الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصوت الآخر [فغناه] : [الطويل]«1»
إذا كان لي شيئان يا أم مالك
…
فإن لجاري منهما ما تخيرا
وفي واحد إن لم يكن غير واحد
…
أراه له أهلا إذا كان مقترا
قال: فكاد إبراهيم أن يموت حسدا له، قال: وإن كان لك امرأتان يا أبا الحسن، حبوت جارك بواحدة، فخجل علويه وما نطق بحرف بقية يومه.
72- ومنهم- مخارق
«2»
نبعة لا يقاتل بغرب، ولا يقابل في طرب، أتى في الغناء بكل خارق، وواتى ضربه إيماض كل شارق، وزاحم في مجالس الخلفاء، ووقف والقوم جثيّ على الركب، وقام بحصائد لسانه، وكل واحد به نكب، وكان زبدة تلك الحلبة، ودرّة تلك الجلبة، وأسرع الكل اقتباسا [ص 217] وأبرع نطقا لا يعرف احتباسا، ولهذا كان لا يعدل بأحد، ولا يعد معه من إذا خول النعمة جحد.
قال أبو الفرج: لما صار مخارق للرشيد كان يقف بين يديه ويغني وهو واقف، فغنى ذات يوم ابن جامع:«3» [البسيط]
كأن نيراننا في جنب قلعتهم
…
مصبغات على أرسان قصّار «1»
هوت هرقلة لما أن رأت عجبا
…
حمائما ترتمي بالنفط والنار «2»
فطرب الرشيد واستعاده عدة مرات، وهو شعر مدح به الرشيد في فتح هرقلة، فأقبل الرشيد على ابن جامع، وقال له: أحسنت أحسنت، فغمز مخارق إبراهيم الموصلي بعينيه وتقدمه إلى الخلاء «3» ، فلما جاء قال له: مالي اراك منكسرا، قال: أما ترى إقبال أمير المؤمنين على ابن جامع بسبب هذا الصوت، فقال له مخارق: قد والله أخذته، فقال: ويحك إنه الرشيد، وابن جامع من تعلم، ولا يمكن معارضته الا بما يزيد على غنائه، وإلا فهو الموت، فقال: دعني وخلاك ذم، وعرّفه أني أغني به، فإن أحسنت فإليك ينسب إحساني، وأن اسأت فعلي يعود اللوم، قال: صدقت وعاد إلى موضعه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، أراك معجبا بهذا الصوت فوق ما يستحقه ويستوجبه، قال: فلقد أحسن فيه ابن جامع ما شاء، قال: أو لابن جامع هو؟ قال: نعم هكذا ذكر، قال: فإن عبدك مخارقا يغنيه غناء أحسن من هذا وأطيب، فنظر إلى مخارق وقال: تغنيه؟
قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: هاته، فغناه وتحفظ فيه، فأتى بالعجائب، فطرب الرشيد حتى كاد يطير فرحا، وشرب، ثم أقبل على ابن جامع فقال: ويلك، ما هذا! فابتدأ يحلف له بالطلاق وكل محرجة أنه لم يسمع ذلك الصوت قط إلا
منه، ولا صنعه غيره، وأنها حيلة تمت عليه، فأقبل على إبراهيم، وقال: اصدقني بحياتي، فصدقه في قصة مخارق، قال: نعم يا مولاي، قال: اجلس إذا مع أصحابك، فقد تجاوزت مرتبة من يقوم، فأعتقه ووصله بثلاثة آلاف دينار وأقطعه [ضيعة] ومنزلا.
قال الحسين بن الضحاك: حدثني مخارق [ص 218] أن الرشيد قال يوما وهو مصطبح لجماعة من المغنين: من منكم يغني هذا الصوت «1» : [البسيط]
يا ربع سلمى لقد هيجت لي طربا
…
زدت الفؤاد على علاته وصبا
فقمت وقلت: أنا يا أمير المؤمنين، فقال: هاته، فغنيته فطرب وشرب وقال:
علي بهرثمة «2» ، فقلت في نفسي: ما يريد منه، فجاؤوا به فأدخل إليه وهو يجر سيفه، فقال: يا هرثمة، مخارق الشاري الذي قتلناه في ناحية الموصل، ما كانت كنيته؟ قال: أبو المهنا، قال: فانصرف، ثم أقبل علي بوجهه وقال: قد كنيتك أبا المهنا لإحسانك، وأمر له بمائة ألف درهم.
قال: كان الواثق يقول: أتريدون أن تعرفوا فضل مخارق على جميع أصحابه، انظروا إلى هؤلاء الغلمان الذين يقفون في السماط، فكانوا يتفقدونهم وهم وقوف وكلهم يستمع الغناء من المغنين جميعا وهو واقف مكانه ضابط لنفسه،
فإذا غنى مخارق خرجوا من صورهم، فتغيرت وجوههم وتحركت ارجلهم ومناكبهم، وظهرت أسباب الطرب فيهم، وازدحموا على الحبل الذي يقفون من ورائه.
قال: سمع إبراهيم الموصلي يوما مخارقا يغني وهو صغير، فقال له: نعم الفسيلة غرس إبليس منك في الأرض.
قال هارون بن محمد بن هشام: دعانا مخارق يوما فأطعمنا جزورية، وجلسنا نشرب، فإذا نحن بامرأة تصيح: يا أبا المهنا، الله الله في، حلف زوجي بالطلاق أن يسمع غناءك ويشرب عليه، قال: اذهبي فجيئي به، فجاء فجلس، فقال له:
ما حملك على ما صنعت، قال: يا سيدي، كنت سمعت صوتا من صنعتك فطربت عليه حتى استخفني الطرب، فحلفت أن أسمعه منك، ثقة بك، وكانت زوجته داية هارون بن مخارق، فقال له: ما الصوت؟ فقال: «1» [الكامل]
بكرت علي فهيجت وجدا
…
هوج الرياح وأذكرت نجدا
أتحن من شوق إذا ذكرت
…
نجد وأنت تركتها عمدا
[ص 219] فغناه إياه وسقاه رطلا وأمره بالانصراف، وقال له: احذر أن تعاود فانصرف، فلم يلبث أن جاءت المرأة وعاودت الصياح، وهي تقول: يا سيدي، قد عاود اليمين، الله الله فيّ وفي أولادي، فقال: هاتيه، فأحضرته، فقال لها: انصرفي أنت، فإن هذا كلما انصرف حلف وعاود، فدعيه يقيم عندنا اليوم، فتركته وانصرفت، فقال له مخارق: ما قصتك؟ قال: رجل طروب، وكنت سمعت صوتا من صنعتك فاستخفني الطرب حتى حلفت أن أسمعه منك،
قال: وما هو؟ قال: «1» [مجزوء الرمل]
ألف الظبي بعادي
…
ونفى عني رقادي
وعدا الهجر على الوص
…
ل بأسياف حداد
قال: فغناه إياه وسقاه رطلا، ثم قال: يا غلام، ائتني بمقارع، فجيء بها، فأمر بالرجل فبطح وضربه خمسين مقرعة وهو يستغيث ولا يكلمه، ثم قال له:
احلف بالطلاق أنك لا تذكرني أبدا، وإلا كان هذا دأبك إلى الليل، فحلف بالطلاق ثلاثا على ما أمره به، ثم أخرج، فجعلنا نضحك بقية يومنا من حمقه، وما أصاب الرجل.
قال: كان مخارق ممن إذا تنفس أطرب «2» من يسمع نفسه.
قال: خرج مخارق مع بعض إخوانه إلى بعض المتنزهات، فنظر إلى قوس مذهبة مع بعض من خرج معه، فسأله أن يهبها له، فضن المسئول [بها]، قال: وسنحت ظباء بالقرب منه فقال مخارق: أرأيت إن غنيت صوتا فعطفت به عليك خدود الظباء أتدفع لي هذه الأقواس؟ قال: نعم والله، فاندفع مخارق يغني:«3» [المجتث]
ماذا تقول الظباء
…
أفرقة ام لقاء
أم عهدها بسليمى
…
وفي البيان شفاء
مرت بنا سانحات
…
وقد بدا الإمساء
فما أحارت جوابا
…
وطال فيها العناء
قال: فعطفت الظباء راجعة إليه حتى وقفت بالقرب منه مستشرفة تنظر إليه، ومصغية تسمع صوته، فعجب من حضر من رجوعها ووقوفها، وناوله الرجل [ص 220] القوس فأخذها، وقطع الغناء فعاودت الظباء نفارها، ومضت راجعة إلى سننها.
قال بعض أصدقاء مخارق: ركبت معه مرة في طيّار «1» ليلا وهو سكران، فلما توسط دجلة اندفع بأعلى صوته، فما بقي أحد في الطيّار من ملاح أو غلام أو خادم إلا بكى من رقة صوته، ورأيت الشمع والسرج «2» من جانبي دجلة في صحون القصور والدور يتساعون «3» بين يدي أهلها يسمعون غناءه.
قال هبة الله بن إبراهيم بن المهدي: غنت شارية يوما بحضرة أبي صوتا، فأحد النظر إليها وقال لها أمسكي، فأمسكت، فقال: عرفت إلى أي شيء ذهبت، أردت أن تتشبهي بمخارق في تزايده.
[قالت: نعم يا سيدي قال: إياك ثم] إياك أن تعودي، فإن مخارقا خلقه الله وحده في طبعه وصوته ونفسه، يتصرف في ذلك أجمع حيث يحب، ولا يلحقه أحد، قد أراد غيرك أن يتشبه به في هذه الحال فهلك وافتضح ولم يلحقه، فلا أسمعنّك تتعرضين لهذا بعد هذا الوقت.
قال مخارق، ودعا أمير المؤمنين محمد الامين يوما، وقد اصطبح، فاقترح علي:[البسيط]
استقبلت ورق الريحان تقطفه
…
وعنبر الهند والوردية الجددا
ألست تعرفني في الحي جارية
…
ولم أخنك ولم ترفع إليّ يدا
فغنيته إياه، فطرب طربا شديدا، وشرب عليه ثلاثة أرطال، وأمر لي بألف دينار، وخلع علي جبة وشي كانت عليه مذهبة ودراعة «1» مثلها وعمامة مثلها، فما لبست ذلك وراه عليّ ندم، وكان كثيرا ما يفعل ذلك، فقال لبعض الخدم:
قل للطباخ يأتينا بمصلية «2» معقودة الساعة، فأتينا بها، فقال: كل معي، فامتنعت لما أعرفه من كراهيته، فحلف أن آكل معه، فحين أدخلت يدي في الغضارة «3» رفع يده وقال: أفّ نغصتها والله وقذرتها بإدخالك يدك معي فيها، ثم رفس القصعة رفسة فإذا هي في حجري وودكها «4» يسيل على الخلعة حتى نفذ إلى جلدي، فقمت مبادرا فنزعتها وبعثت بها إلى منزلي، وغيرت ثيابي، وأنا مغموم بها وهو [ص 221] يضحك، فلما رجعت إلى منزلي، جمعت كل صانع حاذق فجهدوا في إخراج ذلك الأثر منها فلم يخرج، ولم أنتفع بها حتى أحرقتها وأخذت ذهبها. وضرب الدهر ضربة، ثم دعاني أمير المؤمنين المأمون يوما، فدخلت عليه وهو جالس، وبين يديه مائدة عليها رغيفان ودجاجتان «5» ، فقال لي: تعال فكل، فامتنعت، فقال لي: تعال ويلك فساعدني، فجلست وأكلت معه حتى فرغ، ووضع النبيذ ودعا علويه فجلس، وقال: يا مخارق، أتغني:«6» [الطويل]
أقول التماس العذر لما ظلمتني
…
وحملتني ذنبا وما كنت مذنبا
هبيني امرأ إما بريئا ظلمته
…
وإما مسيئا قد أناب وأعتبا «1»
فقلت: نعم يا سيدي، قال: غنه، فغنيته، فعبس في وجهي وقال: قبحك الله، أهكذا يغنى هذا؟ ثم أقبل على علويه فقال: أتغنيه، قال: نعم سيدي، قال: غنه، فغناه، فو الله ما قاربني فيه، فقال: أحسنت والله، وشرب رطلا واستعاده ثلاثا، ثم شرب عليه ثلاثة أرطال، وأعطاه كل مرة يعيده عشرة آلاف درهم، ثم خذف «2» بإصبعه وقال: برق يمان، وكان إذا أراد قطع الشراب فعل ذلك، وقمنا فعلمت من أين أتيت.
ولما كان بعد أيام دعاني «3» فدخلت وهو جالس في ذلك الموضع يأكل، فقال لي: تعال يا مخارق، فقلت لا والله يا سيدي ما أقدر على ذلك، فقال:
تعال ويلك أتراني [بخيلا] على الطعام لا والله، ولكني أردت أن أؤدبك، أن السادة لا ينبغي لعبيدها ان تؤاكلها، أفهمت؟ قلت: نعم، قال: فتعال الآن وكل على الأمان، فقلت: إذا أكون أول من أضاع تأديبك أياه، واستحق العقوبة من قرب، فضحك حتى استغرق، وأمر لي بألف دينار، فمضيت إلى حجرتي المرسومة في الخدمة، وأتيت بطعام فأكلت، ووضع النبيذ، فدعاني ودعا علويه، فلما جلسنا قال: يا علي أتغني: «4» [البسيط]
الم تقولي نعم قالت أرى وهما
…
مني وهل يؤخذ الإنسان بالوهم