الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[ص 58] فقال الشيخ: حسن والله، أمثل هذا يترك؟ فيم يتشاهد الرجال؟
لا والله ولا كرامة للشيطان، ثم قام [وقام] الناس معه، وقال: الحمد لله الذي [لم] يفرق جماعتنا على إنكار حسن، ولا جحود فضيلة، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته يا جميلة.
ومن مشهور غناء جميلة صنعتها في بيتين لامرئ القيس وهما: «1» [الطويل]
ولمّا رأت أنّ الهجير يضرّها
…
وأنّ البياض في فرائصها دامي «2»
تيمّمت العين التي عند ضارج
…
يفيء عليها الظّلّ عرمضها طامي «3»
21- معبد
«4»
رأس الجماعة، وأساس الطرب، الذي لا يملّ أحد سماعه، وهو الذي ينشي السامع، وينسي حديث سواه خروق المسامع ويأتي بالبدائع، التي تضرب دونها أعناق الرجال المطامع، ويتفرد بالصنائع التي لم تقع على مثلها عين وما طهرتها بالمدامع، سمعت منه الأصوات وقرعت به اللهوات، وجاء بكل المراد، فلم يدع
غرضا «1» للغريض، ولا شهوة لشهوات أكرم به من معبد لم ير مثله من يمشي بنظره في الجامع كتاب أبي الفرج وطلب الزيادة وصعد الدرج، بل ولو زاد في شدّة الأسر وحلّق، حتى حام على النسر.
وما قصبات السبق إلا لمعبد «2»
قال أبو الفرج الاصفهاني، قال إسحاق: كان معبد يقول:
لقد صنعت ألحانا لا يقدر أن يغنيها شبعان، ولا يقدر سقّاء يحمل القربة على الترنّم بها حتى يقعد مستوفزا «3» ، ولا القاعد حتى يقوم.
قال إسحاق: قيل لمعبد كيف تصنع إذا أردت أن تصوغ الغناء؟ قال: أرتحل قعودي «4» ، وأوقّع بالقضيب على رحلي، وأترنّم عليه بالشعر حتى يتبين لي الصوت، فقال له: ما أبين هذا في غنائك!
قال ابن الكلبي: قدم ابن سريج والغريض المدينة يتعرضان لمعروف أهلها، فلما شارفاها تقدّما ثقلهما ليرتادا منزلا حتى إذا كانا بالمغسلة، وهي جبّانة على طرف المدينة يغسل فيها الثياب، إذا هما بغلام ملتحف بإزار، وطرفه على رأسه، وبيده حبالة يتصيّد بها الطير، وهو يغني هذا الصوت:«5» [البسيط]
القصر فالنّخل فالجمّاء بينهما
…
أشهى إلى القلب من أبواب جيرون
[ص 59] فإذا الغلام معبد، فلما سمعاه مالا إليه فاستعاداه منه، فسمعا شيئا لم يسمعا مثله قط، فأقبل أحدهما على الآخر فقال: هل سمعت مثل هذا قط؟
قال: لا والله، قال: فما رأيك؟ قال ابن سريج: هذا غناء غلام يتصيد الطير، فكيف بمن في الحومة؟ - يعني المدينة- أما أنا فثكلته والدته إن لم يرجع، فكرّا راجعين.
قال إسحاق: أخبرت عن معبد أنه قال «1» : بعث إليّ بعض أمراء مكة بالشخوص إليه، فشخصت، قال: فتقدمت غلامي في بعض الطريق واشتد عليّ الحر والعطش فانتهيت إلى خباء فيه غلام أسود، وإذا حباب «2» ماء قد بردت، فملت إليه، وقلت: يا هذا، اسقني من هذا الماء شربة، قال: لا، قلت: تأذن لي في أن أكنّ «3» ساعة؟ فأنخت ناقتي ولجأت إلى ظلها واستترت به، وقلت: لو أحدثت «4» لهذا الأمير شيئا أقدم [به] عليه، ولعلي أيضا إن حرّكت لساني أن يبتلّ حلقي بريقي فيخف عني بعض ما أجده من العطش، فترنمت بصوتي:«5» [البسيط]
القصر فالنّخل فالجمّاء بينهما
…
أشهى إلى القلب من أبواب جيرون
فلما سمعه الأسود، ما أشعر إلا وهو قد حملني حتى أدخلني خباءه، وقال:
بأبي أنت وأمي، هل لك في سويق السّلت «6» بهذا الماء البارد؟ قلت: قد
منعتني أقلّ من ذلك شربة ماء تجزئني «1» . قال: فسقاني حتى رويت وأقمت عنده إلى وقت الرواح، فلما رأيت الرحلة قال: بأبي أنت وأمي، الحر شديد ولا آمن عليك مثل هذا الذي أصابك، فتأذن لي في أن أحمل قربة من ماء على عاتقي وأسعى بها معك، فكلما عطشت سقيتك صحنا «2» وغنّيتني صوتا.
قال: قلت ذلك [لك]، قال: فأخذ قربة فملأها ماء باردا من ذلك الماء، وحملها على عاتقه، وركبت أنا راحلتي، فأقبل يسقيني شربة وأغنّيه صوتا حتى بلغت المنزل الذي أردت ولحقت بغلامي وثقلي «3» .
قال إسحاق: حدّثني سياط عن يونس الكاتب قال: كان معبد قد علّم جارية من جواري الحجاز الغناء تسمى (ظبية الوادي) وعني بتخريجها، فاشتراها رجل من أهل العراق، فأخرجها إلى البصرة، وباعها هناك، فاشتراها رجل من أهل الأهواز فأعجب بها، وذهبت به كل مذهب، وغلبت عليه، ثم مات، بعد أن أقامت عنده زمانا، فأخذ جواريه أكثر غنائها [عنها] وكان لمحبته [إيّاها] وأسفه عليها، لا يزال يسأل عن معبد وأين [ص 60] مستقره، ويظهر التعصب له والميل إليه، والتقديم لغنائه على سائر أغاني أهل عصره، إلى أن عرف ذلك منه، وبلغ معبدا خبره، فخرج إليه، فلما قدم البصرة، صادف الرجل قد خرج منها في ذلك اليوم إلى الأهواز، فلم يجد إلا سفينة الرجل، وليس يعرف أحدهما صاحبه، فأمر الرجل الملاح فأجلسه معه في مؤخرة السفينة، ففعل ذلك وانحدر، فلما صاروا في نهر الأبلّة «4» تغدوا وشربوا، وأمر جواريه فغنّين ومعبد ساكت، وهو [في]
ثياب السفر، وعليه فرو وخفّان غليظان، إلى أن غنّت إحدى جواريه صوت معبد في شعر النابغة:«1» [البسيط]
بانت سعاد وأمسى حبلها انصرما
…
واحتلّت الغور فالأجزاع من إضما «2»
ولم تجد أداءه، فصاح معبد: يا جارية، هذا ليس بمستقيم، فقال مولاها وقد غضب: وأنت ما يدريك الغناء ما هو؟ ألا تمسك وتلزم شأنك، فأمسك ثم غنّت صوتا من غناء غيره وهو ساكت لا يتكلم، حتى غنت صوتا اخر لمعبد في شعر عبد الرحمن بن أبي بكر:«3» [المديد]
يا بنة الجوديّ قلبي كئيب
…
مستهام عندها ما يثيب
فأخلّت ببعضه، فقال معبد: يا جارية، قد أخللت بهذا الصوت إخلالا بينا، فغضب الرجل وقال: ويلك ما أنت والغناء؟ ألا تكفّ عن الفضول؟ فأمسك، فغنّت إحداهن في شعر كثيّر، وقالت:«4» [الطويل]
خليلّي عوجا فابكيا ساعة معي
…
على الرّبع نقض حاجة ونودّع
فلم تصنع شيئا، فقال معبد: يا هذه ما تقومين «5» على أداء صوت واحد، فغضب الرجل وقال: أقسم بالله لئن عاودت لأخرجنّك من السفينة، فلما سكن
الجواري، اندفع معبد يغني الصوت الأول، فصاح الجواري: أحسنت والله يا رجل، فأعده، فقال: لا والله ولا كرامة، ثم غنّى الثاني فقلن لسيّدهنّ: هذا والله أحسن الناس غناء، فاسأله أن يعيد علينا ولو مرة واحدة، لعلنا نأخذ منه، فو الله إن فاتنا لم نجد مثله أبدا، فقال الرجل: قد أسلفناه مكروها، فاصبرن حتى نداويه، ثم غنّى الثالثة، فزلزلت عليهم الأرض، فوثب الرجل فقبل رأسه وقال: يا سيدي أخطأنا عليك، ولم نعرف موضعك، وسأله أن يختلط معه، وسأل: من أين أخذ جواريه الغناء، فأعلمه، فقال معبد: وإنك [ص 61] لأنت هو، فتعرفني؟ قال: لا والله، قال: أنا معبد، وإليك قدمت من الحجاز، والله لا قصرت في جواريك، فأكبّ «1» على يديه ورجليه، ثم خلع الرجل عليه عدة خلع، وأعطاه من وقته ثلاث مئة دينار وطيبا وهدايا، وانحدر معه إلى الأهواز، فأقام عنده حتى رضي حذق جواريه، وما أخذنه عنه، ثم ودّعه وانصرف إلى الحجاز.
قال: قال الوليد بن يزيد يوما: لقد اشتقت إلى معبد، فوجّه إليه البريد إلى المدينة، فأتي بمعبد وأمر به فجلس، والبركة بينهما مملوءة بالخمر والماء وستر مرخى، فقال: غنّني يا معبد، فقال:«2» [البسيط]
لهفي على فتية دان الزّمان بهم «3»
…
فما أصابهم إلا بما شاؤوا
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم
…
حتّى تفانوا وريب الدّهر عدّاء
أبكي فراقهم عيني فأرّقها
…
إنّ التّفرّق للأحباب بكّاء
فغنّاه إياها، فرفع الوليد السّتر، ونزع ملاءة مطيّبة كانت عليه، وقذف بنفسه
في البركة، فنهل فيها نهلة، ثم أتي بأثواب غيرها، وتلقوه بالمجامر والطيب، ثم قال: يا معبد، غنّني، فقال:«1» [مجزوء الكامل]
ولو انّ دون لقائها جبلا بمزلقة هضابه
لأتيتها إنّ المحبّ إذا نأى طال اكتئابه
ولو أنّ دون لقائها ضرغامة كالزّجّ نابه
لأتيتها بالسيف لا أخاف ولا أهابه
فغنّاه إياها، فرمى نفسه بالبركة، فنهل منها نهلة كان فيها النقصان، ثم أتي بأثواب غيرها، وتلقوه بالمجامر والطيب، ثم قال: غنّني يا معبد، فقلت:«2» [الكامل]
يا ربع مالك لا تجيب متيّما
…
قد عاج نحوك زائرا ومسلّما
جادتك كلّ سحابة هطّالة
…
حتّى ترى عن زهرة متبسّما
قال فدعا له بخمسة عشر ألف دينار، فصبّها بين يديه، ثم قال: انصرف إلى أهلك واكتم ما رأيت.
قال، قال يزيد بن عبد الملك يوما لمعبد: يا عباد، أريد أن أخبرك عن نفسي وعنك، فإن قلت فيه خلاف ما تعلم فلا تحاش أن تردّ عليّ، فقد [ص 62] أذنت لك، فقال: يا أمير المؤمنين، لقد وضعك ربك بموضع لا يعصيك إلا ضال ولا يرد عليك إلا مخطئ، فقال: إنّ الذي أجده في غنائك لا أجده في غناء ابن سريج، أجد في غنائك متانة وفي غنائه انخناثا «3» ولينا، فقال: والذي أكرم
أمير المؤمنين بخلافته وأرضاه لعباده، وجعله أمينا على أمة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ما عدا صفتي وصفة ابن سريج، وكذا يقول ابن سريج وأقول، ولكن إن رأى أمير المؤمنين أن يعلمني هل وضعني ذلك عنده فليفعل. قال: لا والله، ولكني أوثر الطّرب على كلّ شيء، قال: يا سيدي كلما كان ابن سريج يذهب إلى الخفيف من الغناء، أذهب أنا إلى الكامل التام، فأغرب أنا، ويشرق هو، فمتى نلتقي؟ قال:
أفتقدر أن تحكي رقيق ابن سريج؟ قال: نعم، فصنع لحنا في الخفيف:«1» [الهزج]
ألا لله أمّ و
…
لدت أخت بني سهم
هشام وأبو عبد
…
مناف مدره الخصم
وذو الرّمحين أشباك «2»
…
على القوّة والحزم
فهذان يذودان
…
وذا عن كثب يرمي
وغنّاه، فردّ عليه أولا، فأعاد ثم قال: أعد، فأعاد فاستخفّه، ثم قال لجواريه:
افعلن كما أفعل، وجعل يدور في الدار ويقول:«3» [مجزوء الرجز]
يا دار دوّريني
…
يا قوم أمسكوني «4»
آليت منذ حين
…
حقّا لتصرميني
إن لم تواصلوني «5»
…
بالله فارحميني
لم تذكري يميني