المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌25- أبو دلف العجلي» - مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - جـ ١٠

[ابن فضل الله العمري]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌وصف مخطوطة الكتاب:

- ‌الكتاب ومنهج مؤلفه:

- ‌منهج التحقيق:

- ‌[مقدمة المؤلف]

- ‌[تراجم اهل الموسيقى]

- ‌1- ابن محرز

- ‌2- ابن عائشة

- ‌3- حنين الحيري

- ‌4- الغريض

- ‌5- طويس

- ‌6- يزيد حوراء

- ‌7- عبد الرّحمن الدّفّاف

- ‌8- ابن مسجح

- ‌9- عطرّد

- ‌10- الأبجر

- ‌11- فريدة

- ‌12- الدّلال

- ‌13- أبو سعيد مولى فائد

- ‌14- فليح بن أبي العوراء

- ‌15- الهذلي

- ‌16- مالك بن [أبي] السّمح

- ‌17- دحمان الأشقر

- ‌18- سياط

- ‌19- ابن جامع

- ‌20- جميلة

- ‌21- معبد

- ‌22- ابن سريج

- ‌23- أبو كامل

- ‌24- إسماعيل بن الهربذ

- ‌25- أبو دلف العجلي»

- ‌26- البردان

- ‌27- سائب خاثر

- ‌29- متيّم الهشاميّة

- ‌30- سلّامة القسّ

- ‌31- عبيد الله بن عبد الله بن طاهر

- ‌32- محمّد بن الحارث بن بسخنّر

- ‌33- عبد الله بن طاهر

- ‌34- معبد اليقطيني

- ‌35- محمد الزّف

- ‌36- عثعث

- ‌37- بصبص جارية ابن نفيس

- ‌38- الزّرقاء جارية ابن رامين

- ‌39- حبّابة جارية يزيد بن عبد الملك

- ‌41- هاشم بن سليمان

- ‌42- عمرو بانة

- ‌43- وجه القرعة

- ‌44- شارية

- ‌45- خليدة المكيّة

- ‌46- عمرو الميداني

- ‌47- أشعب الطّامع

- ‌48- يونس الكاتب

- ‌49- أحمد النّصبيّ

- ‌50- سليم

- ‌52- يحيى المكّي

- ‌53- حكم الوادي

- ‌54- عمر الوادي

- ‌55- أحمد بن يحيى المكّي

- ‌56- بذل

- ‌57- عزّة الميلاء

- ‌58- فند مولى عائشة

- ‌59- دنانير البرمكيّة

- ‌60- الزّبير بن دحمان

- ‌61- ومنهم- عبد الله بن العبّاس

- ‌62- أبو صدقة

- ‌63- عمرو بن أبي الكنّات

- ‌64- خليلان المعلّم

- ‌65- عبيدة الطّنبوريّة

- ‌66- أبو حشيشة

- ‌67- إسحاق الموصلي

- ‌69- عليّة بنت المهدي

- ‌70- ومنهم- أبو عيسى

- ‌71- علّويه

- ‌72- ومنهم- مخارق

- ‌73- عريب جارية المأمون

- ‌74- إبراهيم الموصلي

- ‌75- أبو زكّار

- ‌76- ومنهم دليل الطّنبوري

- ‌77- عليّ بن يحيى المنجّم

- ‌78- ومنهم- زرفل بن إخليج [ص 255]

- ‌79- ومنهم- إسرائيل العوّاد

- ‌80- ومنهم، طريف بن معلّى الهاشمي

- ‌81- ومنهم، تحفة جارية المعتز

- ‌82- ومنهم- إسحاق المنجّم

- ‌83- ومنهم- ابن العلّاف نديم المعتضد

- ‌84- ومنهم- مؤدّب الرّاضي

- ‌85- ومنهم- أبو سعد بن بشر

- ‌86- ومنهم- مسكين بن صدقة

- ‌87- ومنهم- بديع بن محسن

- ‌89- ومنهم- معمر بن قطامي

- ‌90- ومنهم- تحفة جارية أبي محمّد [ص 269]

- ‌91- تحفة؟؟؟ جارية أبي يعقوب

- ‌92- ومنهم- أبو العزّ العوّاد

- ‌93- ومنهم- عين الزّمان أبو القاسم

- ‌94- ومنهم- أبو العبيس بن حمدون

- ‌95- ومنهم- جيداء جارية سيف الدّولة

- ‌96- ومنهم- القاسم بن زرزر

- ‌97- ومنهم- عليّ بن منصور الهاشميّ

- ‌98- ومنهم- كردم بن معبد

- ‌99- ومنهم- أحمد بن أسامة النّصبيّ

- ‌100- ومنهم- وشيحة

- ‌101- ومنهم- إسرائيل اليهوديّ

- ‌102- ومنهم- يحيى جارية أبي محمّد المهلّبي

- ‌103- ومنهم- عنان جارية النّطافيّ

- ‌104- دنانير جارية محمّد بن كناسة

- ‌105- ومنهم، فضل اليماميّة

- ‌106- ومنهم- تيماء جارية خزيمة بن خازم

- ‌108- ومنهم- فنون جارية يحيى بن معاذ

- ‌109- ومنهم- صرف جارية أمّ حصين

- ‌110- ومنهم- نسيم جارية أحمد بن يوسف الكاتب

- ‌111- ومنهم- عارم جارية وليهدة النخاس

- ‌112- ومنهم- سلمى اليماميّة

- ‌113- ومنهم- مراد جارية عليّ بن هشام

- ‌114- ومنهم- متيّم الهشاميّة

- ‌115- سمراء وهيلانة

- ‌116- ومنهم- ظلوم جارية محمّد بن مسلم

- ‌118- ومنهم- ريّا وظمياء

- ‌119- ومنهم- بنان جارية المتوكّل

- ‌120- ومنهم- ريّا جارية إسحاق [الموصلي]

- ‌121- ومنهم- محبوبة جارية المتوكّل

- ‌122- ومنهم- أمل جارية قرين النّخّاس

- ‌123- ومنهم- رابعة جارية إسحاق بن إبراهيم الموصليّ

- ‌124- ومنهم- قاسم جارية ابن طرخان

- ‌125- ومنهم- مها جارية عريب

- ‌127- ومنهم- مثل جارية إبراهيم بن المدبّر

- ‌128- ومنهم-[نبت جارية مخفرانة]

- ‌129- ومنهم- صاحب جارية ابن طرخان النخاس

- ‌130-[ومنهم جلّنار جارية أخت راشد بن إسحاق الكوفي الكاتب]

- ‌131- ومنهم- خنساء البرمكيّة

- ‌132-[ومنهم خزامى جارية الضبط المغني]

- ‌133- ومنهم- صدقة بن محمّد

- ‌134- ومنهم- الحسين بن الحسن

- ‌135- ومنهم-[ياقوت المستعصميّ]

- ‌136- عبد المؤمن بن يوسف

- ‌137- ومنهم- لحاظ المغنّية

- ‌138- ومنهم- الثّوني

- ‌139- ومنهم- الخروف

- ‌140- ومنهم- محمّد بن غرّة

- ‌141- ومنهم- القاضي محمّد العوّاد

- ‌142- ومنهم- الدّهمان محمّد بن عليّ بن عمر المازني

- ‌143- ومنهم- الكمال التّوريزي

- ‌144- ومنهم- محمّد بن الكسب

- ‌145- ومنهم- الكتيلة

- ‌146- ومنهم- خالد

- ‌147- ومنهم- السّهروردي شمس الدّين

- ‌148- ومنهم- الشّمس الكرمي

- ‌149- ومنهم- يحيى الغريب الواسطيّ المشيب

- ‌150- ومنهم- حسن التاي

- ‌151- ومنهم- السّيلكو

- ‌152- ومنهم- البدر الأربلي

- ‌153- ومنهم- التّاج بن الكنديّ

- ‌154- ومنهم- خواجا أبو بكر النّوروزي

- ‌155- ومنهم- علاء الدّين دهن الحصا

- ‌156- ومنهم- نظام الدّين يحيى بن الحكيم

- ‌157- ومنهم- كمال الدّين محمّد بن البرهان الصّوفي

- ‌158- ومنهم- حسين بن عليّ المطريّ العزاويّ

- ‌159- ومنهم- عزيز جارية الحكم بن هشام

- ‌160- ومنهم- عزيز جارية الحكم بن هشام

- ‌161- ومنهم- بهجة جارية الحكم

- ‌162- ومنهم- مهجة جارية الحكم

- ‌163- ومنهم- فاتن جارية الحكم

- ‌164- فاتك جارية الحكم بن هشام

- ‌165- ومنهم- أفلح الرّباني

- ‌166- ومنهم- رغد جارية المغيرة بن الحكم

- ‌167- ومنهم- سليم مولى المغيرة بن الحكم

- ‌168- ومنهم- وضيح بن عبد الأعلى

- ‌169- ومنهم- ابن سعيد كامل

- ‌170- ومنهم- حصن بن عبد بن زياد

- ‌171- ومنهم- ساعدة بن بريم

- ‌172- ومنهم- سعد المجدّع

- ‌173- رداح جارية عبد الرّحمن [ص 394]

- ‌174- ومنهم- خليد مولى الأدارسة

- ‌175- ومنهم- سعدى جارية المعتمد بن عبّاد

- ‌176- ومنهم- ميمون الجوهريّ [أو الجهوريّ]

- ‌177- ومنهم- طريف بن عبد الله السّميع القابسيّ

- ‌178- ومنهم- زيد الغناء بن المعلّى

- ‌179- ومنهم- جارية تميم

- ‌181- ومنهم- أبو عبد الله اللالجي

- ‌182- ومنهم- ناطقة جارية الزّاعوني

- ‌183- ومنهم- بديع جارية المحلميّ

- ‌184- ومنهم- صافية جارية بدر أمير الجيوش

- ‌185- ومنهم- عيناء جارية بدر أمير الجيوش

- ‌186- ومنهم- مغنّي الصّالح بن رزّيك

- ‌187- ومنهم- سرور جارية العزيز

- ‌188- ومنهم- فنون العادليّة

- ‌189- ومنهم- عجيبة مغنّية الكامل

- ‌190- ومنهم- الكركيّة

- ‌191- ومنهم- الزّركشي أبو عبد الله

- ‌192- ومنهم- ابن كرّ أبو عبد الله

- ‌ملحق بالمصطلحات الموسيقية

- ‌مصطلحات الموسيقا العربية القديمة

- ‌أوتار العود وما يتعلق بها:

- ‌أسماء النوتات العربية وما يقابلها في النوتات العالمية التي استعملها اللاذقي في كتاب الرسالة الفتحية

- ‌الدوائر النغمية المشهورة ولكل دائرة لها نغماتها المعروفة لدى الموسيقيين وهي اثنتا عشرة دائرة هي:

- ‌ويتفرع من الأواز ستة أنغام:

- ‌المقامات وصلتها بالأبراج وتأثيراتها:

- ‌الإيقاعات الموسيقية القديمة وعددها اثنا عشر وهي:

- ‌الإيقاعات عند المتأخرين وعددها عشرون إيقاعا وهي:

- ‌أسماء المقامات وما يتصل بها ومعانيها باللغة الفارسية:

- ‌المصادر والمراجع:

- ‌مصادر التحقيق

- ‌فهرس الموضوعات

الفصل: ‌25- أبو دلف العجلي»

وفينا شادن أحو

ر من حور اليعافير

‌25- أبو دلف العجلي»

القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير العجلي، أحد قواد المأمون ثم المعتصم من بعده، ضرب الهام بسيوفه حتى زواها، والجيوش بصفوفه حتى سوّاها، وعاطى الأعداء كؤوس الدماء، وعاقر الأمور البعيدة للإدناء، فاستقلّ ملكا مهابا «2» ، وفلكا كم أطلع شهابا، وسحّ سحابه وهطل، وصحّ أنّ اسم من يقدمه بطل، فأصبحت به تضرب المثل «3» ، وتركب السّبل، فدعته ألسنة الآمال، وبايعته نفائس الآجال وملئت ساحته بالركائب، وملأت سماحته بالرغائب، وكان يطعن الطعنة النجلاء، ويرشق السهم بنظر النظرة الكحلاء، ويقتاد الحصان يزل اللّبد عن صهواته، ويشتكي ساقط الرمح بعد مهواته، سكن الجبال، وسكب على الكفار الوبال، وسكت «4» وكلت عنه النبال، ورعت الخلفاء منه نصيحا، ودعت منه فصيحا، واستنبطت «5» لأدوائها منه مسيحا، وأعدت لأعدائها منه مشيحا، وكان بسقام الخلافة طبنا «6» خبيرا، وبالانتقام لها مبيدا مبيرا، وهو مع هذه الصرامة التي تتأكّل منها النار، والشهامة التي يتفتح بها

ص: 149

شجر الغناء بالجلنار، أرق من النسيم شمائل، وأرق من الغيد بوصف البانة المتمايل، يوفي كل مقام حقه، وكل مقال صدقه، ويضحى به البوس، ويضحك الزمان العبوس، حضر مع مواليه للمنادمة، وقد بذل [ص 76] لهم لبلوغ المنى دمه، وكان يغنّي له بالأصوات، ويعنى في كل شعر له موات. وكان قوي القريحة، فما لا يدرك مهلة، ولا يظن البحار إلا نهله.

قال أبو الفرج: وكان أحمد بن أبي دواد «1» ، ينكر أمر الغناء إنكارا شديدا، فأعلمه المعتصم أن صديقه أبا دلف يغني، فقال: ما أراه مع عقله يفعل ذلك، فستر المعتصم أحمد بن أبي دواد [في موضع وأحضر أبا دلف، وأمره أن يغني، ففعل ذلك وأطال، ثم خرج أحمد بن أبي دواد]«2» عليه من موضعه، والكراهة ظاهرة في وجهه، فلما رآه قال أحمد: سوءة لهذا من فعل، أبعد الستين وهذا المحل تضع نفسك بما أرى؟ فخجل أبو دلف وتشوّر «3» وقال: إنهم أكرهوني على الغناء، [فقال: هبهم أكرهوك على الغناء] «4» أفأكرهوك على الإحسان فيه؟

قال أحمد بن عبيد الله: كنّا عند المبرّد يوما، وعنده فتى من ولد أبي البختري وهو ابن أبي وهب بن عمار القاضي له جمال ظاهر، وفتى من ولد أبي دلف العجلي شبيه به في الجمال، فقال المبرّد لابن أبي البختري: أعرف لجدك قصة من

ص: 150

الكرم حسنة لم يسبق إليها، قال: وما هي؟ قال: دعي رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع، فسقي نبيذا غير الذي يشربونه، فقال فيهم:[المتقارب]

نبيذان في مجلس واحد

لإيثار مثر على مقتر

فلو كان فعلك ذا في الطّعام

لزمت قياسك في المسكر «1»

ولو كنت تطلب شأو الكرام

فعلت كفعل أبي البختري

تتبّع إخوانه في البلاد

فأغنى المقلّ عن المكثر

فبلغت الأبيات أبا البختري، فبعث إليه ثلاث مئة دينار، قال ابن عمار:

فقلت له: قد فعل جدّ هذا الفتى في هذا المعنى أحسن من هذا، قال: وما فعل؟

قال: بلغه أن رجلا افتقر بعد ثروة، فقالت له امرأته: افترض في الجند، فقال:«2» [البسيط]

إليك عنّي فقد كلفّتني شططا

حمل السّلاح وقيل الدار عين قف

تمشي المنايا إلى قوم فأكرهها

فكيف أمشي إليها عاري الكتف

حسبت أنّ نفاد المال غيّرني

وأنّ روحي في جنبي أبي دلف

فبلغت الأبيات أبا دلف، فأحضره وقال: كم أملت أن تعيش؟ [قال:] عشرون سنة، قال:[ص 77] فأمر بإعطائه ألف دينار، قال: فرأيت وجه ابن أبي دلف يتهلل، وانكسر ابن أبي البختري انكسارا شديدا.

في شعر أبي دلف «3» وله فيه صنعة قوله: «4» [الوافر]

ص: 151

بنفسي يا جنان وأنت منّي

مكان الروح في جسد الجبان «1»

ولو أنّي أقول مكان نفسي

خشيت عليك بادرة الزّمان

لإقدامي إذا ما الخيل خامت «2»

وهاب كماتها حرّ الطّعان

حدّث المبرّد قال: دخل عليّ بن جبلة الشاعر على أبي دلف فأنشده

قصيدته التي يقول فيها: «3» [المديد]

إنّما الدّنيا أبو دلف

بين باديه ومحتضره

فإذا ولّى أبو دلف

ولّت الدّنيا على أثره

يا دواء الأرض إن فسدت

ومجير اليسر من عسره «4»

لست أدري ما أقول له

غير أن الأرض في خفره

كلّ من في الأرض من عرب

بين باديه إلى حضره

مستعير منك مكرمة

يكتسيها يوم مفتخره

فاستحسنها القوم وقالوا: أيها الأمير ما هذه من قبله، وما هي إلا من نجر «5» رقيق الطبع، فقال له أبو دلف: ألا تسمع ما يقولون؟ قال: بلى أصلح الله الأمير، قال: والذي يصدقك، قال: أن أعطى صدورا فأردفها بأعجاز، فضحك أبو دلف

ص: 152

وقال: أنصفت وبالغت، ثم تناول أبو دلف القلم والبياض وكتب:«1» [الرجز]

ريعت لمنشور على مفرقه

ذمّ لها عهد الصّبا حين انتسب

أهدام شيب جدد في رأسه

مكروهة الجدّة أنضاد العقب

ثم تناوله ذلك وقال: ابن لي عليه أبياتا، وقد أجّلتك فيه حولا، فقال: أيها الأمير، تأمر فيفرغ لي بيت حتى يكون أجلى للشك، فأمر أبو دلف أن يخلى له بيت، ثم ركب أبو دلف إلى المأمون وخرج معه متصيدا، فرجع آخر النهار، فلما نزل، لم ينزع سواده قال: ليت شعري ما خبر عليّ بن جبلة الشاعر؟ قال: أيها الأمير، إنه زعم أنه فرغ من عمل القصيدة، فقال:[ص 78] ويحكم أخرجوه إليّ، فأخرج.

فقال أبو دلف: هيه يا عليّ، ما عملت؟ قال: قد فرغت، قال: هات ويحك، بيّض وجهي عند من زعم أنك لست بشاعر، فأنشأ يقول:«2» [الرجز]

أشرقن في أسود أزرين به

كان دجاه لهوى البيض سبب «3»

فاعتقن أيام الغواني والصّبا

عن ميّت مطلبه حبّ الأدب «4»

لم يرتدع مرعويا حين ارعوى

لكن يد لم تتّسع لمطّلب

لم أر كالشّيب وقارا يجتوى

أو كالشباب الغض ظلا يستلب «5»

كان الشباب لمة ازهى بها

وصاحبا غمرا عزيز المصطحب

إذ أنا أجري ددنا في غيّه

لا أعتب الدّهر إذا الدهر عتب «6»

ص: 153

أبعد شأو اللهو عن أخذنا

وأقصد الخود وراء المحتجب «1»

وأذعر الرّبرب عن أبطاله

بأعوجيّ دلفيّ المنتسب «2»

مطّردا يرتجّ في أقطاره

كالماء جالت فيه ريح فاضطرب

تحسبه أقعد في استقباله

حتى إذا استدبرته قلت أكب «3»

فهو على إرهافه وضمره

يقصر عنه المحزمان واللّبب «4»

تقول فيه جنب إذا استوى

وهو كمتن القدح ما فيه جنب «5»

إذا تمنّينا به صدّقه

وإن تمنّى فوته العير كذب «6»

لم يبلغ الجهد به راكبه

ويبلغ الرمح به حيث طلب

ثم اقتضى ذاك كأن لم يعنه

وكلّ بقيا فإلى يوم العطب «7»

فحمّل الدّهر ابن عيسى قاسما

ينهض به أبلج فرّاج الكرب

كرونق السّيف انبلاجا بالنّدى

أو كغراريه على أهل الرّيب «8»

لا وسنت عين رأت رؤيته

فأيقظته نوبة من النّوب «9»

لولا ندى القاسم كنّا هملا

لم يعتقد مجد ولم يرع حسب

ص: 154

ولم يقم بيوم بأس وندى

ولا تلاقى حسب إلى حسب [ص 79]

تكاد تبدي الأرض ما تضمره

إذا تنادى خيله هلا وهب «1»

وتستهلّ أملا وخيفة

إذا استهلّ وجهه وإن قطب

وهو وإن كان ابن فرعي وائل

فبمساعيه ترقّى في الحسب

يا واحد الدّنيا ويا باب النّدى

ويا مجيب الرّعب في يوم رهب

لولاك ما كان سدى ولا ندى

ولا قريش عرفت ولا عرب «2»

خذها امتحانا من مليء بالثّنا

لكنّه غير مليء بالنّشب «3»

وقرّ بالأرض أو استنفر بها

أنت عليها الرأس والنّاس ذنب

فتهلل وجه أبي دلف سرورا به، وقال له: أحسنت لله أنت، ومثلك فليمدح الملوك، ثم أمر له بمائة ألف درهم، وخلعه سنية وفرس من مراكبه الخاصة، واعتذر إليه من التقصير.

وقدم أبو الشمقمق «4» على أبي دلف، فلما دخل عليه سلم، فرد عليه السلام، ثم قال: ليس يمنعني منك أبا الشمقمق ملوك هذه الدنيا، قال: وما ألزمتهم؟ قال:

تزعم أن كفّك عن الهجاء يقوم مقام المدح، وليس والله تأخذ مني صلة أو تمدحني، قال: قد مدحتك أيها الأمير، قال: هات، فأنشأ يقول:«5» [السريع]

ص: 155

من ملك الموت إلى قاسم

رسالة في بطن قرطاس

فقال أبو دلف ويلك، ما في بطن القرطاس؟ قال:

يا فارس الهيجاء يوم الوغى

مرني بمن شئت من النّاس

فقال أبو دلف: أحسنت والله، فأسألك الآن بالله، هل هجوتني؟ فقال: أيها الأمير، سألتني بعظيم، نعم قد هجوتك، قال: فأنشدني، قال: على أن تؤمنني، قال: أنت في أمان (الله) تعالى، فأنشده يقول:«1» [مجزوء الرمل]

قد بلوناك بالحرو

ب فلم تأت طائلا

وسألناك نائلا

فوجدناك سائلا

فقال أبو دلف: هجوتني قبل أن أستوجب الهجاء، فقال: أصلح الله الأمير، صيرته عدة، وهو ثوب نسجته ووضعته في تخت، فإن احتجت إليه نشرته وإلا كان مطويا [ص 80] فضحك أبو دلف وأمر له بعشرة آلاف درهم، وقال: دعه يكون مطويا.

وقال القاسم بن عيسى المعروف بأبي دلف: [الطويل]

وقالوا بلاد الشام أرض تقدست

فما بالنا في أرضنا لا نقدس

فلا شوقنا فان ولا الهم منقض

ولا هدأة تغشى العيون فتنعس

وقال أيضا: [الخفيف]

عاقني عن وداعك الأشغال

وأمور جرت عليّ ثقال

في بلاد يذل فيها عزيز الن

فس حتى تهينه الأنذال

حيث لا مدفع بسيف من الضي

م ولا للجياد فيها مجال

ص: 156

ومما ذكر أبو الفرج «1» : أن الأفشين «2» كان عرض لأبي دلف واعتل له باطنه، ذوى بدائه، وملئ بالعمل على إرادته، ولم يزل يغري به المعتصم ويرمي جانبه السليم منه بما يصم، حتى أسرّ إليه قتل أبي دلف، وأمر فيه بأمر يفضي به إلى التلف، فأخذه إليه وعفى على آثاره، وعمّى بصراء أخباره، فأتى الخبر ابن أبي دواد، وقد خيم الليل وطنب، وأسكت من أنب، ولم يبق باب إلا وقد أوثق بالرتاج، ولا أحد إلا وجفنه قد طعم النوم أو احتاج، فخاف إن أخّر إلى بكرة غده أن تفوت فيه الحيلة، وأن يودعه سر تلك الليلة الثقيلة، فدعا بجماعة من عدول الشهود، ونهض بهم إلى باب الأفشين حتى طرقه واستفتح غلقه، ثم دخل عليه هجما، وانقضّ شيطانه المريد في تلك الليلة رجما، وقال له: هؤلاء شهود أمير المؤمنين، وأنا قاضيه ورسوله إليك في أمر هو من وراء تقاضيه، وهو يأمرك بالإمهال في أمر «3» أبي دلف، وأنك لا تعجل عليه، ولا تمد يدك ببطش إليه، وها هو لديك حي يرزق وسالم الأعضاء، قادر على المضاء، وها أنا قد أبلغتك رسالة أمير المؤمنين، وهؤلاء يشهدون وفي بكرة غد لشهادتهم عند أمير المؤمنين يؤدون، وكان قد أحضر أبا دلف ليقتله في تلك الساعة والسيف مصلت قد أظمأه له وأجاعه ثم كرّ ابن أبي دواد راجعا، وترك الأفشين فاجعا، وكان ابن أبي دواد قد فعل هذه الأعجوبة، وأتى لإبقاء نفس ذلك «4» المسلم [ص 81] بهذه الأكذوبة، والمعتصم لم يخاطبه فيه ببنت شفة، ولا أراه من جنى نخلته له تمرة

ص: 157

ولا حشفة، فلم يكن له همّ إلا أن أنتظر آخر الليل، حتى طار غرابه، وجرد عن سيف النهار قرابه، وشرع الفجر ينفجر، والأفق بملاءة الصباح يعتجر، وبكر إلى دار الخلافة، والمعتصم قد انفتل عن المحراب، ولمح ابن أبي دواد فما استراب، فتقدم إليه، وقصّ عليه القصة، والمعتصم يسمع، وحدثه بما كادت له مقلته تدمع، وقال له: يا أمير المؤمنين، إني لم أجئك بتهمة في عمري سواها، ولا أتيت بمثلها ونفس وما سواها، ولو لم تكن إنقاذ وليّ من أوليائك وينجي بقاءه من حلوق أعدائك، لما فعلتها، ولا اجترأت على أمير المؤمنين وقلتها، فضحك أمير المؤمنين ضحك معجب بجميل صنعه، فعجل إلى عدم منعه، وقال له: قد أجزت ما قلت أيها القاضي وما فعلت، ثم بثّ رسله إلى الأفشين يأمره بإحضار أبي دلف، فما نشب أن أحضره، وسنّى إطلاقه، ثم لم يبرح ابن أبي دواد حتى أعاده إلى منزلته «1» ، وعاد الأفشين وأماته بعلته.

قال ابن خلكان: «2» كان أبو دلف كريما سريا جوادا ممدحا شجاعا مقداما، ذا وقائع مشهورة، وصنائع مأثورة، أخذ عنه الأدباء الفضلاء، وله صنعة في الغناء، وصنّف عدة كتب في (البزاة والصيد) و (السلاح) و (النزه) و (سياسة الملوك) وغير ذلك، ومدحه أبو تمام الطائي بأحسن المدائح، وفيه يقول بكر بن النطاح:«3» [الكامل]

يا طالبا للكيمياء وعلمه

مدح ابن عيسى الكيمياء الأعظم

ص: 158

لو لم يكن في الأرض إلا درهم

ومدحته لأتاك ذاك الدرهم

ويحكى أنه أعطاه على هذين البيتين سبعين «1» ألف درهم، فأغفله قليلا، ثم دخل عليه وقد [اشترى] بتلك الدراهم قرية في نهر الأبلّة، فأنشده:«2» [الطويل]

بك ابتّعت في نهر الأبلة قرية

عليها قصير بالرّخام مشيد

إلى جنبها أخت لها يعرضونها

وعندك مال للهبات عتيد

فقال له: وكم ثمن هذه الأخت؟ فقال: عشرة آلاف درهم، فدفعها له، ثم قال [ص 82] تعلم أن نهر الأبلّة عظيم وفيه قرى كثيرة، وكل أخت إلى جانبها أخرى، وإن فتحت هذا الباب اتسع الخرق، فاقنع بهذه ونصطلح عليها، فدعا له وانصرف.

وقد ألمّ أبو بكر محمد بن هاشم «3» أحد الخالديين بمعنى قول بكر بن النطاح «4» المذكور في البيتين الأولين، فقال:«5» [الكامل]

وتيقّن الشعراء أنّ رجاءهم

في مأمن بك من وقوع الياس

ما صحّ علم الكيمياء لغيرهم

فيمن عرفنا من جميع النّاس

ص: 159

تعطيهم الأموال في بدر إذا

حملوا الكلام إليك في قرطاس

وكان أبو دلف قد لحق أكرادا قطعوا الطريق في عمله، فطعن فارسا فأنفذت الطعنة إلى فارس آخر وراءه رديفه، فنفذ فيه السنان، فقتلهما، فقال في ذلك ابن النطاح:«1» [الكامل]

قالوا وينظم فارسين بطعنة

يوم الهياج ولا نراه كليلا

لا تعجبوا فلو أنّ طول قناته

ميل إذا نظم الفوارس ميلا «2»

وكان أبو عبد الله أحمد بن أبي فنن صالح مولى بني هاشم، أسود مشوه الخلق قصيرا، فقالت له امرأته: يا هذا، إن الأدب أراه قد سقط نجمه، وطاش سهمه، فاعمد إلى سيفك ورمحك وقوسك، وادخل مع الناس في غزواتهم، عسى الله أن ينفعك من الغنيمة بشيء، فأنشد يقول:«3» [البسيط]

مالي ومالك [قد] كلفتني شططا

حمل السلاح وقول الدّار عين قف

أمن رجال المنايا خلتني رجلا

أمسى وأصبح مشتاقا إلى التّلف

تمشي المنايا إلى غيري فأكرهها

فكيف أمشي إليها بارز الكتف

ظننت أنّ نزال القرن من خلقي

أو أنّ قلبي في جنبي أبي دلف «4»

فبلغ خبره أبا دلف فوجّه إليه ألف دينار. وكان أبو دلف لكثرة عطائه قد ركبته الديون، واشتهر ذلك عنه، فدخل عليه بعضهم، وأنشده:«5»

أيا ربّ المنائح والعطايا

ويا طلق المحيّا واليدين

ص: 160

[ص 83] لقد خبّرت أنّ عليك دينا

فزد في رقم دينك واقض ديني

فوصله وقضى دينه.

ودخل عليه بعض الشعراء وأنشده: «1» [البسيط]

الله أجرى من الأرزاق أكثرها

على يديك تعلّم يا أبا دلف

ما خطّ (لا) كاتباه في صحيفته

كما تخطط (لا) في سائر الصّحف

بارى الرياح فأعطى وهي جارية

حتّى إذا وقفت أعطى ولم يقف

وكان أبوه قد شرع في عمارة مدينة الكرج «2» وأتمها هو، وكان بها أهله وعشيرته وأولاده، وكان قد مدحه بها بعض الشعراء فلم يحصل له منه ما في نفسه، فانفصل عنه وهو يقول:«3» [الطويل]

دعيني أجوب الأرض في فلواتها

فما الكرج الدنيا ولا الناس قاسم

وهذا مثل قول بعضهم: «4» [البسيط]

فإن رجعتم إلى الإحسان فهو لكم

عبد كما كان مطواع ومذعان

وإن أبيتم فأرض الله واسعة

لا النّاس أنتم ولا الدنيا خراسان

ص: 161

ولما قدم أبو دلف من الكرج صنع الأمير علي بن عيسى بن ماهان مائدة، ودعاه إليها وكان قد احتفل بها غاية الاحتفال، فجاء بعض الشعراء ليدخل دار علي بن عيسى، فمنعه البواب، فتعرّض الشاعر لأبي دلف، وقد قصد دار علي بن عيسى، وبيده جزازة، فناوله إياها، فإذا فيها:«1» [مجزوء الخفيف]

قل له إنّ لقيته

متأن بلا وهج

جئت في ألف فارس

لغداء من الكرج

ما على النّاس بعدها

في الدناءات من حرج

فرجع أبو دلف، وحلف أنه لا يدخل الدار ولا يأكل منها شيئا. وقيل إن الشاعر هو عباد بن الحريش.

وقيل إن أبا دلف لما مرض مرض موته، حجب الناس عن الدخول إليه لثقل مرضه، فاتفق أنه أفاق في بعض الأيام فقال لحاجبه [ص 84] من بالباب من المحاويج؟ فقال: عشرة من الأشراف قد وصلوا من خراسان، ولهم بالباب عدة أيام لم يجدوا طريقا، فقعد على فراشه واستدعاهم، فلما دخلوا رحّب بهم وسألهم عن أحوالهم وبلادهم وسبب قدومهم، فقالوا: ضاقت بنا الأحوال وسمعنا بكرمك فقصدناك، فأمر خازنه بإحضار بعض الصناديق وأخرج منه عشرين كيسا في كل كيس ألف دينار، ودفع إلى كل واحد منهم كيسين، ثم أعطى كل واحد منهم مؤونة طريقه، وقال لهم: لا تمسوا الأكياس حتى تصلوا بها سالمة إلى بلادكم، واصرفوا هذا في مصالح الطريق، ثم قال: ليكتب كل واحد منهم خطه أنّه فلان بن فلان حتى ينتهي إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويذكر جدته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها، ثم يكتب: يا

ص: 162

رسول الله، إني وجدت إضاقة وسوء حال في بلدي، فقصدت أبا دلف العجلي، فأعطاني ألفي دينار، كرامة لك، وطلبا لمرشاتك، ورجاء لشفاعتك، فكتب كل واحد منهم ذلك، وتسلّم الأوراق، وأوصى من يتولى تجهيزه إذا مات أن يضع تلك الأوراق في كفنه، حتى يلقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعرضها عليه.

وحكي عنه أنه قال: من لم يكن مغاليا في التشيع فهو ولد زناء، فقال ولده دلف له: يا أبتي لست على مذهبك، فقال له أبوه: لما وطئت أمك وعلقت بك ما كنت قد استبرأتها، فهذا من ذلك، والله أعلم.

ومع هذا فقد حكى جماعة من أرباب التاريخ، أن دلف بن أبي دلف قال: رأيت في المنام آتيا أتاني، فقال: أجب الأمير، فقمت معه فأدخلني دارا وحشة وعرة سوداء الحيطان مغلقة «1» السقوف والأبواب، وأصعدني على درج منها، ثم أدخلني غرفة منها، في حيطانها أثر النيران، وإذا في أرضها أثر الرماد، وإذا بأبي وهو عريان واضع رأسه بين ركبتيه، فقال كالمستفهم: دلف؟ فقلت: دلف، فأنشأ يقول:«2» [الخفيف]

أبلغن أهلنا ولا تخف عنهم

ما لقينا في البرزخ الخنّاق

قد سئلنا عن كلّ ما [قد] فعلنا

فارحموا وحشتي وما قد ألاقي

ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم، فأنشد:«3» [ص 85][الوافر]

فلو كنّا إذا متنا تركنا

لكان الموت راحة كلّ حيّ

ولكنّا إذا متنا بعثنا

ونسأل بعده عن كلّ شيّ

ص: 163