الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مستلبثين وما كانت أناتهم
…
إلا كما لبث الضاحي عن الغادي
حتى إذا ذكت النيران بينهم
…
للحرب يوقدن لا يوقدن للزاد
نقريهم لهذميات يقدّ بها
…
ما كان خاط عليهم كلّ زراد «1»
أبلغ ربيعة أعلاها وأسفلها
…
إنا وقيسا تواعدنا لميعاد
فكان قومي ولم تغدر لهم ذمم
…
كصاحب الدين مستوف ومزداد
162- ومنهم- مهجة جارية الحكم
جارية تجلو القمر إذا غاب، ويحل ظبيها الكانس في غاب، تدني الرغاب، وتلهي بأشجان طربها السّغاب «2» ، هوى المتمني ورضى المختلي، لا يعدوها الاقتراح، ولا يعد لها حبيب وقت راح، إلى ذكاء وفطنة لا تقتدحها خواطر النساء، ولا يقترحها الفحول على الخنساء، لو مرّ بها ذو الرمّة لما كان سواها عليه ينفق، ولا وصف غيرها هانئ ينفق.
ولها أصوات منقولة مشهورة: «3» [ص 375][الطويل]
سأعرض عما أعرض الدهر دونه
…
وأشربها صرفا وإن لام لوّم
فإني رأيت الكأس يا سلم خلة
…
وفت لي ورأسي بالمشيب معمم
وصلت فلم تبخل علي بوصلها
…
وقد بخلت بالوصل تكنى وتكتم
ومن صارم اللذات إن خان بعضها
…
ليرغم دهرا ساءه فهو أرغم
والشعر لابن الرومي، والغناء فيه.
وكذلك صوتها وهو مما اقترح الحكم أن تغني فيه: «4» [الوافر]
ألا زارت وأهل منى هجود
…
وليت خيالها بمنى يعود
حصان لا المريب لها خدين
…
ولا تفشي الحديث ولا ترود
ونحسد أن نزوركم ونرضى
…
بدون البذل لو رضي الحسود
فلا بخل فيوئس منك بخل
…
ولا جود فينفع منك جود
شكونا ما علمت فما أويتم
…
وبا عدنا فما نفع الصدود
هوى بتهامة وهوى بنجد
…
فلبّتني التهائم والنجود
والشعر لجرير، والغناء فيه.
وحكي أن بعض جواريه سألته في الخروج إلى بعض متنزهات قرطبة «1» النائية، فأذن لها على كره منه لفراقها، ثم قال: والله لا تذهبين حتى أراك عندي الليلة كلها، ثم أحضر جواريه الغناء، وقضى معها ليلة متلألئة السناء، فلما صدح الصباح وفتح النهار بابا كان في الليل مرتجا، أزمعت الجارية على الخروج، وقد قدمت المراكيب، وجاء الصبح بموعده القريب، أخذ الحكم كالأفكل «2» وعلاه النحيب، ثم أنشد متمثلا، قول ذي الرمة:
أفي الدّار تبكي أن تحمّل أهلها
…
وأنت امرؤ قد حكّمتك العشائر
وجعل يردد هذا البيت، وقال لجواريه: أيّتكنّ سبقت إلى عمل لحن في هذا البيت وما يضمّ إليه، فلها حكمها، فابتدرت مهجة وغنّت، ثم سوّغها الحكم ما تمنّت، والصوت:«3» [الطويل]
أفي الدار تبكي أن تحمل أهلها
…
وأنت امرؤ قد حكمتك العشائر
فلا ضير أن تستعبر العين إنني
…
على ذاك إلا جولة الدمع صابر
وإن لامني ياميّ من دون صحبتي
…
لك الدهر من أحدوثة النفس ذاكر
وأن لا ينال الركب تهويم وقعة
…
من الليل إلا اعتادني منك زائر
والصوت من قصيدة من غرر ذي الرّمة. ومنها:
لقد نام عن ليلي لقيط وشاقني
…
من البرق علوي السناء مياسر
أرقت له والثلج بيني وبينه
…
وحومان حزوى فالحمول البواكر «1»
أجدّت بأغباش فأضحت كأنها
…
مواقر نخل أو طلوح نواضر «2»
وتحت العوالي والقنا مستظلة
…
ظباء أعارتها العيون الجآذر «3»
هي الأدم حاشا كل قرن ومعصم
…
وساق وما ليثت عليه المآزر
وغبراء يحمي دونها ما وراءها
…
ولا يختطيها الدهر إلا مخاطر
قطعت بخلقاء الدفوف كأنها
…
من الحقب ملساء العجيزة ضامر «4»
إذا القوم راحوا راح فيها تقاذف
…
إذا شربت ماء المطي الهواجر
وماء تجافى الغيث عنه فما به
…
سواء الحمام الحضّن الخضر حاضر
وردت وأرداف النجوم كأنها
…
وراء السماكين المها واليعافر «5»
على نضوة تهدي بركب تطوّحوا
…
على قلص أبصارهن غوائر
وحكي أن الحكم اقترح عليها أن تصنع صوتا في شعر أبي تمام.
وهذا هو: «1» [الطويل]
أنا ابن الذين استرضع المجد فيهم
…
وسمي فيهم وهو كهل ويافع
مضوا وكأن المكرمات لديهم
…
لكثرة ما وصّوا بهن شرائع
فأي يد في المجد مدت فلم تكن
…
لها راحة في مجدهم وأصابع
هم استودعوا المعروف محفوظ مالنا
…
فضاع وما ضاعت لدينا الصنائع
[ص 377] فصنعت في ثقيل الرمل فلم تقع في نفسه بموقع فقالت:
سأصوغ له لحنا غير هذا، فقال: هيهات قد تكدّر عليّ صفوه، ولكن انظري شيئا تصنعين فيه سواه، فصنعت في قول أبي تمام:«2» [الطويل]
جرى حاتم في حلبة منه لو جرى
…
بها القطر قال الناس أيهما القطر
فتى ذخر الدنيا أناس ولم يزل
…
لها باذلا فانظر لمن بقي الذخر
فمن شاء فليفخر بما كان من ندى
…
فليس لحي غيرنا ذلك الفخر
جمعنا العلى بالجود بعد افتراقها
…
إلينا كما الأيام يجمعها الشهر
فلما تغنّت به اهتز الحكم حتى كاد يخرج عن السرير، وقال لها: أحسنت والله وأجملت وزدت على ما في أمنية نفسي، وأمر لها بمائة دينار لكل بيت، فقامت بأربع مئة دينار.
وجمع الحكم يوما جواريه وأمرهن أن يغنين في شعر الفرزدق: «3» [الوافر]
وقالوا إن عرضت فأغن عنا
…
دموعا غير راقية السجام «4»
وكيف إذا رأيت ديار قوم
…
وجيران لنا كانوا كرام
أكفكف عبرة العينين مني
…
وما بعد المدامع من لمام
فعملن فيه أصواتا أخذن ألحانها، وأقمن أوزانها، وكانت مهجة أوقعهن على ما في نفسه، فقال لها: اقترحي حكمك، فقالت: أن لا يغنين إلا من أصواتي، فأمرهن بذلك، وأمرها بأن تلقي عليهن حتى حفظن ذلك عنها ثم غنينه ذلك اليوم بأصواتها، فأجزل صلتها ووصل سائرهن.
وهذا الصوت من قصيدة هجا الفرزدق فيها جريرا، ومدح هشام بن عبد الملك، فمنها في هجاء جرير:«1» [الوافر]
وبيض كالدمى قد بت أسري
…
بهن إلى الخلاء عن النيام
مشين إلي لم يطمثن قبلي
…
وهن أصح من بيض النعام
وبتن لدي فيه مصرعات
…
وبت أفض أغلاق الختام
[ص 378]
كأن مغالق الرّمان فيه
…
وجمر غضى قعدن عليه حام
ومنها في مدح هشام: «2»
يقول بنيّ هل لك من رحيل
…
لقوم منك غير ذوي سوام «3»
فينهض نهضة لبنيك فيها
…
غنى لهم من الملك الشآمي
أقول لناقتي لما ترامت
…
بنا بيد مسربلة القتام
أغيثي من وراءك من ربيع
…
أمامك مرسل بيدي هشام
يدي خير الذين بقوا وماتوا
…
إمام وابن أملاك عظام
إلام تلفّتين وأنت تحتي
…
وخير الناس كلهم أمامي
متى تردي الرصافة تستريحي
…
من التهجير والدبر الدوامي
ويلقى الرحل عنك وتستغيثي
…
بغيث الله والملك الهمام
وحبل الله حبلك من يذله
…
فما لعرى يديه من انفصام
يداك يد ربيع الناس فيها
…
وفي الأخرى الشهور من الحرام
وإن الناس لولا أنت كانوا
…
حصى خرز تبدّد من نظام
وليس الناس مجتمعين إلا
…
لخندف في المشورة والخصام
وبشرت السماء الأرض لما
…
تحدثتا بإقبال الإمام
إلى أهل العراق وإنما هم
…
بقايا مثل أشلاء الرمام
أتانا زائرا كانت علينا
…
زيارته من النعم الجسام
فجاء بسنّة العمرين فيها
…
شفاء للصدور من السقام
رآك الله أولى الناس طرا
…
بأعواد الخلافة والسلام
رأيت الظلم لما قام جذت
…
عراه بشفرتي ذكر حسام
إذا ما سار في أرض تراها
…
مظللة عليه من الغمام
وفي هذه القصيدة أبيات طائلة «1» في وصف الناقة والسير، وهي:«2»
تزف إذا العرى قلقت عليها
…
زفيف الهادجات من النعام «3»
[ص 379]
كأن أراقما علقت يداها
…
معلقة إلى عمد الرخام