الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وله: «1» [الخفيف]
وعدت أن تزور ليلا فألوت
…
وأتت بالنّهار تسحب ذيلا
قلت هلا صدقت في الوعد قالت
…
كيف صدّقت أن ترى الشمس ليلا
[ص 309] وكان هو وظهير الدين بن محاسن في زيارة كمال الدين ابن عم ظهير المذكور، وانتبها وقد برد، فقال:[البسيط]
جاء الشتاء ببرد لا مردّ له
…
ولم يطق حجر قاس يقاسيه
لا الكأس عندي ولا الكانون متّقدا
…
كفى ظلامي وكيس قلّ ما فيه
دع الكباب وخلّ الكس وا أسفا
…
على كساء أتغطّى في دياجيه «2»
فأعطاه ظهير الدين فروة سمور «3» كانت لابن عمّه الكمال هناك، فلما سمع الكمال بالأبيات، أعطاه عمامة دمياطية ومئة دينار.
136- عبد المؤمن بن يوسف
«4»
ابن فاخر الأرموي، صفي الدين أبو الفضائل، مؤلف ضروب أشتات، ومصنف نوب يجمع عليها شتات، خدم الخلافة زمنا، وأخذ الدنيا لأنفاسه
ثمنا، وبلغ من علم الموسيقا مبلغا ضم له ضمن لحده سائب، وحاق به لإسحاق أن يظهر المعايب، لو سمعته الوحوش الشوارد لأنست، وأوعته لما نبست، وأغنى في واقعة هولاكو بما منح من حسن التدبير، ويمن اللفظ في المقادير بالتلطف مع من أبيحت له لأيدي النهب محلته، وتعتعت «1» له بسنابك الركض حلته، لكنما القدرة أذهبت الحفيظة، وبردت حرق الصدر المغيظة، ثم كان هذا سببا له إلى هولاكو فأوجب «2» به صلته، وأوجز منه صلته.
ذكر الشيخ أبو الخير سعيد الدهلي ومخلص «3» ما قال: ورد بغداد في زمن المستعصمي أبي أحمد ونزل في رباط ابن البيار وكتب له مصحفا بخط منسوب، ووصل إلى المستعصم فتعرف إليه به وجعل من الملازمين الباب يكتب المصاحف ويعلم أولاد المستعصم، ثم بلغ عنده مالم ينله عنده أحد من المقربين، وكان ابن سيدانا اليهودي كاتبه، وكان مقصوده منه أن يغنيه في علم الحساب لتقسيم أجزاء الموسيقا «4» ، ولم يلزم بيده دينارا ولا درهما، وكان خرجه في سنة واحدة كما ذكر ابن سيدانا ثلاث مئة ألف دينار عوالا «5» ، وكانت له معرفة بسائر العلوم، تغلب عليه الحكميات والرياضيات، وبلغ من الموسيقا مالم يبلغه أحد من المتأخرين، وصف [ص 310] وصنف في عملياته كثيرا، حفظ له الناس ثلاثين ومئة نوبة، ولم يكن نكتة عويصة إلا وصنف فيها نوبة مذكورة متداولة بين الناس، وصنف كتابين في علم الموسيقا، أحدهما الشرقية باسم
شرف الدين هارون ابن الوزير شمس الدين الجويني، والكتاب الآخر يسمى الأدوار «1» ، وله النظم الرائق والخط الفائق، وكان مليح الشكل «2» عذب الأخلاق، ذا مروءة وقوة وكرم نفس، ظريفا لطيفا، وكتب عليه ياقوت المستعصمي وابن السهروردي، واشتغل عليه في الموسيقا في جماعة من الأعيان، قال: ومن كتابته السطر الطومار الذي على بركة جامع الكوفة التي عمرها الصاحب علاء الدين الجويني، وكتب درجا للسلطان هولاكو فأعجبه، ثم وقع ذلك الدّرج في يد من عرضه للبيع فاشتراه بمائة دينار عوال، وفوض إليه هولاكو نظر الأوقاف بجميع العراق وصدورها، وعظم عند الناس بمنزلة هولاكو، ثم توصل خواجا نصير الطوسي بالجوينيين، وابتاع منه صدورية الوقف بسبعين الف دينار رائجا، وبان على الأئمة وأهل الأوقاف فقده، لأنه كان محسنا إليهم، بخلاف من ولي بعده، ومن شعره:[الطويل]
لحسنك من كلّ العيون نصيب
…
وأنت إلى كلّ القلوب حبيب
ومن شعره أيضا: [الوافر]
ألاقي في سهادي ما ألاقي
…
وأنتم في الكرى ملء المآقي
ومن شعره أيضا: [الخفيف]
يا حياة النّفوس يا مشتهاها
…
أنت للعاشقين أقصى مناها
قال الدهلي: وصنف عليه قولا في العشاق طويلا.
ومن شعره أيضا: [الكامل]
هل للمعنّى الهائم المضنى الصّدىّ
…
من راحم أو مسعد أو منجد
عرف الهوى وتلطّفت أسراره
…
فسرى ورقّ توجّعا للمكمد
يصبو لبثّ جوى يكاد زفيره
…
لولا الرجاء لدقّ صمّ الجلمد
ليس الودود فتى يودك يومه
…
حتى إذا استغنى يملّك في غد
[ص 311]
بل إنّما الخلّ الودود فتى إذا
…
قعد الزمان بصاحب لم يقعد «1»
قال الدهلي: وسمع من نظمه جماعة، منهم الإمام علي بن سعيد المغربي قديما ببغداد، وتوفي في يوم الأربعاء ثامن عشر من صفر سنة ثلاث وتسعين وست مئة.
وحدثني الجمال المشرقي عنه، وذكر عدة أصوات له، فمنها في شعر المتنبي:«2» [الكامل]
اليوم موعدكم فأين الموعد
…
هيهات ليس ليوم وعدكم غد
والغناء فيه في الروكند، وفي هذا البيت:[الطويل]
لحسنك من كلّ القلوب نصيب
…
وأنت إلى كلّ القلوب حبيب
والغناء فيه في المجيّر من النيروز، وفي هذا البيت:[الكامل]
اصنع جميلا ما استطعت لأنّه
…
لا بدّ أن يتحدّث السّمّار
قال الجمال المشرقي: ولي في هذا المعنى: [الكامل]
اعدل إلى فعل المكارم والعلى
…
إنّ المكارم للعلى أنصار
وذكر العز حسن الأربلي في تاريخه قال: جلست مع عبد المؤمن بالمدرسة المستنصرية، وجرى ذكر واقعة بغداد، فأخبرني أن هولاكو طلب رؤساء البلد وعرفاءه، وطلب منهم أن يقسموا دروب بغداد ومحالها وبيوت ذوي يسارها على أمراء دولته، فقسموها وجعلوا كل محلة أو محلتين أو سوقين باسم أمير كبير، فوقع الدرب الذي كنت أسكنه في حصة أمير مقدم عشرة آلاف فارس اسمه بانوابوين، وكان هولاكو قد رسم لبعض الأمراء أن يقتل ويأسر وينهب مدة ثلاثة أيام، ولبعضهم يومين، ولبعضهم يوم واحد، على حسب طبقاتهم، فلما دخل الأمراء إلى بغداد، أول درب جاء إليه الدرب الذي أنا ساكنه، وكان قد اجتمع إليه خلق كثير من ذوي اليسار، واجتمع عندي نحو خمسين جوقة من أعيان المغاني من ذوي المال والجمال فوقف بانوابوين على باب الدرب وهو مدبس «1» [ص 312] بالأخشاب والتراب، فطرقوا الباب وقالوا: افتحوا لنا الباب وادخلوا في الطاعة، ولكم الأمان، وإلا أحرقنا الباب وقتلناكم، ومعه الزراقون «2» والنجارون وأصحابه بالسلاح، قال عبد المؤمن: السمع والطاعة، أنا أخرج إليه، ففتحت الباب وخرجت إليه وحدي وعليّ ثياب وسخة، وأنا أنتظر الموت، فقبلت الأرض بين يديه، فقال للترجمان: قل له من أنت، كبير هذا القوم الذي في الدرب؟ قلت: نعم، فقال: إذا أردتم السلامة من الموت، فاحملوا لنا كذا وكذا وطلب شيئا كثيرا، فقبلت الأرض مرة ثانية وقلت: كل ما طلب الأمير يحضر، وقد صار كل ما في هذا الدرب بحكمك، فمر جيوشك ينهبون باقي الدروب المعنية، وانزل حتى أضيفك ومن تريد من خواصك، فأجمع لك كل ما طلبت، فشاور أصحابه، ونزل في نحو ثلاثين رجلا، فأتيت به داري،
وفرشت له الفرش الخليفية الفاخرة، والستور المطرزة بالزركش، وأحضرت له في الحال أطعمة قلايا وشوايا وحلو، وأكلت بين يديه شسني «1» ، فلما فرغ من الأكل، عملت له مجلسا ملوكيا وأحضرت له الأواني المذهبة من الزجاج الحلبي وأواني فضة فيها شراب مروق، فلما دارت الاقداح وسكر قليلا، أحضرت عشر جوق «2» مغاني كلهم نساء، كل جوقة تغني بملهاة غير ملهاة الأخرى، وأمرتهم فغنوا كلهم على سار واحد فارتجّ المجلس وطرب وانبسطت نفسه، وضم واحدة من المغنيات أعجبته فواقعها في المجلس، ونحن نشاهده، وتم يومه في غاية الطيبة، فلما كان وقت العصر، حضر أصحابه بالنهب والسبايا، قدمت له ولأصحابه الذين كانوا معه تحفا جليلة من أواني الذهب والفضة، ومن النقد والذهب، ومن الأقمشة الفاخرة شيئا كثيرا، سوى العليق وهبات العوانية «3» الذين كانوا بين يديه، واعتذرت من التقصير وقلت: جاء الأمير على غفلة، لكن غدا إن شاء الله أعمل للأمير دعوة أحسن من هذه، فركب وقبّلت ركابه، ورجعت فجمعت أهل الدرب من اليسارة «4» ، وقلت لهم: انظروا لأنفسكم [ص 313] ، هذا الرجل غدا عندي، وكذا بعد غد وكل يوم، وأريد أضعاف اليوم المتقدم، فجمعوا لي من بينهم ما يساوي خمسين ألف دينار من أنواع الذهب والأقمشة الفاخرة والسلاح، فما طلعت الشمس إلا وقد وافاني، فرأى ما أذهله، وجاء في هذا اليوم ومعه نساء، فقدمت إليه ولنسائه من الذخائر والذهب والنقد ما قيمته عشرون ألف دينار، وقدمت له في اليوم الثالث لآلىء نفيسة، وجواهر ثمينة،
وبغلة جليلة بآلات خليفية، فقلت: هذه مراكب الخليفة، وقدمت لجميع من معه وقلت: هذا الدرب قد صار بحكمك، فإن تصدقت على أهله بأرواحهم، فيكون لك وجه أبيض عند الله وعند الناس، فما بقي عندهم سوى أرواحهم، فقال: قد عرفت ذلك ومن أول يوم، وهبتهم أرواحهم، وما حدثتني نفسي بقتلهم ولا سبيهم، ولكن أنت تجهز معي قبل كل شيء إلى حضرة القان، فقد ذكرتك له وقدمت له شيئا من المستظرفات التي قدمتها لي فأعجبته، ورسم بحضورك، فخفت على نفسي، وعلى أهل الدرب، وقلت: هذا يخرجني إلى خارج بغداد ويقتلني وينهب الدرب، فظهر عليّ الخوف، وقلت: يا خوند، هولاكو ملك كبير وأنا رجل حقير مغنّ أخشى منه ومن هيبته، فقال: لا تخف ما يصيبك إلا الخير، فإنه رجل يحب أهل الفضائل، فقلت: أنا في ضمانك أنه لا يصيبني مكروه، قال: نعم، فقلت: لأهل الدرب: هاتوا ما عندكم من النفائس، فأتوني بكل ما يقدرون عليه من المغيبات الجليلة ومن النقد الكثير من الذهب والفضة، وهيأت من عندي مآكل كثيرة طيبة وشرابا كثيرا عتيقا فائقا وأواني فاخرة كلها من الذهب والفضة المنقوشة، وأخذت معي ثلاثة جوق مغاني من أجمل من كان عندي وأتقنهن للضرب، ولبست بدلة من القماش الخليفي، وركبت بغلة جليلة كنت أركبها إذا رحت «1» إلى الخليفة، فلما رآني بانوابوين بهذه الحالة قال لي: أنت وزير، قلت: بل أنا مغني الخليفة ونديمه، ولكن لما خفت منك لبست هذه الثياب المقطعة الوسخة «2» ، ولما صرت من رعيتك أظهرت نعمتي وأمنت، وهذا الملك هولاكو ملك عظيم، وهو أعظم من الخليفة، فما ينبغي أدخل عليه [ص 314] إلا بالحشمة والوقار، فأعجبه مني هذا
وخرجت معه إلى مخيم هولاكو، فدخل عليه وأدخلني معه، وقال لهولاكو:
هذا الرجل الذي ذكرته، وأشار إليّ، فلما وقعت عين هولاكو عليّ قبلت الأرض، وجلست على ركبتي كما هو من عادة التتار، فقال له بانوابوين: هذا كان مغني الخليفة وقد فعل معي كذا وكذا، وقد أتاك بهدية، فقال: أقيموه، فأقاموني فقبلت الأرض مرة ثانية ودعوت له، وقدمت له ولخواصه الهدايا التي كانت معي، فكلما قدمت شيئا سأل عنه، ثم يفرقه، ثم فعل بالمأكول كذلك، ثم قال لي: أنت كنت مغني الخليفة؟ فقلت: نعم، فقال: إيش أجود ما تعرف في علم الطرب؟ فقلت: أحسن أغني غناء إذا سمعه الإنسان ينام، فقال: فغن لي الساعة حتى أنام، فندمت وقلت: إن غنيت له ولم ينم قال: هذا كذاب وربما قتلني، ولا بد لي من الخلاص منها بحيلة، فقلت: يا خوند، الطرب بأوتار العود لا يطيب إلا على شرب الخمر، ولا بأس أن يشرب الملك قد حين ثلاثة حتى يقع الطرب في موقعه، فقال: أنا مالي في الخمر رغبة لأنه يشغلني عن مصالح ملكي، ولقد أعجبني من نبيكم تحريمه، ثم شرب ثلاثة أقداح كبار، فلما أحمرّ وجهه أخذت منه دستورا «1» وغنيته، وكان معي مغنية اسمها صبا، لم يكن في بغداد أحسن منها صورة، ولا أطيب صوتا، فأصلحت أنغام العود على أنغام ضربة جالبة للنوم مع زم رخيم الصوت، وغنيت فلم أتمّ النوبة حتى رأيته قد نعس، فقطعت الغناء بغتة، وقويت ضرب الأوتار فانتبه، فقبلت الأرض وقلت:
نام الملك، فقال: صدقت، تمنّ عليّ، فقلت: أتمنى على الملك أن يطلق لي (السّميلة) قال: وأي السميلة شيء هي، قلت: بستان كان للخليفة، فتبسم وقال لأصحابه: هذا مسكين مغني قصير الهمة، وقال للترجمان: لم لا تمنيت