وبقي ابن عباد إلى أيام المهدي، فقدم بغداد وتوفي بها في أيامه، ودفن بباب حرب.
52- يحيى المكّي
«4»
رابط فكر سانح، وخاطر مانح، واضطلاع فيما نقل، واطلاع على ما كان
يظن أنه لم يقل، وإتقان لصنعته يجمع طرقتها «1» ، ويعرف فرقها، ويؤنس غربتها، ويحلّي غربلتها، وأذن الخلافة مصغية إلى اجتناء الطرائف، واقتناء الشرايف، واستحسان الحسن، واستنطاق الألسن، فنفقت بضاعته، وفتقت الحجب، إلى القلوب صناعته.
قال أبو الفرج: قال أحمد بن سعيد المالكي: حضرت يحيى المكي يوما وقد غنّى لحنا لمالك، فسئل عن صانعه فقال: هذا لي، فقال إسحاق: قلت ماذا؟ قلت:
فديتك، وتضاحك به، وأخبر [ص 137] أنه لمالك، فغنّى الصوت فخجل يحيى «2» ، وأمسك عنه، ثم غنّى بعد ساعة صوتا آخر، فسئل عنه فنسبه إلى الغريض، فقاله إسحاق: يا أبا عثمان، ليس هذا من نمط الغريض ولا طريقته، فلو شئت لأخذت مالك وتركت للغريض ماله «3» ولم تتعب، فاستحيا يحيى، ولم ينتفع بنفسه [بقية] يومه، فلما انصرف بعث إلى إسحاق بألطاف «4» وهدايا، وكتب إليه يعاتبه ويقول له: لست من أقرانك فتضادني، ولا أنا ممن يتصدى لمباغضتك ومباراتك فتكايدني وأنت أولى أن أفيدك وأعطيك ما تعلم أنك لا تجده عند غيري، فتسمو بي على أكفائك أحوج منك على أن تباغضني، وأعطي غيرك سلاحا إذا حمله عليك لم تقم له، وأنت أولى وما تختار، فعرف إسحاق صدقه فكتب إليه يعتذر، ورد الألطاف، وحلف له أن لا يعارضه بعدها، وكان يأخذ عنه غناء المتقدمين ويستفيد منه أشياء فاق بها نظراءه، وكان يحيى بعد
ذلك إذا سئل بحضرته عن شيء صدق فيه، وإذا غاب إسحاق خلط فيما سئل عنه.
قال إسحاق يوما للرشيد قبل أن تصلح الحال بينه وبين يحيى المكّي، أتحب يا أمير المؤمنين أن أظهر لك كذب يحيى فيما ينسبه من الغناء؟ قال: نعم، قال:
أعطني أي شعر شئت حتى أصنع فيه، وسلني بحضرته عن صانعه، فإني سأنسبه إلى رجل لا أصل له، وسلني وسل يحيى عنه إذا غنيته، فإنه لا يمتنع أن يدّعي معرفته، فأعطاه شعرا وصنع فيه لحنا وغناه الرشيد بحضرة يحيى، فسأله:
لمن هو، قال له إسحاق: لغناديس المدني، فأقبل الرشيد على يحيى فقال له:
لقيت غناديس المدني «1» ؟ قال: نعم، وأخذت عنه صوتين، ثم غنّى صوتا وقال: هذا أحدهما، فلما خرج يحيى، حلف إسحاق بالطلاق ثلاثا، وعتق جواريه، أن الله عز وجل ما خلق أحدا اسمه غناديس، ولا سمع في المغنين ولا غيرهم وأنه وضع هذا الاسم في وقته.
قال زرزر مولى علي المالقي «2» ، قال إبراهيم بن المهدي يوما لمولاه: ويلك يا مارق «3» ، إن يحيى المكي غنّى البارحة أمير المؤمنين ذكر فيه صوتا فيه ذكر زينب «4» ، وكان النبيذ أخذ مني فأنسيت شعره، فاستعدته إياه، فلم يعده [ص 138] فاحتل لي عليه حتى تأخذه لي منه ولك علي سبق «5» ، فقال لي مولاي:
اذهب إليه وأعلمه أني أسأله أن يكون اليوم عندي، فمضيت إليه فجئت به، فلما قعدنا ووضع النبيذ، قال له المارقي: إني كنت سمعتك تغني صوتا فيه ذكر
زينب، وأنا أحب أن آخذه منك، وكان يحيى يوفي هذا الشأن حقه ولا يحضر إلا بحذر، ثم لا يدع الطلب والمسألة، ولا يلقي صوتا إلا بعوض، فقال له: وأي شيء العوض إذا ألقيت عليك هذا الصوت، فقال: ما تريد؟ فقال: هات الدلية «1» الأزمنية، أما آن لك أن تملّها؟ قال: بلى، وهي لك، قال: وهذه الظباء الحرمية، أنا مكّيّ وأنا أولى بها منك، قال: هي لك، وأمر بحمل ذلك إليه، وقال: يا غلام هات العود، فقال يحيى: والميزان والدراهم وكان لا يغني صوتا إلا بخمسين درهما فأعطاه إياها، وألقى عليه الصوت وهو:«2» [الطويل]
بزينب ألمم قبل أن يظعن الرّكب
…
وقل إن تملينا فما ملّك القلب
فلم يشك المارقي أنه قد أخذ الصوت الذي طلبه إبراهيم وأدرك حاجته، فبكّر إلى إبراهيم وقد أخذ الصوت، فقال: جئتك بالحاجة، فدعا بالعود، فغناه إياه، فقال: لا والله، ما هذا هو، وقد خدعك، فعاود الاحتيال عليه. فقال زرزر:
فبعثني إليه وبعث معي خمسين درهما، فلما دخل إليه وأكلا وشربا، قال له يحيى: قد واليت بين دعوتيك لي ولم تكن برا ولا وصولا، فما هذا؟ قال: لا شيء والله إلا محبتي لك، والأخذ عنك والاقتباس منك، فقال: سرّك الله، فمه؟
قال: تذكرت الصوت الذي سألتك إياه، فإذا ليس هو الذي ألقيته، قال: فتريد ماذا؟ قال: تذكر الصوت، قال: أفعل، فغناه:«3» [البسيط]
ألمم بزينب إنّ البين قد أفدا
…
قلّ الثّواء لئن كان الرّحيل غدا
فقال: نعم، فديتك يا أبا عثمان، هذا هو، فألقه عليّ، قال: العوض؟ قال: ما
شئت، قال: هذا المطرف «1» الأسود، قال: هو لك، فأخذه وألقى عليه الصوت حتى استوى له، وبكّر إلى إبراهيم فقال له: ما وراءك؟ قال: قد قضيت الحاجة، فغناه إياه، فقال: خدعك والله، ليس هو هذا، فأعد الاحتيال عليه، وكلما تعطيه إياه فألزمني به، [ص 139] فلما كان في اليوم الثالث، بعث إليه، وفعل مثل فعله بالأمس، فقال له يحيى مالك أيضا؟ فقال: يا أبا عثمان، ليس هذا هو الصوت الذي أردت، قال له: لست أعلم ما في نفسك فاذكره، وإنما علي أن أذكر ما فيه زينب من الغناء كما التمست حتى لا تبقى زينب البتة إلا حضرت بها، قال: هات على اسم الله تعالى، [قال]«2» اذكر العوض، قال: هذه الدّراعة الوشي التي عليك، فأخذها، قال: والخمسين درهما، فأحضرت، فأخذها وألقى عليّ:«3» [الطويل]
لزينب طيف تعتريني طوارقه
…
هدّوا إذا النجم ارجحنّت لواحقه
فأخذه ومضى إلى إبراهيم، فصادفه يشرب مع الحرم، فقال له حاجبه:
ما تصل إليه، فقال له: قل له قد جئتك بحاجتك، فدخل فأعلمه، فقال له:
يدخل فيغنيه في الدار قائما، فإن كان هو، وإلا فليخرج، قال: ففعل ذلك، فقال: لا والله ما هو هذا، فعاود الاحتيال عليه، ففعل مثل ذلك، فقال له يحيى وهو يضحك: ما ظفرت بزينبك بعد؟ قال: لا والله يا أبا عثمان، وما أشكّ إلا أنك تعتمدني بالمنع «4» مما أريده، وقد أخذت كل شيء عندي معابثة، فقال له يحيى: قد استحييت الآن منك وأنا ناصحك على شريطة، قال: نعم، قال:
الشريطة أن لا تلمني أن أعاتبك لأنك أخذت في معاتبتي «1» والمطلوب إليه أقدر من الطالب، فلا تعاود أن تحتال عليّ فإنك لا تظفر مني بما تريد، وقد دسّك إبراهيم عليّ لتأخذ صوتا غنيته، وسألني إعادته فمنعته إياه، بخلا عليه به، لأنه لم يلحقني منه خير ولا بركة، ويريد أن يأخذ غنائي باطلا وطمع بموضعك عندي أن يأخذ الصوت بلا ثمن ولا حمد، لا والله، إلا بأوفر ثمن وبعد اعترافك، وإلا فلا تطمع في الصوت، فقال له: أما إذا قد فطنت فتغنيه الآن إن كان هو، وإلا فعليك إعادته بعينه ولو غنّيتني كلّ شيء تعرفه لما أحسنت «2» لك إلا به، فقال: اشتره، فتساومنا طويلا، وما كسته إلى أن استقرّ الأمر على ألف درهم، فدفعتها إليه، وألقى:«3» [الكامل]
طرقتك زينب والمزار بعيد
…
بمنى ونحن معرّسون هجود
فكأنّما طرقت بريّا روضة
…
أنف تسجّح مزنها وتجود «4»
[ص 140] قال: وهو صوت كثير العمل، حلو النغم، كثير الصنعة، صحيح القسمة، حسن المقاطع، فأخذه وبكّر إلى إبراهيم فقال له: قد أفقرني هذا الصوت وأعراني وأبلاني بوجه يحيى وشحه وشرهه، وحدثه بالقصة فضحك إبراهيم، وغناه إياه، فقال: هو هذا وأبيك هو بعينه، فألقاه عليه حتى أخذه، وأخلف كل شيء أخذه يحيى منه، وزاده خمسة آلاف درهم، وحمله على برذون «5» أشهب بسرجه ولجامه، وقال له: يا سيدي، فغلامك زرزر المسكين قد تردد عليه حتى ظلع «6» ، هب له شيئا، فأمر له بألف درهم.
قال: كان إبراهيم بن المهدي في مجلس محمد الأمين، والمغنون حضور، فغنّى يحيى المكي:«1» [مجزوء الوافر]
خليل لي أهيم به
…
فلا كافا ولا شكرا
فاستعاده إبراهيم وأحب أن يأخذه منه، فجعل يحيى المكي يفسده، وفطن الأمين بذلك، فأمر له بعشرين ألف درهم وأمره برده وترك التخليط فيه، فدعا له، وقبّل الأرض بين يديه، وردّد الصوت وجوّده، فاستعاده إبراهيم، فقال له يحيى:
ليست تطيب نفسي لك به إلا بعوض من مالك، ولا أنصحك والله، فهذا مال أمير المؤمنين مولاي فلم تأخذ أنت غنائي، فضحك الأمين وحكم على إبراهيم بعشرة آلاف درهم، فأحضره «2» وقبّل يحيى يده، فأعاد الصوت وجوّده، فنظر إلى مخارق وعلوية متطلعين لأخذه، فقطع الصوت، ثم أقبل عليهما فقال:
قطعة من خصية الشيخ تغطّي أستاه عدة صبيان، والله لا أعدته بحضرتكما، ثم أقبل على إبراهيم بن المهدي، فقال له: يا سيدي، أنا أصير إليك حتى تأخذه متمكنا، ولا يشركك فيه أحد، فصار إليه فأعاده حتى أخذه، وأخذه جواريه.
قال: غنّى ابن جامع للرشيد يوما بيتا، وهو هذا:«3» [الكامل]
إنّي امرؤ مالي يقي عرضي
…
ويبيت جاري آمنا جهلي
فأعجب به الرشيد، فاستعاده مرارا وأسكت لابن جامع سائر المغنين، وجعل
يسمعه ويشرب عليه، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم، وعشر خلع، وعشرة خواتم، وانصرف، ومضى إبراهيم الموصلي من وجهه إلى يحيى المكي، فأخبره بالذي كان [ص 141] من ابن جامع، واستغاث به، فقال له يحيى: أفزاد على البيت الأول شيئا؟ قال: لا، قال: أفرأيت إن زدتك بيتا ثانيا لم يعرفه إسماعيل، أو عرفه ثم انسيه، طرحته عليك حتى تأخذه، ما تجعل لي؟ قال: النصف مما يصل إلي بهذا البيت، قال: والله؟ قال: والله، فلما استوثق منه بالأيمان، ألقى عليه:
[الكامل]
وأرى الذّمامة للرفيق إذا
…
ألقى رحالته إلى رحلي
فأخذه وانصرف، فلما حضر المغنون من غد، كان اول صوت غنّاه إبراهيم هذا الصوت، وتحفّظ فيه وأحسن فيه كل الإحسان، فطرب الرشيد عليه واستعاده حتى سكر، وأمر لإبراهيم بعشرة آلاف دينار «1» ، وعشرة خواتيم وعشر خلع، فحمل ذلك معه وانصرف من وجهه إلى يحيى، فقاسمه ومضى إلى منزله، وانصرف ابن جامع إليه من دار الرشيد، وكان يحيى في بقايا علة، فاحتجب عنه، فدفع ابن جامع في صدر بوّابه، ودخل إليه، وقال: إيه يا يحيى، كيف صنعت، ألقيت الصوت على الجرمقاني «2» ، لا دفع الله صرعتك، ولا وهب عافيتك، وتشاتما ساعة، وخرج ابن جامع من عنده وهو مدوّخ.
قال يحيى المكي: أرسل اليّ الرشيد، فدخلت عليه، وهو جالس على كرسي بتلّ