الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الله، تراني مع المغنين منذ ستين سنة [وتقول لي أحسنت؟]
قال إسحاق: أربعة بلغوا في الإحسان في أربعة أجناس مبلغا قصر عنهم غيرهم، معبد في الثقيل الأول، وابن سريج في الرمل، وحكم في الهزج، وإبراهيم في الماخوري «1» .
ويقال: إن حكم الوادي غنّى في الأهزاج في آخر عمره، فلامه ابنه على ذلك وقال:
بعد الكبر تغني غناء المخنثين، فقال له: اسكت فإنك جاهل، غنّيت الثقيل ستين سنة فلم أفد إلا القوت، وغنيت الأهزاج منذ سنتين فكسبت مالم تر مثله قط.
قال يحيى بن خالد: ما رأينا فيمن يأتينا من المغنين أجود أداء من حكم الوادي، وليس أحد يسمع منه غناء إلا وهو يغيره ويزيد فيه وينقص، إلا الحكم، فقيل لحكم ذلك، فقال: إني لست أشرب، وهؤلاء يشربون، فإذا شربوا تغيّر غناؤهم.
54- عمر الوادي
«2»
رجل نغمه بالطرب موصول، وإلى خلب الكبد له وصول، لو مرّ السيل المنحدر لوقف وأنصت، أو الطير في جو السماء لخرس وما صوّت، مع حسن
صنعة لا يدخل الخلل ضروبها، ولا يكون بلوغ الأمل ضريبها، ولا يتم سرور المجالس إلا إذا سمع منه في جنباتها، وطلع عوده المخضرّ الغضّ في جنباتها، فكان مجنى المحاضر، ومنى السامع والناظر.
قال أبو الفرج: اتصل بالوليد بن يزيد فتقدم عنده، وكان يسميه جامع لذاتي ومحيي طربي، وقتل الوليد وهو يغنيه، وكان آخر الناس عهدا به.
وقيل إن الوليد كان يوما جالسا وعنده عمر الوادي وأبو رقيّة، وكان ضعيف العقل [ص 143] وكان يملي المصحف على [أم] الوليد «1» ، فقال الوليد لعمر وقد غنّاه صوتا: أحسنت والله يا جامع لذاتي، وأبو رقية مضطجع، وهم يحسبونه نائما، فرفع رأسه إلى الوليد وقال له: وأنا جامع اللذات لأمك، فغضب الوليد وهمّ به، فقال له عمر الوادي: والله جعلني الله فداك ما يعقل أبو رقيّة وهو سكران، فأمسك عنه، قال عمر الوادي: بينا أنا أسير من العرج «2» والسّقيا، إذ سمعت إنسأنا يغني غناء لم أسمع قط أحسن منه، وهو هذا:«3» [الطويل] .
وكنت إذا ما جئت ليلى بأرضها
…
أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسها
…
إذا ما انقضت أحدوثة أن تعيدها
فكدت أسقط من ناقتي طربا، فقلت: والله لألتمسن الصوت والوصول إليه ولو بذهاب عضو من أعضائي، فقصدت نحو الصوت حتى ذهبت من الشرف «4» ، وإذا أنا برجل يرعى غنما، فإذا هو صاحب الصوت، فأعلمته الذي
أقصدني «1» إليه، وسألته إعادته عليّ، فقال: والله لو كان عندي قرى «2» لما فعلت، ولكني أجعله قراك، فربما ترنمت به وأنا جائع فأشبع، وكسلان فأنشط، ومتوحش فآنس، فأعاده عليّ مرارا حتى أخذته، فو الله ما كان لي كلام غيره حتى دخلت المدينة، ولقد وجدته كما قال.
قال عمر الوادي: خرج إليّ الوليد بن يزيد يوما، وفي يده خاتم فضة وعليه ياقوت أحمر، فقال لي: أتحب أن أهبه لك؟ قلت: نعم والله يا مولاي، فقال:
غن في هذه الأبيات التي أنشدكها، واجهد نفسك، فإن أصبت إرادتي فهنيئا لك، فقلت: أجهد وأرجو التوفيق، فقال:«3» [مجزوء الوافر]
ألا يسليك عن سلمى
…
قتير الشّيب والحلم
وأنّ الشّك ملتبس
…
فلا وصل ولا صرم
وكيف بظلم جارية
…
ومنها اللين والرّحم
فخلوت في بعض المجالس، وما زلت أديره حتى استقام، ثم خرجت إليه وعلى رأسه وصيفة وبيدها كأس، وهو يروم شربه فلا يقدر خمارا «4» ، فقال: ما صنعت؟
قلت: قد [ص 144] فرغت ممّا «5» أمرت به، وغنيته، فصاح: هذا والله، ووثب قائما، وأخذ الكأس وقال: أعد فديتك، فأعدته عليه، فشرب ودعا ثانيا وثالثا ورابعا، وهو على حاله يشرب قائما حتى كاد أن يسقط، وجلس ونزع الخاتم والحلة التي كانت عليه، وألبسنيها وأجلسني في حجره وقال: و [الله] العظيم لا تبرح هكذا حتى أسكر، وما زلت أعيده ويشرب حتى مال على جنبه سكرا ونام.