المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌74- إبراهيم الموصلي - مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - جـ ١٠

[ابن فضل الله العمري]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌وصف مخطوطة الكتاب:

- ‌الكتاب ومنهج مؤلفه:

- ‌منهج التحقيق:

- ‌[مقدمة المؤلف]

- ‌[تراجم اهل الموسيقى]

- ‌1- ابن محرز

- ‌2- ابن عائشة

- ‌3- حنين الحيري

- ‌4- الغريض

- ‌5- طويس

- ‌6- يزيد حوراء

- ‌7- عبد الرّحمن الدّفّاف

- ‌8- ابن مسجح

- ‌9- عطرّد

- ‌10- الأبجر

- ‌11- فريدة

- ‌12- الدّلال

- ‌13- أبو سعيد مولى فائد

- ‌14- فليح بن أبي العوراء

- ‌15- الهذلي

- ‌16- مالك بن [أبي] السّمح

- ‌17- دحمان الأشقر

- ‌18- سياط

- ‌19- ابن جامع

- ‌20- جميلة

- ‌21- معبد

- ‌22- ابن سريج

- ‌23- أبو كامل

- ‌24- إسماعيل بن الهربذ

- ‌25- أبو دلف العجلي»

- ‌26- البردان

- ‌27- سائب خاثر

- ‌29- متيّم الهشاميّة

- ‌30- سلّامة القسّ

- ‌31- عبيد الله بن عبد الله بن طاهر

- ‌32- محمّد بن الحارث بن بسخنّر

- ‌33- عبد الله بن طاهر

- ‌34- معبد اليقطيني

- ‌35- محمد الزّف

- ‌36- عثعث

- ‌37- بصبص جارية ابن نفيس

- ‌38- الزّرقاء جارية ابن رامين

- ‌39- حبّابة جارية يزيد بن عبد الملك

- ‌41- هاشم بن سليمان

- ‌42- عمرو بانة

- ‌43- وجه القرعة

- ‌44- شارية

- ‌45- خليدة المكيّة

- ‌46- عمرو الميداني

- ‌47- أشعب الطّامع

- ‌48- يونس الكاتب

- ‌49- أحمد النّصبيّ

- ‌50- سليم

- ‌52- يحيى المكّي

- ‌53- حكم الوادي

- ‌54- عمر الوادي

- ‌55- أحمد بن يحيى المكّي

- ‌56- بذل

- ‌57- عزّة الميلاء

- ‌58- فند مولى عائشة

- ‌59- دنانير البرمكيّة

- ‌60- الزّبير بن دحمان

- ‌61- ومنهم- عبد الله بن العبّاس

- ‌62- أبو صدقة

- ‌63- عمرو بن أبي الكنّات

- ‌64- خليلان المعلّم

- ‌65- عبيدة الطّنبوريّة

- ‌66- أبو حشيشة

- ‌67- إسحاق الموصلي

- ‌69- عليّة بنت المهدي

- ‌70- ومنهم- أبو عيسى

- ‌71- علّويه

- ‌72- ومنهم- مخارق

- ‌73- عريب جارية المأمون

- ‌74- إبراهيم الموصلي

- ‌75- أبو زكّار

- ‌76- ومنهم دليل الطّنبوري

- ‌77- عليّ بن يحيى المنجّم

- ‌78- ومنهم- زرفل بن إخليج [ص 255]

- ‌79- ومنهم- إسرائيل العوّاد

- ‌80- ومنهم، طريف بن معلّى الهاشمي

- ‌81- ومنهم، تحفة جارية المعتز

- ‌82- ومنهم- إسحاق المنجّم

- ‌83- ومنهم- ابن العلّاف نديم المعتضد

- ‌84- ومنهم- مؤدّب الرّاضي

- ‌85- ومنهم- أبو سعد بن بشر

- ‌86- ومنهم- مسكين بن صدقة

- ‌87- ومنهم- بديع بن محسن

- ‌89- ومنهم- معمر بن قطامي

- ‌90- ومنهم- تحفة جارية أبي محمّد [ص 269]

- ‌91- تحفة؟؟؟ جارية أبي يعقوب

- ‌92- ومنهم- أبو العزّ العوّاد

- ‌93- ومنهم- عين الزّمان أبو القاسم

- ‌94- ومنهم- أبو العبيس بن حمدون

- ‌95- ومنهم- جيداء جارية سيف الدّولة

- ‌96- ومنهم- القاسم بن زرزر

- ‌97- ومنهم- عليّ بن منصور الهاشميّ

- ‌98- ومنهم- كردم بن معبد

- ‌99- ومنهم- أحمد بن أسامة النّصبيّ

- ‌100- ومنهم- وشيحة

- ‌101- ومنهم- إسرائيل اليهوديّ

- ‌102- ومنهم- يحيى جارية أبي محمّد المهلّبي

- ‌103- ومنهم- عنان جارية النّطافيّ

- ‌104- دنانير جارية محمّد بن كناسة

- ‌105- ومنهم، فضل اليماميّة

- ‌106- ومنهم- تيماء جارية خزيمة بن خازم

- ‌108- ومنهم- فنون جارية يحيى بن معاذ

- ‌109- ومنهم- صرف جارية أمّ حصين

- ‌110- ومنهم- نسيم جارية أحمد بن يوسف الكاتب

- ‌111- ومنهم- عارم جارية وليهدة النخاس

- ‌112- ومنهم- سلمى اليماميّة

- ‌113- ومنهم- مراد جارية عليّ بن هشام

- ‌114- ومنهم- متيّم الهشاميّة

- ‌115- سمراء وهيلانة

- ‌116- ومنهم- ظلوم جارية محمّد بن مسلم

- ‌118- ومنهم- ريّا وظمياء

- ‌119- ومنهم- بنان جارية المتوكّل

- ‌120- ومنهم- ريّا جارية إسحاق [الموصلي]

- ‌121- ومنهم- محبوبة جارية المتوكّل

- ‌122- ومنهم- أمل جارية قرين النّخّاس

- ‌123- ومنهم- رابعة جارية إسحاق بن إبراهيم الموصليّ

- ‌124- ومنهم- قاسم جارية ابن طرخان

- ‌125- ومنهم- مها جارية عريب

- ‌127- ومنهم- مثل جارية إبراهيم بن المدبّر

- ‌128- ومنهم-[نبت جارية مخفرانة]

- ‌129- ومنهم- صاحب جارية ابن طرخان النخاس

- ‌130-[ومنهم جلّنار جارية أخت راشد بن إسحاق الكوفي الكاتب]

- ‌131- ومنهم- خنساء البرمكيّة

- ‌132-[ومنهم خزامى جارية الضبط المغني]

- ‌133- ومنهم- صدقة بن محمّد

- ‌134- ومنهم- الحسين بن الحسن

- ‌135- ومنهم-[ياقوت المستعصميّ]

- ‌136- عبد المؤمن بن يوسف

- ‌137- ومنهم- لحاظ المغنّية

- ‌138- ومنهم- الثّوني

- ‌139- ومنهم- الخروف

- ‌140- ومنهم- محمّد بن غرّة

- ‌141- ومنهم- القاضي محمّد العوّاد

- ‌142- ومنهم- الدّهمان محمّد بن عليّ بن عمر المازني

- ‌143- ومنهم- الكمال التّوريزي

- ‌144- ومنهم- محمّد بن الكسب

- ‌145- ومنهم- الكتيلة

- ‌146- ومنهم- خالد

- ‌147- ومنهم- السّهروردي شمس الدّين

- ‌148- ومنهم- الشّمس الكرمي

- ‌149- ومنهم- يحيى الغريب الواسطيّ المشيب

- ‌150- ومنهم- حسن التاي

- ‌151- ومنهم- السّيلكو

- ‌152- ومنهم- البدر الأربلي

- ‌153- ومنهم- التّاج بن الكنديّ

- ‌154- ومنهم- خواجا أبو بكر النّوروزي

- ‌155- ومنهم- علاء الدّين دهن الحصا

- ‌156- ومنهم- نظام الدّين يحيى بن الحكيم

- ‌157- ومنهم- كمال الدّين محمّد بن البرهان الصّوفي

- ‌158- ومنهم- حسين بن عليّ المطريّ العزاويّ

- ‌159- ومنهم- عزيز جارية الحكم بن هشام

- ‌160- ومنهم- عزيز جارية الحكم بن هشام

- ‌161- ومنهم- بهجة جارية الحكم

- ‌162- ومنهم- مهجة جارية الحكم

- ‌163- ومنهم- فاتن جارية الحكم

- ‌164- فاتك جارية الحكم بن هشام

- ‌165- ومنهم- أفلح الرّباني

- ‌166- ومنهم- رغد جارية المغيرة بن الحكم

- ‌167- ومنهم- سليم مولى المغيرة بن الحكم

- ‌168- ومنهم- وضيح بن عبد الأعلى

- ‌169- ومنهم- ابن سعيد كامل

- ‌170- ومنهم- حصن بن عبد بن زياد

- ‌171- ومنهم- ساعدة بن بريم

- ‌172- ومنهم- سعد المجدّع

- ‌173- رداح جارية عبد الرّحمن [ص 394]

- ‌174- ومنهم- خليد مولى الأدارسة

- ‌175- ومنهم- سعدى جارية المعتمد بن عبّاد

- ‌176- ومنهم- ميمون الجوهريّ [أو الجهوريّ]

- ‌177- ومنهم- طريف بن عبد الله السّميع القابسيّ

- ‌178- ومنهم- زيد الغناء بن المعلّى

- ‌179- ومنهم- جارية تميم

- ‌181- ومنهم- أبو عبد الله اللالجي

- ‌182- ومنهم- ناطقة جارية الزّاعوني

- ‌183- ومنهم- بديع جارية المحلميّ

- ‌184- ومنهم- صافية جارية بدر أمير الجيوش

- ‌185- ومنهم- عيناء جارية بدر أمير الجيوش

- ‌186- ومنهم- مغنّي الصّالح بن رزّيك

- ‌187- ومنهم- سرور جارية العزيز

- ‌188- ومنهم- فنون العادليّة

- ‌189- ومنهم- عجيبة مغنّية الكامل

- ‌190- ومنهم- الكركيّة

- ‌191- ومنهم- الزّركشي أبو عبد الله

- ‌192- ومنهم- ابن كرّ أبو عبد الله

- ‌ملحق بالمصطلحات الموسيقية

- ‌مصطلحات الموسيقا العربية القديمة

- ‌أوتار العود وما يتعلق بها:

- ‌أسماء النوتات العربية وما يقابلها في النوتات العالمية التي استعملها اللاذقي في كتاب الرسالة الفتحية

- ‌الدوائر النغمية المشهورة ولكل دائرة لها نغماتها المعروفة لدى الموسيقيين وهي اثنتا عشرة دائرة هي:

- ‌ويتفرع من الأواز ستة أنغام:

- ‌المقامات وصلتها بالأبراج وتأثيراتها:

- ‌الإيقاعات الموسيقية القديمة وعددها اثنا عشر وهي:

- ‌الإيقاعات عند المتأخرين وعددها عشرون إيقاعا وهي:

- ‌أسماء المقامات وما يتصل بها ومعانيها باللغة الفارسية:

- ‌المصادر والمراجع:

- ‌مصادر التحقيق

- ‌فهرس الموضوعات

الفصل: ‌74- إبراهيم الموصلي

ابتداء أبدا إلا لمعنى، فعلمت أنها لم تبتدئ بهذا الصوت إلا لشيء أومئ إليها به، ولم يكن من شرط هذا المعنى إيماء إلا بقبلة، فعلمت أنها أجابت بطعنة.

قال: لما وقف المأمون على خبرها مع محمد بن حامد، أمر بالباسها جبة صوف وختم زيقها «1» وحبسها شهرا في كنيف «2» مظلم لا ترى الضوء، يدخل إليها خبز وملح وماء من تحت الباب، ثم ذكرها فرق لها، وامر باخراجها، فلما فتح الباب عنها وأخرجت، لم تتكلم بكلمة حتى اندفعت تغني:«3» [ص 228][الكامل]

حجبوه عن بصري فمثّل شخصه

في القلب فهو محجب ما يحجب

فبلغ المأمون ذلك، فعجب منه، وقال: لن تفلح هذه أبدا.

‌74- إبراهيم الموصلي

«4»

أصلح طرائق الغناء وسددها، وشيد شيز «5» العيدان وشددها، أغري بهذه

ص: 369

الصناعة حتى أتقنها، ودافع فيها الشك حتى تيقنها وولع بها والأيام «1» قد لقحت بسعادته، وحملت بحظه ساعة ولادته، حتى انتهت الليلة إلى فجرها «2» والحامل إلى شهرها، فما أجاءها المخاض حتى اغرق في السعادة، وما خاض [حتى] اتصل بالخلفاء، وحصل فوق الاكتفاء، وأثرى ثراء تضيق به الكنوز، وتضيع في معرفته الرموز، واقتنى الجواري اللاتي طلعن أقمارا، وسمعن وكان حديثهن أسمارا.

قال أبو الفرج، قال ابن المنجم: كان سبب قولهم «3» الموصلي أنه لما نشأ وبلغ صحب الفتيان واشتهى الغناء فطلبه، واشتد اخواله عليه في ذلك، وبلغوا منه، فهرب إلى الموصل فأقام بها نحوا من سنة، فلما رجع إلى الكوفة، قال له إخوانه من الفتيان: مرحبا بالفتى الموصلي، فمرت عليه.

قال: وأول خليفة غناه إبراهيم وسمع غناءه المهدي، وكان لا يشرب وأراد من إبراهيم ملازمته وترك الشرب، فأبى وكان يغيب عنه أياما فشرب عند موسى وهارون [فحبسه المهدي وقال]«4» لا تدخل على موسى وهارون البتة، فو الله لئن دخلت عليهما لأفعلن ولأصنعن، فقال: نعم، ثم بلغه أنه دخل عليهما وشرب معهما، وكانا مشهورين «5» بالنبيذ، فدعاه فضربه ثلاث مئة سوط، وقيده وحبسه، فأقام مدة ثم أخرجه وأحلفه بالطلاق والعتاق، وكل يمين لا فسحة له فيها، ألا يدخل على موسى وهارون أبدا، ولا يغنيهما، وخلى سبيله.

ص: 370

قال: فلما ولي موسى الهادي الخلافة، استتر إبراهيم منه، فكان منزله يكبس «1» في كل وقت، وأهله يروعون بطلبه، حتى أصابوه فمضوا به إليه، فلما عاينه قال: يا سيدي [فارقت] أم ولدي وأعز خلق الله علي، ثم غناه في شعره:«2» [الخفيف]

يا بن خير الملوك لا تتركني

غرضا للعدو يرمي حيالي

[ص 229] فلقد في هواك فارقت أهلي

ثم عرضت مهجتي للزوال

ولقد عفت في هواك حياتي

وتغربت بين أهلي ومالي

قال إسحاق: فموّله والله الهادي وخوله «3» ، وحسبك أنه أخذ منه في يوم واحد خمسين ألف دينار، ولو عاش لنا لبنينا حيطان دارنا بالذهب والفضة.

قال إسحاق: كان لأبي طعام معد أبدا في كل وقت، وذلك أنه كان له في كل يوم ثلاث شياه: واحدة مقطعة في القدور، وأخرى مسلوخة معلقة، وأخرى حية، فإذا أتاه قوم أطعموا ما في القدور، فإذا فرغ قطعت الشاة المعلقة ونصبت القدور وذبحت الحية فعلقت، وأتي بأخرى وهي حية في المطبخ، وكانت وظيفته [لطعامه] وطيبه في كل شهر ثلاثين ألف درهم سوى ما كان يجري وسوى كسوته، ولولا يقع عندنا من الجواري والودائع لإخوانه ثمانون جارية، ما فيهن واحدة الا ويجري عليها من الطعام والكسوة والطيب، ما يجري لأخص جواريه، فإذا ردت الواحدة إلى مولاها، أوصلها وكساها، ومات وما في ملكه أكثر من ثلاثة آلاف دينار، وعليه من الدين مئة ألف «4» دينار.

ص: 371

قال إسحاق: اشترى الرشيد من أبي جارية بستة وثلاثين ألف دينار، فأقامت عنده ليلة، ثم أرسل إلى الفضل بن الربيع يقول: إنما اشترينا هذه الجارية من إبراهيم ونحن نحسب أنها من بابتنا «1» ، فليس كما ظننا، وما قربتها، وقد ثقل علي الثمن، وبينك وبينه ما بيننا، فاذهب إليه وسله أن يحطنا من ثمنها ستة آلاف دينار، وقال: فصار إليه الفضل فاستأذن فخرج أبي إليه فتلقاه فقال: دعني من هذه الكرامة التي لا مؤونة فيها، لست ممن يحب ذلك، وقد جئتك في أمر أصدقك عنه، وخبره بالخبر كله، فقال له أبي إنما أراد أن يبلو قدرك عندي، قال:

ذاك أراد، قال: فما لي عليه في المساكين صدقة، إن لم اضعفه لك، قد حططتك اثني عشر ألف دينار، فرجع إليه الفضل بالخبر فقال له: ويلك، احمل إلى هذا ماله، فما رأيت سوقة قط أنبل منه نفسا. [ص 230]

قال إسحاق: وكنت قد قلت له: ما كان لحطيطة هذا المال معنى، فقال لي: يا أحمق، أنا أعرف الناس به، والله لو أخذت المال منه كاملا، ما أخذته إلا وهو كاره له، ولحقد ذلك علي، وكنت أكون عنده صغير القدر، وقد مننت عليه وعلى الفضل، فانبسطت نفسه، وعظم قدري عنده وإنما اشتريت الجارية بأربعين ألف درهم، وقد اخذت بها أربعة وعشرين ألف دينار، فلما حمل المال بلا حطيطة، دعاني فقال: كيف رأيت يا إسحاق، من البصير أنا أم أنت فقلت: بل أنت جعلني الله فداك.

قال إبراهيم بن المهدي: انصرفت ليلة من الشماسية «2» ، فمررت بدار إبراهيم

ص: 372

الموصلي، فإذا هو في روشن، «1» وقد صنع لحنه في:«2» [الطويل]

ألا رب ندمان علي دموعه

تفيض على الخدين سحا سجومها

فهو يعيده ويلعب فيه بنغمة ويكررها لتستوي له، وجواريه يضربن عليه، فوقفت تحت الروشن حتى أخذته، ثم انصرفت إلى منزلي، فما زلت أعدله حتى بلغت فيه الغاية القصوى، وأصبحت فغدوت إلى الشماسية، واجتمعنا عند الرشيد، فاندفع إبراهيم فغناه أول شيء غناه، فلما سمعه الرشيد طرب واستحسنه وشرب عليه، ثم قال: لمن هذا يا إبراهيم؟ فقال: لي يا سيدي صنعته البارحة، فقلت: كذب يا أمير المؤمنين، هذا الصوت قديم وأنا أغنيه، فقال: غنه يا حبيبي، فغنيته كما غناه إبراهيم، فبهت إبراهيم وغضب الرشيد وقال: يا ابن الفاجرة! أتكذبني وتدعي ما ليس لك؟ قال: فظل «3» إبراهيم بأسوإ حال، فلما صليت العصر، قلت للرشيد: الصوت وحياتك له، ولكنني مررت [به] البارحة وهو يردده وجوار يضربن عليه، فوقفت تحت روشنه حتى حفظته.

قال إسحاق، قال ابن جامع يوما لأبي: رأيت في منامي كأني وإياك راكبان في محمل، فسفلت حتى كدت تلصق بالأرض، وعلا الشق الذي أنا فيه، فلأعلونك في الغناء، قال أبي: الرؤيا حق والتأويل باطل [ص 231] إني وإياك كنا في ميزان فرجحت بي وشالت كفتك، وعلوت ولصقت أنا بالأرض، فلأبقين بعدك ولتموتن قبلي، قال إسحاق: فكان كما قال أبي، علا عليه «4» وأفاد من أكثر فوائده، ومات ابن جامع قبله، وعاش أبي بعده.

ص: 373

قال مخارق: اشتغل الرشيد يوما واصطبح مع الحرم، وقد أصبحت السماء مغيمة، فقلت والله لأذهبن إلى أستاذي إبراهيم فأعرف خبره، فجئت فدخلت عليه وهو في رواق له، وبين يديه قدور تغرغر «1» ، وقناني تزهر، والستارة منصوبة، والجواري خلفها، وبين يديه صينية فيها رطلية وكوز وكأس، فقلت:

ما بال الستارة لست أسمع من ورائها؟ فقال: اقعد ويحك، إني أصبحت على الذي ظننت، فأتاني خبر ضيعة تجاورني، قد والله طلبتها زمانا ومنيتها فلم أملكها، وقد أعطي بها مئة ألف درهم، فقلت: وما يمنعك منها؟ فو الله لقد أغناك الله أضعاف هذا المال وأكثر، قال: صدقت، ولست أطيب نفسا بأن أخرج هذا المال، قلت فمن يعطيك الساعة مئة ألف درهم، وما أطمع في ذلك من الرشيد فكيف بمن دونه، فقال: اجلس فخذ هذا الصوت، ثم نقر بقضيب معه على الدواة وألقى علي هذا الصوت:«2» [البسيط] .

نام الخليّون من هم ومن سقم

وبت من كثرة الأحزان في الم

يا طالب الجود والمعروف مجتهدا

اعمد ليحيى حليف الجود والكرم

قال: فأخذته فأحكمته، وقال لي امض الساعة إلى باب يحيى بن خالد، فإنك تجد الناس عليه، وتجد الباب قد فتح ولم يجلس بعد، فاستأذن عليه قبل أن يصل إليه أحد، فإنه سينكر مجيئك ويقول لك: من أين أقبلت في هذا الوقت؟

فحدثه بقصدك إياي وما ألقيت إليك من خبر الضيعة، وأعلمه أني صنعت هذا الصوت وأعجبني، ولم أر أحدا يستحقه إلا فلانة جاريته، وأني ألقيته عليك حتى أحكمته لتطرحه عليها، فسيدعو بها، ويأمر بالستارة فتنصب، ويقول لك

ص: 374

اطرحه علهيا بحضرتي فافعل، وأثني بما يكون بعدها من الخبر، قال: فجئت باب يحيى فوجدته كما وصف [ص 232] وسألني فأعلمته ما أحضرني به وأمرني به، فأحضر الجارية، فألقيته عليها، ثم قال لي: تقيم عندنا يا أبا المهنا «1» أو تنصرف، فقلت: أنصرف، فقال: يا غلام، احمل مع أبي المهنا عشرة آلاف درهم، واحمل إلى أبي إسحاق مئة ألف درهم ثمن هذه الصنعة، فحملت العشرة آلاف درهم معي، فأتيت منزلي، فقلت أسر يومي هذا، وأسر من عندي، ومضى الرسول بالمال، وأقمت ليلتي فلما أصبحت غدوت عليه، فوجدته على مثل ما كان عليه، فترنمت وطربت، فلم يتلق ذلك بما يجب، فقلت: ما الخبر؟

ألم يأتك المال؟ قال: بلى، قال: فما خبرك أنت فأخبرته بما وهب لي، فقال: ارفع السجف «2» ، فرفعته فإذا عشر بدر «3» ، قلت: في أي شيء بقي عليك في أمر الضيعة؟ فقال: والله ما هو إلا أن دخلت منزلي حتى شححت عليها، وصارت مثل ما حويت قديما، قلت: سبحان الله العظيم، فتصنع ماذا؟ [قال] : قم حتى ألقنك صوتا يفوق ذلك، فقمت فجلست بين يديه، فألقى عليّ:«4» [الطويل]

ويفرح بالمولود من آل برمك

بغاة الندى والسيف والرمح ذو النصل

وتنبسط الآمال فيه لفضله

ولا سيما إن كان من ولد الفضل

قال مخارق: فسمعت مالم أسمع مثله قط، وصغر عندي الأول، فأحكمته، وقال: امض الساعة إلى الفضل بن يحيى، فإنك تجده لم يأذن لأحد بعد، وهو

ص: 375

يريد الخلوة مع جواريه اليوم، فاستأذن عليه وحدثه بحديثنا الأول من أمس وما كان من أبيه إلينا وإليك، وأعلمه أني صنعت هذا الصوت، وكان عندي أرفع منزلة من الصوت الأول الذي وضعته، وإني ألقيته عليك حتى أحكمته، ووجهت بك قاصدا لتلقيه على فلانة جاريته، فصرت إلى الفضل فوجدت الأمر على ما ذكر، فاستأذنت فوصلت إليه، فسألني عن الخبر، فأعلمته بخبري وما وصل إلي وإليه من المال، فقال: أخزى الله إبراهيم ما أبخله على نفسه! ثم دعا خادما وقال له: اضرب الستارة، فضربها، فقال: ألقه، فألقيته، فلما ألقيته قال:

أحسن والله أستاذك، وأحسنت أنت يا مخارق، ولم أبرح حتى أخذته الجارية وأحكمته [ص 233] فسر بذلك وقال: يا غلام، احمل مع أبي المهنا عشرين ألف درهم، واحمل إلى إبراهيم مئتي ألف درهم، فانصرفت إلى منزلي بالمال فنثرت منه على الجواري، وشربت وسررت أنا ومن عندي، فلما أصبحت بكرت إلى إبراهيم فوجدته على الحال التي كان عليها، فدخلت أترنم وأصفق، فقال لي:

ادن، فقلت: ما بقي؟ فقال: اجلس وارفع سجف هذا الباب فإذا عشرون بدرة مع تلك العشر، فقلت: ما تنتظر الآن؟ فقال: والله ما هو إلا أن حصلت حتى جرى مجرى ما تقدم، فقلت: والله ما أظن أن أحدا نال في هذه الدولة ما نلته، فلم تبخل على نفسك بشيء تمنيته، دهرك، وقد ملكك الله أضعافه؟ ثم قال:

اجلس فخذ هذا الصوت، فألقى علي صوتا أنساني الأولين:«1» [الطويل]

أفي كل يوم أنت صب وليلة

إلى أم بكر لا تفيق فتقصر

أحب على الهجران أكناف بيتها

فيالك من بيت يحب ويهجر

إلى جعفر سارت بنا كل جسرة

طواها سراها نحوه والتهجر

إلى واسع للمجتدين فناؤه

تروح عطاياه عليهم وتبكر

ص: 376

قال مخارق: فسمعت مالم أسمع قط مثله حسنا، فردده علي حتى أخذته ثم قال: امض إلى جعفر فافعل به كما فعلت بأخيه وأبيه، فمضيت ففعلت مثل ذلك، وخبرته بما كان منهما، وعرضت عليه الصوت، فسره وامر خادما فضرب الستارة، وأحضر الجارية وقعد على كرسي، ثم قال: هات يا مخارق، فاندفعت وألقيت الصوت عليها حتى أخذته الجارية، فقال: أحسنت يا مخارق، وأحسن أستاذك، يا غلام، تحمل معه ثلاثين ألف درهم، وإلى الموصلي ثلاث مئة ألف درهم، فصرت إلى منزلي بالمال فأقمت ومن عندي مسرورين نشرب بقية يومنا ونطرب، ثم بكرت إلى إبراهيم فتلقاني قائما وقال لي: أحسنت يا مخارق، فقلت: وما الخبر؟ قال: اجلس، فجلست، فقال لمن خلف الستارة، خذوا فيما أنتم فيه، ثم رفع السجف فإذا المال كاملا، قلت: فما خبر الضيعة؟ فأدخل يده تحت مسورة «1» هي متكأه، فقال: هذا صك [ص 234] الضيعة، سئل عن صاحبها فوجد ببغداد فاشتراها منه يحيى بن خالد، وكتب إلي: قد علمت أنك لا تسخو نفسك بشراء الضيعة بمال يحصل لك ولو حيزت لك الدنيا كلها، وقد ابتعتها لك من مالي، ثم وجه إلي بصكها، وهذا المال كما ترى، ثم بكى وقال:

يا مخارق، إذا عاشرت فعاشر مثل هؤلاء، [هذه] ستمئة ألف درهم، وضيعة بمائة ألف درهم، وستون ألف درهم لك، حصلنا ذلك أجمع وأنا جالس في منزلي لم أبرح منه، متى يوجد مثل هؤلاء؟

قال إسحاق: حضر أبي يوما عند موسى الهادي، فقال له: يا إبراهيم، غنني جنسا من الغناء ألذه وأطيبه وأطرب عليه، ولك حكمك، قال: وكنت أراه لا يصغي إلى شيء من الأغاني إصغاءه إلى النسيب والرقيق [منه]، فغنيته:«2»

ص: 377

[الطويل]

وإني لتعروني لذكراك نفضة

كما انتفض العصفور بلله القطر

فضرب بيده إلى جيب دراعته فخرقها «1» ذراعا آخر، وقال: زدني، ويلك أحسنت والله ووجب حكمك، فغنيته:«2» [الطويل]

هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى

وزرتك حتى قيل ليس له صبر

فرفع صوته وقال: أحسنت لله أبوك، ها ما تريد، قلت: يا سيدي، عين مروان بالمدينة، فدارت عيناه في رأسه وقال: يا بن اللخناء، أردت أن تشهرني بهذا المجلس، فيقول الناس: أطربه فحكمه، فتجعلني سمرا وحديثا، يا إبراهيم الحراني، خذ بيد هذا الجاهل إذا قمت فأدخله بيت مال الخاصة، فإن أخذ كل ما فيه فخله وإياه، فدخلت فأخذت منه خمسين ألف دينار.

قال إسحاق: اشترى أبي لجعفر بن يحيى جارية مغنية بمال عظيم، فقال له جعفر: أي شيء تحسن هذه حتى بلغت هذا المال كله؟ قال: لو لم تحسن شيئا إلا أنها تحكي قولي: «3» [الكامل]

لمن الديار ببرقة الروحان

لكانت تساوي وزيادة، فضحك جعفر وقال: أفرطت.

ص: 378

وقال إسحاق: صنع أبي تسع مئة صوت، منها دينارية [ص 235] ومنها درهمية، ومنها فلسية، فأما ثلاث مئة منها، فإنه تقدم الناس جميعا فيها، وأما ثلاث مئة فشاركوه وشاركهم، وأما ثلاث المئة الأخرى فلعب وطرب، [وأسقط] إسحاق بعد ذلك ثلاث المئة الأخيرة، وكان بعد ذلك إذا سئل عن صنعة [أبيه] قال ست مئة «1» صوت.

قال إسحاق: غنّي مخارق بين يدي الرشيد صوتا فأخطأ فيه، فقال له: أعد، فأعاده وكان الخطأ خفيا، فقلت للرشيد: سيدي قد أخطأ فيه، فقال لإبراهيم بن المهدي: ما تقول فيما ذكره إسحاق، قال: ليس الأمر كما قال، ولا هاهنا خطأ، فقلت له: أترضى بأبي؟ فقال: إي والله، وكان أبي في بقية علة، فأمر الرشيد بإحضاره فجيء به في محفة «2» ، فقال لمخارق: أعد الصوت، فأعاده، فقال له: ما عندك يا إبراهيم في هذا الصوت، قال: قد أخطأ فيه، فقال: هكذا قال ابنك إسحاق، وذكر أخي إبراهيم أنه صحيح، فنظر إلي وقال: هاتوا دواة، فأتي بها، فكتب شيئا لم يقف عليه أحد، ثم قطعه ووضعه بين يدي الرشيد، وقال لي:

اكتب بذكر الوضع الفاسد من قسمة هذا الصوت، فكتبته وألقيته، فقرأه وضحك، وقام فقرأه بين يدي الرشيد، فعجب ولم يكن أحد في المجلس إلا قرّظ وأثنى ووصف، وخجل إبراهيم بن المهدي.

قال إسحاق: غنى أبي يوما بحضرة الرشيد هذا البيت: «3» [الطويل]

ص: 379

سلي هل قلاني من عشير صحبته

وهل ذمّ رحلي في الرّفاق رفيق

فطرب واستعاده وأمر له بألف «1» دينار، فلما كان بعد سنين خطر ببالي ذلك الصوت وذكرت قصته، فغنيته إياه، فطرب وشرب ثم قال لي: يا إسحاق كأن «2» في نفسك ذكر حديث أبيك، وأني أعطيته ألف دينار على هذا الصوت، فطمعت في الجائزة، فضحكت وقلت: والله سيدي ما أخطأت، فقال: أخذ أبوك ثمنه مرة فلا تطمع، فعجبت من قوله، ثم قلت: يا سيدي، قد أخذ أبي منك أكثر من مئتي ألف دينار، ما رأيتك ذكرت منها غير هذا الألف على بختي أنا، فقال: ويحك، أكثر من مئتي ألف؟! فقلت: أي والله، فوجم من ذلك وقال: أستغفر الله من ذلك، ويحك [ص 236] فما الذي خلف منها؟ قلت:

خلّف عليّ ديونا فقضيتها، قال: ما أدري أينا أشد تضييعا، والله المستعان.

قال إسحاق، قال أبي: أتيت الفضل بن يحيى يوما، فقلت له: يا أبا العباس، جعلت فداك، هب لي دراهم، فإن الخليفة قد حبس يده، فقال: ويحك يا أبا إسحاق، ما عندي مال أرضاه لك، ثم قال: هاه! إلا أن هاهنا خصلة، أتانا رسول صاحب اليمن، فقضينا حوائجه، ووجه إلينا بخمسين ألف دينار نشتري لنا بها ما نحب، فما فعلت ضياء جاريتك، قلت: عندي جعلت فداك، قال فهو ذا، أقول لهم حتى يشتروها منك، فلا تنقصها من خمسين ألف دينار، فقبلت رأسه وانصرفت، فبكر عليّ [رسول] صاحب اليمن، ومعه صديق له، فقال: جاريتك فلانة، فقلت: عندي، فقال اعرضها علّي، فعرضتها، فقال: بكم، قلت: بخمسين ألف دينار لا أنقص منها واحدا، وقد أعطاني بها الفضل بن يحيى أمس هذه العطية، فقال لي: له أريدها، فقلت: أنت أعلم إذا اشتريتها فصيرها لمن شئت، فقال لي:

ص: 380

هل لك في ثلاثين ألف دينار مسلمة؟ قال: وكان شراء الجارية على أربع مئة دينار، فلما وقع في أذني [ذكر] ثلاثين ألف دينار أرتج علي ولحقني زمع «1» ، وأشار علي صديقي الذي معه بالبيع، وخفت والله أن يحدث بالجارية أو بي أو بالفضل [حدث] فسلمتها وأخذت المال، ثم بكرت إلى الفضل بن يحيى، فإذا هو جالس وحده، فلما نظر إلي ضحك، ثم قال لي: يا ضيق الحوصلة، حرمت نفسك عشرين ألف دينار! فقلت له: جعلت فداك، دع ذا عنك، فو الله لقد دخلني شيء أعجز عن وصفه، وخفت أن تحدث بي حادثة أو بالجارية أو بك أو بالمشتري، فبادرت بقبول ثلاثين ألف دينار، فقال: لا ضير، يا غلام جيء بالجارية، فقال: خذها مباركا لك فيها، فما أردنا إلا نفعك، ولم نرد الجارية، فلما نهضت قال لي: مكانك، رسول صاحب أرمينية قد جاءنا فقضينا حوائجه ونفذنا كتبه، وذكر أنه قد جاءنا بثلاثين ألف دينار يشتري لنا ما نحب، فاعرض عليه جاريتك هذه ولا تنقصها من ثلاثين ألف دينار، فانصرفت [ص 237] بالجارية، وبكر عليّ صاحب أرمينية ومعه صديق لي آخر، فقاولني بالجارية، فقلت: لست أنقصها من ثلاثين ألف دينار، فقال: معي عشرون ألف دينار مسلمة تأخذها بارك الله لك فيها، فدخلني والله مثل ما دخلني في المرة الأولى، وخفت مثل خوفي الأول، فسلمتها إليهم وأخذت المال، وبكرت على الفضل بن يحيى، فلما رآني ضحك وضرب برجله وقال: ويحك حرمت نفسك عشرة آلاف دينار، فقلت له: أصلحك الله، خفت والله مثل ما خفت في المرة الأولى، فقال لي: لا ضير، يا غلام: جاريته، فجيء بها، فقال: خذها ما أردناها ولا أردنا إلا نفعك، فلما ولت الجاري صحت بها ارجعي، فرجعت، فقلت: أشهدك- جعلت فداك- أنها حرة لوجه الله، وأني قد تزوجتها على عشرة آلاف درهم،

ص: 381

كسبت لي في يوم خمسين ألف دينار، فما جزاؤها إلا هذا، فقال: وفقت إن شاء الله.

قال: لما [صنع] أبي لحنه: «1» [الرمل]

ليت هندا أنجزتنا ما تعد

خاصمته وعبته في صنعته وقلت له: بإزائك من ينتقد أنفاسك ويعيب محاسنك وأنت لا تفكر تجيء إلى صوت قد عمل [فيه] ابن سريج لحنا فتعارضه بلحن لا يقاربه، والشعر أوسع من ذلك، فدع ما قد اعتورته «2» صناعة القدماء وخذ في غيره، فغضب، وكنت لا أزال أفاخره بصنعتي وأجب «3» ما يعاب من صنعته، فإن قبل مني فذاك، وإن غضب داريته وترضيته، فقال لي: ما يعلم الله أني أدعك أو تفاخرني بخير صوت صنعته في طريقة هذا الصوت، فلما رأيت الجد منه اخترت لحني في:«4» [مجزوء الخفيف]

قل لمن صدّ عاتبا

ونأى عنك جانبا

وكان ما تجاريناه ونحن نتساير في الصحراء لنقطع فضل خمارنا «5» ، فقال:

من تحب أن يحكم بيننا، فقلت: من ترى يحكم؟ قال: أول من يطلع علينا، أغنيه لحني وتغنيه لحنك، فطمعت فيه وقلت: نعم، وأقبل شيخ نبطيّ على حمار له، فأقبل عليه أبي وقال: إني وصاحبي هذا قد تراضينا بك في شيء،

ص: 382

قال: وأي شيء هو؟ قال: زعم كل وأحد منا أنه أحسن غناء من صاحبه، فتسمع مني ومنه وتحكم بيننا، فقال: على اسم الله، فبدأ أبي فغنى لحنه، وتبعته [ص 238] فغنيت لحني، فلما فرغت أقبل عليّ فقال: قد حكمت عليك عافاك الله ومضى، فلطمني [أبي] لطمة ما مر بي مثلها، وسكت فما أعدت عليه حرفا.

قال الرشيد يوما لجعفر بن يحيى: قد طال سماعنا هذه العصابة على اختلاط الأمر فيها، فهلم أقاسمك إياها فأخايرك، فاقتسما المغنين على أن جعلا بإزاء كل رجل نظيره، فكان ابن جامع في حيز الرشيد، وإبراهيم في حيز جعفر، وحضر الندماء لمحنة «1» المغنين، وأمر الرشيد ابن جامع بالغناء، فغنى صوتا أحسن فيه كل الإحسان، وأطرب الرشيد غاية الإطراب، فلما قطعه، قال الرشيد لإبراهيم:

هات هذا الصوت فغنه، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين لا أعرفه وظهر الانكسار فيه، فقال الرشيد لجعفر: هذا واحد، ثم قال لابن جامع: غنّ يا إسماعيل، فغنى صوتا ثانيا أحسن من الأول، فلما استوفاه قال الرشيد لإبراهيم: هاته يا إبراهيم، فقال: لا والله لا أعرف هذا، فقال: هذان اثنان، يا إسماعيل غن يا إسماعيل، [فغنى] ثالثا يتقدم الصوتين فلما أتى على آخره، قال: هاته يا إبراهيم، فقال:

ولا والله ما أعرفه، فقال له جعفر: أخزيتنا أخزاك الله، وأتمّ ابن جامع يومه والرشيد مسرور به، وأجازه وخلع عليه، ولم يزل إبراهيم منخذلا حتى انصرف، قال: فمضى إلى منزله، فلم يستقر حتى بعث إلى محمد المعروف بالزف «2» ، وكان من المغنين المحسنين، وكان أسرع الناس أخذا للصوت، وكان الرشيد وجد عليه في أمر فألزمه بيته وتناساه، فقال إبراهيم للزف، إني اخترتك على من هو أحب إليّ منك لأمر لا يصلح له غيرك، فانظر كيف تكون، قال:

ص: 383

أبلغ في ذلك محبتك إن شاء الله، فأدى له الخبر وقال: أريد أن تمضي من ساعتك إلى ابن جامع فتعلمه أنك صرت إليه مهنّئا بما تهيأ له علي، وتثلبني وتشتمني، وتحتال في أن تسمع منه الأصوات وتأخذها، ولك كل ما تحبه من جهتي مع رضا الخليفة إن شاء الله، قال: فمضى من عنده فاستأذن على ابن جامع، فأذن له، فدخل وسلم عليه وقال: جئتك مهنئا بما بلغني من خبرك، والحمد لله الذي كشف الفضل عن محلك في صناعتك، قال: وهل بلغك خبرنا؟ قال: هو أشهر من أن يخفى [ص 239] على مثلي، قال: ويحك إنّه يقصر عن العيان، قال: أيها الأستاذ سرني بأن أسمعه من فيك حتى أرويه عنك وأسقط الأسانيد، قال: أقم عندي حتى أفعل، فدعا ابن جامع بالطعام، فأكلنا وشربنا، ثم بدأ وحدثه بالخبر، حتى انتهى إلى خبر الصوت الأول، فقال له الزف: وما هو أيها الأستاذ، فغناه ابن جامع، فجعل محمد يصفق ويشرب، وابن جامع مشتغل في شأنه، حتى أخذه منه، ثم سأله عن الصوت الثاني، فغناه إياه، وفعل مثل ما فعله في الأول، ثم كذلك في الصوت الثالث، فلما أخذ الأصوات وأحكمها، قال له: يا أستاذ، قد بلغت ما أحب، فأذن له بالانصراف، فانصرف محمد من وجهه إلى إبراهيم، فلما طلع من باب داره قال: ما وراءك؟ قال: ما تحب، ادع لي بعود، فدعا به فضرب، وغناه الأصوات، قال إبراهيم: هي وأبيك بصورتها وأعيانها، وأرددها عليّ الآن، فلم يزل يرددها حتى صحّت لإبراهيم، وانصرف محمد إلى منزله، وغدا إبراهيم إلى الرشيد، فلما دعا بالمغنين دخل فيهم، فلما بصر به قال: أو قد حضرت؟ أما كان ينبغي أن تجلس في منزلك شهرا بسبب ما لقيت من ابن جامع، قال: ولم ذلك يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك، والله لئن أذنت لي أن أقول لأقولن، قال: وما عساك أن تقول؟ قل، قال: إنه ليس لي ولا لغيري أن يراك متعصبا لحيز فيغاضبك أو يغالبك، وإلا فما في الأرض صوت إلا وأنا أعرفه، فقال له: دع ذا عنك، قد

ص: 384

أقررت أمس بالجهالة بما سمعت من صاحبنا، قال: فإن كنت أمسكت عنه بالأمس على معرفة كما تقول، فهاته اليوم، فليست هاهنا عصبية ولا تمييز، فاندفع يغني الأصوات كلها، وابن جامع مصغ مستمع له، حتى أتى على آخرها، فاندفع ابن جامع يحلف بالأيمان المحرجة أنه ما عرفها قط ولا سمعها ولا هي إلا من صنعته لم تخرج إلى أحد غيره، فقال له: ويحك فما أحدثت بعدي؟ قال:

ما أحدثت حدثا، قال: يا إبراهيم بحياتي اصدقني، قال: وحياتك لأصدقنك، رميته بحجره، بعثت بمحمّد الزّفّ وضمنت له ضمانات، أولها رضاك عنه، فمضى فاحتال عليه حتى أخذها عنه ونقلها إليّ، وقد سقط الآن عنّي اللوم بإقراره بأنه ليس علي أن أعرف ما صنعه هو «1» ولم يخرجه [ص 240] إلى الناس، وهذا باب من الغيب، وإنما يلزمني أن يعرف هو شيئا من غناء الأوائل وأجهله أنا، وإلا فلو لزمني أن أروي صنعته، للزمه أن يروي صنعتي وللزم كل وأحد منا لسائر طبقته، ونظرائه مثل ذلك، فمن قصر عنه كان مذموما ساقطا، فقال له الرشيد: صدقت يا إبراهيم ونضحت عن نفسك وقمت بحجتك، ثم اقبل على ابن جامع فقال له: يا إسماعيل: أتيت، أبطل عليك الموصلي ما فعلته، به أمس، وانتصف منك، ثم دعا بالزّفّ ورضي عنه.

قال إسحاق: وأصوات ابن جامع هذه، الأول منها قول قيس بن «2» ذريح:«3» [الوافر]

بكيت نعم بكيت وكلّ إلف

إذا بانت قرينته بكاها

وما فارقت لبنى عن تقال

ولكن شقوة بلغت مداها

ص: 385

قال: والثاني منها قول حماد الراوية: «1» [المتقارب]

عفت دار سلمى بمفضى الرغام

رياح تعاقبها كل عام

خلاف الحلول بتلك الطلول

وسحب الذيول بذاك المقام

قال: والثالث منها قول [ابن] الأحنف: «2» [الكامل]

نزف البكاء دموع عينك فاستعر

عينا لغيرك دمعها مدرار

من ذا يعيرك عينه تبكي بها

أرأيت عينا للبكاء تعار

قال: لما أنشد بشار قول العباس بن الأحنف:

نزف البكاء دموع عينك

البيتين، قال: لحق هذا الفتى بالمحسنين، وما زال يدخل نفسه معنا ونحن نخرجه حتى قال هذا الشعر.

قال: ولما أنشد الرشيد قول العباس بن الأحنف:

من ذا يعيرك عينه تبكي بها

قال: يعير عينيه من لا حاطه الله ولا كلأه «3» .

قال [الرشيد] لإبراهيم بن المهدي، وإبراهيم الموصلي، وابن جامع، وابن أبي الكنّات: باكروني غدا، وليكن كل واحد منكم قد قال [ص 241] شعرا، إن كان يقدر أن يقوله، ويغني فيه لحنا، وإن لم يكن شاعرا، غنى في شعر غيره.

قال إبراهيم بن المهدي: قمت في السحر واجتهدت على شيء أصنعه فلم يتفق لي، فلما خفت طلوع الفجر، دعوت غلماني وقلت لهم: أريد المضي إلى موضع

ص: 386

لا يشعر بي أحد حتى أصير إليه، وكانوا في زنيديات لي يبيتون على باب داري، فقمت فركبت في إحداها، وقصدت دار إبراهيم الموصلي، وكان قد حدثني أنه إذا أراد الصنعة لم ينم حتى يدبر ما يحتاج إليه، فإذا قام إلى حاجته في السحر، اعتمد على خشبة له في المستراح، فلا يزال يقرع عليها حتى يفرغ من الصوت ويرسخ في قلبه، فجئت حتى وقعت تحت مستراحه، فإذا هو يردد هذا الصوت:«1» [الطويل]

إذا سكبت في الكأس قبل مزاجها

ترى لونها في جلدة الكأس مذهبا «2»

وإن مزجت راعت بلون تخاله

إذا ضمنته الكأس بالكأس كوكبا

أبوها نجاء المزن والكرم أمها

ولم أر زوجا منه أشهى وأطيبا «3»

فجاءتك صفرا أشبهت غير جنسها

وما أشبهت في اللون أما ولا أبا

[قال] فما زلت واقفا أسمع الصوت حتى أخذته، ثم غدونا إلى الرشيد فلما جلسنا إلى الشرب جاء الخادم الي فقال: يقول لك أمير المؤمنين، يا بن أم، غنني، فاندفعت فغنيته هذا الصوت، والموصلي في الموت، حتى فرغت منه، وشرب عليه وأمر لي بثلاث مئة ألف درهم، فوثب الموصلي وحلف بالطلاق وبحياة الرشيد أن الشعر له، قاله البارحة وغنى فيه، ما سبقه إليه أحد، فقال إبراهيم: يا سيدي، فمن أين هو لي لولا كذبه وبهته «4» ، وإبراهيم يضرب ويضج، فلما قضيت أربا من العبث به، قلت للرشيد: الحق أحق ما استعمل، وصدقته، فقال الرشيد: أما أخي فقد أخذ المال ولا سبيل إلى رده، وقد أمرت لك بمائة ألف

ص: 387

درهم، عوضا عما جرى عليك، ولو ابتدأت بالصوت لكان حظك، فأمر بها فحملت إليه.

وذكر أن الرشيد هب من نومه في ليلة من الليالي، فدعا بحمار كان يركبه في القصر أسود قريب من الأرض، فركبه وخرج في درّاعة «1» وشي، متلثما بعمامة وشي، ملتحفا بإزار وشي، وبين يديه أربع مئة خادم أبيض سوى الفراشين [ص 242] وكان مسرور الفرغاني جريئا عليه لمكانته عنده، فلما خرج قال: إلى أين تريد يا أمير المؤمنين في هذه الساعة؟ قال: أردت بيت الموصلي، قال مسرور: فمضى ونحن معه وبين يديه، حتى أتى إلى منزل إبراهيم، فخرج وتلقاه، وقبل حافر حماره، وقال له: يا أمير المؤمنين، أفي هذه الساعة تظهر، قال: نعم، شوقك بي، ثم نزل فجلس في طرف الإيوان وأجلس إبراهيم، فقال:

يا سيدي، أتنشط لشيء تأكله؟ فقال: نعم، خاميز «2» ظبي، فأتي به كأنه كان معدا له، فأصاب منه شيئا يسيرا، ثم دعا بشراب حمل معه، فقال الموصلي: يا سيدي، أغنيك أم تغنيك إماؤك؟ قال: بل الجواري.

فخرج جواري إبراهيم، فأخذن صدر الإيوان وجانبيه، فقال: أيضربن كلهن أم واحدة واحدة؟ فقال: تضرب اثنتان اثنتان، وتغني واحدة واحدة ففعلن ذلك حتى مرّ صدر الإيوان وأحد جانبيه، والرشيد يسمع ولا ينشط لشيء من غنائهن، إلى أن غنت صبية من حاشية الصفة:«3» [البسيط]

يا موري الزند قد أعيت قوادحه

اقبس إذا شئت من قلبي بمقباس

ما أقبح الناس في عيني وأسمجهم

إذا نظرت فلم أبصرك في الناس

ص: 388

قال: فطرب لغنائها، واستعاد الصوت مرارا، وشرب أرطالا، ثم سأل الجارية عن صانعه، فأمسكت، فاستدناها فتقاعست، فأمر بها فأقيمت، حتى أقيمت بين يديه، فأخبرته بشيء أسرته إليه، ودعا بحماره فركبه وانصرف، ثم التفت إلى إبراهيم فقال: ما ضرك يا إبراهيم ألا تكون خليفة، فكادت نفسه تخرج، حتى دعا به بعد ذلك وأدناه، وكان الذي أخبرته به الجارية أن الصنعة في الصوت لأخته علية وكانت لها، وجهت بها [إلى] إبراهيم تطارحه.

قال لي إبراهيم، قال لي الرشيد يوما: يا إبراهيم، بكّر غدا حتى نصطبح، فقلت:

أنا والصبح كفرسي رهان، فبكرت فإذا به خال وبين يديه جارية كأنها خوط بان «1» او جدل «2» عنان، حلوة المنظر، دمثة الشمائل في يدها العود، فقال لها:

غني، فغنت في شعر أبي نواس، وهو هذا:«3» [الطويل]

توهمه قلبي فأصبح خده

وفيه مكان الوهم من ناظري أثر

ومر بفكري خاطرا فجرحته

ولم أر جسما قط يجرحه الفكر

[ص 243] وصافحه قلبي فآلم كفه

فمن غمز قلبي في أنامله عقر

قال إبراهيم: فذهبت والله بعقلي، حتى كدت أفتضح، فقلت: من هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: التي يقول فيها الشاعر: «4» [الوافر]

لها قلبي الغداة وقلبها لي

فنحن كذاك في جسدين روح

قال: ثم شرب أرطالا وسقاها، وقال: غن يا إبراهيم، فغنيت حسب ما في قلبي

ص: 389

غير متحفظ: «1» [الطويل]

تشرّب قلبي حبها ومشى بها

تمشي حميا الكأس في كف شارب

ودب هواها في عظامي فشفها

كما دب في الملسوع سم العقارب

قال: ففطن بتعريضي، وكانت جهالة مني، وأمرني بالانصراف، ولم يدع بي شهرا ولا حضرت مجلسه، فلما كان بعد شهر دس إلي خادما معه رقعة فيها مكتوب:«2» [الخفيف]

قد تخوفت أن أموت من الوج

د ولم يدر من هويت بمابي

يا كتابي فاقر السلام على من

لا أسمي وقل له يا كتابي

إن كفا إليك قد كتبتني

صبت فؤاده في عذابي «3»

فأتاني الخادم بالرقعة، فقلت: ما هذا؟ قال: رقعة فلانة التي غنتك بين يدي أمير المؤمنين، فأحسست بالقصة، فشتمت الخادم، ووثبت إليه، وضربته ضربا شفيت به غيظي، وركبت إلى الرشيد من فوري، فأخبرته بالقصة، وأعطيته الرقعة، فضحك حتى كاد يستلقي، ثم قال: على عمد فعلت ذلك، أردت لأمتحن مذهبك وطريقتك، ثم دعا بالخادم، فلما رآني قال: قطع الله يديك ورجليك، ويلك قتلتني، فقلت: القتل كان بعض حقك لما وردت به عليّ، ولكنّي رحمتك فأبقيت عليك، وأخبرت أمير المؤمنين ليأتي عقوبتك بما تستحقه، فأمر لي الرشيد بصلة سنية، والله أعلم ما فعلت الذي فعلته عفافا، ولكني خفت.

ص: 390

قال إسحاق: سمعت الرشيد وقد سأل أبي: كيف يصنع إذا أراد أن يصوغ الألحان، قال: يا أمير المؤمنين، أخرج [ص 244] الهم من فكري وأمثل الطرب بين عيني، فتسرع لي مسالك الألحان التي أريد فأسلكها بدليل الإيقاع، فأرجع مصيبا ظافرا بما أريد، فقال: يحق لك يا إبراهيم أن تصيب وتظفر، وإن حسن وصفك مشاكل لحسن صنعتك وغنائك.

قال ثمامة بن أشرس: مررت بإبراهيم الموصلي ويزيد حوراء وهما مصطبحان «1» ، وقد أخذا بينهما صوتا يغنيانه، هذا بيتا وهذا بيتا:«2» [الطويل]

أيا جبلي نعمان بالله خليا

سبيل الصبا يخلص إلي نسيمها

فإن الصبا ريح إذا ما تنسما

على نفس مكروب تجلت همومها

قال ثمامة: فو الله ما خلت أن شيئا بقي من لذات الدنيا بعد ما كانا فيه قال إبراهيم الموصلي، قال لي جعفر بن يحيى يوما: صر اليّ حتى أهب لك شيئا حسنا، فصرت إليه فقال لي [أيما] أحب إليك، أهب لك الشيء الحسن الذي وعدتك به، أو أرشدك إلى شيء تكسب به ألف ألف درهم، فقلت بل يرشدني الوزير أعزه الله إلى هذا الوجه، فإنه يقوم مقام إعطائه إياي هذا المال، فقال: إن أمير المؤمنين يحفظ شعر ذي الرمة حفظ الصبا، ويعجبه ويؤثره، فإذا سمع فيه غناء أطربه أكثر مما يطربه غيره مما لا يحفظ شعره، فإذا غنيته، وأطربته وأمر لك بجائزة، فقم على رجلك وقبل الأرض وقل له: لي حاجة غير هذه الجائزة، أريد أن أسألها أمير المؤمنين، وهي حاجة تقوم عندي مقام كل فائدة ولا تضره ولا

ص: 391

ترزؤه، فإنه سيقول لك: أي شيء حاجتك؟ فقل: قطيعة تقطعنيها سهلة عليه، ولا قيمة لها ولا منفعة لأحد فيها، فإذا أجابك إلى ذلك، فقل له: تقطعني شعر ذي الرمة، أغني فيه ما أختاره، وتحظر على المغنين جميعا أن لا يداخلوني فيه، فإني أحب شعره وأستحسنه فلا أحب أن ينغصه عليّ أحد منهم، وتوثق منه في ذلك، فقبلت هذا القول منه، وما انصرفت [بعد ذلك] إلا بجائزة من عنده، وتوخيت وقتا للكلام حتى وجدته، فقمت وسألت كما قال لي، فرأيت السرور في وجهه، وقال:[ص 245] ما سألت شططا، قد أعطيتك ما سألت، فجعلوا يتضاحكون من قولي، ويقولون: لقد استضخمت القطيعة وهو ساكت، فقلت:

يا أمير المؤمنين أتأذن لي في التوثق «1» ؟ قال: توثق «1» كيف شئت، فقلت: بالله وبحق رسوله وبتربة أمير المؤمنين المهدي، إلا جعلتني في ثقة من ذلك، بأن تحلف لي بأن لا تعطي أحدا من المغنين جائزة على شيء يغنيه في شعر ذي الرمة، فإن ذلك وثيقتي، فحلف مجتهدا له لئن غنّاه أحد منهم في شعر ذي الرمة لا أثابه ولا أبره ولا سمع غناءه، فشكرت فعله وقبلت الأرض بين يديه، فانصرفنا فصنعت مئة صوت وزيادة عليها في شعر ذي الرمة، وكان إذا سمع منها شيئا طرب، وزاد في الطرب، ووصلني وأجزل، ولم ينتفع به أحد منهم غيري، فأخذت والله منه ألف ألف درهم، وألف ألف درهم.

قال: اجتمع إبراهيم الموصلي وزلزل وبرصوما بين يدي الرشيد، فضرب زلزل وزمر برصوما وغنى إبراهيم:«2» [الوافر]

صحا قلبي وراع [إليّ] عقلي

وأقصر باطلي ونسيت جهلي «3»

ص: 392

رأيت الغانيات وكنّ صورا

إليّ صرمنني وقطعن حبلي

فطرب هارون حتى وثب على رجليه وصاح: يا آدم، لو رأيت من يحضرني من ولدك اليوم لسرك! ثم جلس وقال: أستغفر الله.

قال: علي بن عبد الكريم: زار ابن جامع إبراهيم الموصلي، فأخرج إليه ثلاثين جارية، فضربن جميعا طريقة واحدة، ثم غنّين فقال ابن جامع: في الأوتار وتر غير مستو، فقال إبراهيم: يا فلانة، شدي مثناك، فشدته [فاستوى] ، فعجبت أولا من فطنته وابن جامع للوتر بعينه.

قال إبراهيم الموصلي: قال لي الرشيد يوما يا إبراهيم إني جعلت غدا للحرم، وجعلت ليلته للشرب مع الرجال، وأنا مقتصر من المغنين عليك، فلا تشغل غدا بشيء، ولا تشرب نبيذا، وكن بحضرتي وقت العشاء الآخرة، فقلت: السمع والطاعة لأمير المؤمنين، فقال:[ص 246] وحق أبي لئن تأخرت أو اعتللت بشيء لأضربن عنقك، أفهمت؟ قلت: نعم، وخرجت، فما جاءني أحد من إخواني إلا احتجبت عنه، ولا قرأت رقعة لأحد حتى صليت المغرب وركبت قاصدا إليه، فلما قربت من داره مررت بفناء قصر، وإذا زنبيل «1» كبير مستوثق منه بحبال وأربع عرى أدم، وقد دلي من القصر، وجارية تنتظر إنسانا قد وعد ليجلس فيه، فنازعتني نفسي، إلى الجلوس فيه، ثم قلت: هذا خطأ، ولعله يجري سبب يعوقني عن الخليفة فيكون الهلاك، ولم أزل أنازع نفسي وتنازعني، حتى غلبتني، فنزلت وجلست فيه، ومدّ الزنبيل حتى صار في أعلى القصر، ثم خرجت فنزلت، فإذا جوار كأنهن المها جلوس، فضحكن وطربن، وقلن: قد جاء والله [من أردنا]، فلما رأينني من قريب تبادرن عني وقلن: يا عدو الله ما

ص: 393

أدخلك إلينا؟ فقلت: يا عدوات أنفسهن من الذي أردتن إدخاله، ولم صار أولى بها مني؟ فلم يزل ذلك دأبنا، هن يضحكن وأضحك معهن، ثم قالت إحداهن:

أما من أردنا فقد فات، وما هذا إلا ظريف، فهلمن نعاشره عشرة جميلة، فأخرج إليّ طعام ودعيت إلى أكله، فلم يكن فيّ فضل إلا أنني كرهت أن أنسب إلى سوء العشرة، فأصبت منه إصابة معذور، ثم جيء بالنبيذ فجلسنا نشرب، فأخرجن إليّ ثلاث جوار لهن فغنين غناء مليحا، وغنت إحداهن صوتا لمعبد، فقالت إحدى الثلاث من وراء الستر: أحسن إبراهيم هذا له، فقلت: كذبت ليس هذا له، فقالت: يا فاسق، ما يدريك الغناء ما هو؟ ثم غنت الأخرى صوتا للغريض، فقالت: اللهمّ أحسن إبراهيم هذا له أيضا، فقلت: كذبت يا خبيثة، هذا للغريض، فقالت: اللهمّ أخزه، ويلك ما يدريك؟ ثم غنت الأخرى صوتا لي فقالت تلك: أحسن ابن سريج هذا له، قلت: كذبت هذا لإبراهيم، وأنت تنسبين غناء الناس إليه، وغناءه إليهم، قالت: ويلك وما يدريك؟ فقلت: أنا إبراهيم، فتباشرن بذلك جميعا وظهرن كلهن لي وقلن: كتمتنا نفسك وقد سررنا، فقلت: أنا الآن أستودعكنّ الله، فقلن: ما السبب؟ فأخبرتهن بقصتي مع الرشيد، فضحكن وقلن: الآن طاب حبسك علينا، وعلينا إن أخرجت أسبوعا، فقلت: هو والله القتل، فقلن: إلى لعنة الله، فأقمت عندهن أسبوعا لا أزول، فلما كان بعد أسبوع، ودعنني وقلن: إن سلمك [ص 247] الله، فأنت بعد ثلاثة أيام عندنا، فأجلسنني في الزنبيل وسرحت، فمضيت لوجهي حتى أتيت دار الرشيد، فإذا النداء قد أشيع ببغداد في طلبي، وأن من أحضرني فقد سوغ ملكي وأقطع مالي، فاستأذنت فبادر الخادم حتى أدخلني إلى الرشيد، فلما رآني شتمني وقال: السيف والنطع «1» ، إيه يا إبراهيم، تهاونت بأمري وتشاغلت

ص: 394

بالعوام عما أمرتك به، وجلست مع أشباهك من السفهاء حتى أفسدت علي لذتي، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا بين يديك، وما أمرت غير فائت، ولي حديث عجيب ما سمع بمثله قط، وهو الذي قطعني عنك ضرورة لا اختيارا، فاسمعه فإن كان عذرا فاقبله، وإلا فأنت أعلم، قال: هاته فليس ينجيك، فحدثته فوجم ساعة ثم قال: إن هذا لعجب، فتحضرني معك هذا الموضع؟ قلت: نعم، وأجلسك معهن إن شئت قبلي حتى تحضر عندهن، وإن شئت على موعد، فقال: بل على موعد، قلت: أفعل، قال: انظر، قلت: ذاك حاصل لك مني متى شئت، فعدل عن رأيه في، وأجلسني وشرب وطرب، فلما أصبحنا أمرني بالانصراف، وأن أجيئه من عندهن، فمضيت إليهن في وقت الموعد، فلما وافيت الموضع، إذا الزنبيل معلق، فجلست فيه، ومده الجواري وصعدت، فلما رأينني تباشرن بي، وحمدن الله على سلامتي، وأقمت ليلتي، فلما أردت الانصراف قلت لهن: إن لي أخا هو عديل نفسي عندي، وقد أحب معاشرتكن ووعدته بذلك، فقلن: إن كنت ترضاه فمرحبا، فواعدتهن ليلة غد وانصرفت، وأتيت الرشيد فأخبرته، فلما كان الوقت خرج معي متخفيا حتى أتينا الموضع، فصعدت وصعد بعدي، ونزلنا جميعا، وقد كان الله وفقني بأن قلت لهن «1» :

إذا جاء صديقي فاستترن عني وعنه، ولا يسمع لكن نطقة وليكن ما تخترنه من الغناء أو تقلنه من قول مراسلة، فلم يتعدين ذلك، وأقمن على أتم ستر وخفر، وشربنا شربا كثيرا، وقد كان أمرني أن لا أخاطبه بإمرة أمير المؤمنين، فلما أخذ مني النبيذ، قلت سهوا يا أمير المؤمنين، فتبادرن من وراء الستار حتى غابت عنا حركاتهن، فقال لي: يا إبراهيم قد أفلت من أمر عظيم، والله لو برزت لك واحدة منهن لضربت رقبتك، قم بنا، فانصرفنا، فإذا هنّ له، وقد [ص 247]

ص: 395

وقد كان غضب عليهن فحبسهن في ذلك القصر، ثم وجّه من غد بخدم فردهن إلى قصره، ووهب لي مئة ألف درهم، وكانت الهدايا والألطاف بعد ذلك تأتيني منهن.

قال مخارق: كنا عند الرشيد في بعض أيامنا، فغناه ابن جامع، ونحن يومئذ بالرقة:«1» [الخفيف]

هاج شوقا فراقك الأحبابا

فتناسيت أو نسيت الربابا

حين صاح الغراب بالبين منهم

فتصاممت أن سمعت الغرابا

لو علمنا أن الفراق وشيك

ما انتهينا حتى نزور القبابا

أو علمنا حين استقلت نواهم

ما أقمنا حتى نزم الركابا

قال: فاستحسنه الرشيد وطرب عليه وأعجبه واستعاده مرارا، وشرب عليه أرطالا حتى سكر، وما سمع شيئا غيره ولا أعجبه، ولا أقبل على أحد، وأمر لابن جامع بخمسة آلاف دينار، فلما انصرفنا قال لي إبراهيم: لا ترم منزلك حتى أصير إليك، فصرت إلى منزلي، فلم أغير ثيابي حتى أعلمني غلامي بموافاته، فلقيته في دهليزي «2» ، فدخل فجلس وأجلسني بين يديه، ثم قال لي: يا مخارق، أنت نسيلة «3» مني إحساني إليك، وقبحي عليك، ومتى تركنا ابن جامع على ما ترى غلبنا على الرشيد، وقد صنعت صوتا في طريقة صوته الذي غنّاه، أحسن صنعة منه وأشجى، وإنما يغلبني «4» عند هذا الرجل بصوته، ولا مطعن على صوتك،

ص: 396

وإذا أطربته وغلبت عليه بما يأخذه مني، قام ذلك مقام الظفر، وسيصبح أمير المؤمنين، ويدخل الحمام غدا، ويحضر فيدعو بالطعام ويدعو بنا، ويأمر ابن جامع فيرد الصوت الذي غناه، ويشرب عليه رطلا، ويأمر له بجائزة، فإذا غناه فلا تنتظره أكثر من أن يرد ردته حتى تغني ما أعلّمك السّاعة، فإنه يقبل عليك ويصلك، ولست أبالي أن لا يصلني بعد أن يكون إقباله عليك، فقلت: السمع والطاعة، فألقى عليّ لحنه في أبيات لابن هرمة، وهي:«1» [المنسرح]

يا دار سعدي بالجزع من ملل

حييت من دمنة ومن طلل «2»

إني إذا ما البخيل أمّنها

باتت ضموزا مني على وجل «3»

[ص 249] لا أمتع العوذ بالفصال ولا

أبتاع إلا قريبة الأجل «4»

وردده حتى أخذته وانصرف، ثم بكر عليّ فاستعاد [الصوت] مني حتى رضيه، ثم ركبنا وأنا أدرسه حتى صار إلى الرشيد، فلما دخلنا فعل الرشيد جميع ما وصفه إبراهيم شيئا فشيئا، وكان إبراهيم أعلم الناس به، ثم أمر ابن جامع فرد الصوت ودعا برطل فشربه، فلما استوفاه، واستوفى ابن جامع صوته، لم أدعه يتنفس حتى اندفعت فغنيت صوت إبراهيم، فلم يزل يصغي إليه، وهو باهت، حتى استوفيته، فشرب وقال: لمن هذا الصوت؟ قلت: لإبراهيم، فلم يزل يستدنيني حتى صرت قدام سريره، وجعل يستعيد الصوت وأعيده حتى شرب عليه أرطالا، وأمر لإبراهيم بجائزة سنية، وأمر لي بمثلها، وجعل ابن جامع

ص: 397

[يشغب ويقول] يجيء بالغناء فيدسّه في أستاه الصبيان، إن كان محسنا فليغنه «1» هو، والرشيد يقول له: دع ذا عنك، قد والله استقاد «2» منك وزاد.

قال يحيى بن عروة بن أذينة: خرجت في حاجة لي، فلما كنت بالسيالة «3» ، وقفت على منزل إبراهيم بن هرمة فصحت: يا أبا إسحاق، فأجابتني ابنته: من هذا؟ فقلت: أعلمي أبا إسحاق، قالت: خرج آنفا قال، فقلت: هل من قرى، فإني مقو «4» من الزاد، قالت: لا والله ما صادفته حاضرا، فقلت: فأين قول أبيك: [المنسرح]

لا أمتع العوذ بالفصال ولا

أبتاع إلا قريبة الأجل

قالت: فذاك والله أفناها

قال إسحاق: لما دخلت سنة ثمان وثمانين ومئة، اشتد أمر القولنج «5» على أبي ولزمه، وكان يعتاده في الأحيان، فقعد عن الخدمة للخليفة، وعن نوبته في ذلك، وقال في ذلك:«6» [مجزوء الرمل]

ملّ والله طبيبي

عن مقاساة الذي بي

سوف أنعى عن قريب

لعدوّ وحبيب [ص 250]

ص: 398

قال: وركب الرشيد حمارا ودخل يعوده، فوجده وهو جالس على الأبزن «1» ، فقال له: كيف أنت يا إبراهيم، فقال له: إنا والله يا سيدي كما قال الشاعر: «2» [الوافر]

سقيم ملّ منه أقربوه

وأسلمه المداوي والحميم

فقال الرشيد: إنا لله، وخرج، فما بعد حتى سمع الواعية «3» عليه قال عمر بن شبة: مات إبراهيم الموصلي في سنة ثمان وثمانين ومئة، ومات في ذلك اليوم الكسائي و [العباس بن] الأحنف، فرفع ذلك إلى الرشيد، فأمر المأمون أن يصلي عليهم، فخرج فصفّوا بين يديه، فقال: من هذا الأول؟ قيل: إبراهيم الموصلي، قال: أخروه وقدموا العباس بن الأحنف فقدم فصلّى عليهم وانصرف، ودنا منه هاشم بن عبد الله الخزاعي فقال:

يا سيدي، كيف آثرت العباس بالتقدمة على من حضر، قال لقوله:«4» [الكامل]

وسعى بها واش فقالوا إنها

لهي التي تشقى بها وتكابد

ثم قال: أتحفظها؟ قلت: نعم، قال: أنشدني باقيها، فأنشدته

لما رأيت الليل سدّ طريقه

عني وعذّبني الظلام الرّاكد

والنجم في كبد السّماء كأنه

أعمى تحير ما لديه قائد

ناديت من طرد الرقاد بصده

عما أعالج وهو خلو هاجد

ص: 399

يا ذا الذي صدع الفؤاد بصده

أنت البلاء طريفه والتالد

ألقيت بين جفون عيني فرقة

فإلى متى أنا ساهر يا راقد

فقال المأمون: أليس من قال هذا الشعر حقيقا بالتقدمة؟ فقلت: بلى يا سيدي.

قال إسحاق: دخلت يوما إلى الرشيد بعقب وفاة والدي، وذلك بعد فوات شهرين «1» ، فلما جلست، رأيت موضعه الذي يجلس فيه خاليا، فدمعت عيني فكفكفتها وتصبرت، فلمحني الرشيد، فدعاني إليه وأدناني منه، وقبلت يده ورجله، والأرض بين يديه، فاستعبر وكان رقيقا، فوثبت قائما، ثم قلت:«2» [ص 251][الخفيف]

في بقاء الخليفة الميمون

خلف من مصيبة المحزون

لا يضير المصاب رزء إذا ما

كان ذا مفزع إلى هارون

قال لي: كذلك والله هو، ولن تفقد من أبيك ما دمت حيا إلا شخصه، وأمر بإضافة رزقه إلى رزقي، فقلت: بل يأمر به أمير المؤمنين إلى ولده، ففي خدمتي له ما يغنيني أنا، فقال: اجعلوا رزق إبراهيم لولده، وأضعفوا رزق إسحاق.

وأما الصوت الذي ذكرت أخبار إبراهيم بسببه والشعر فيه والغناء له، وهو من المئة صوت المختارة، فهو:«3» [مجزوء الرمل]

ربما نبّهني الإخ

وان والليل بهيم

حين غارت وتدلت

في مهاويها النجوم

ونعاس الليل في عي

ني كالثاوي مقيم

للتي تعصر لما

أينعت منها الكروم

ص: 400

أنا بالرّيّ مقيم

في قرى الرّيّ أهيم

ما أراني عن قرى الرّ

يّ مدى دهري أريم

ومما رثي به إبراهيم الموصلي قول ابنه: «1» [الطويل]

أيا قبر إبراهيم حييت حفرة

ولا زلت تسقى الغيث من سبل القطر «2»

لقد عزني وجدي عليك فلم يدع

لقلبي نصيبا من عزاء ولا صبر

وقد كنت أبكي من فراقك ليلة

فكيف إذا صار الفراق إلى الحشر

وقال أيضا: «3» [الطويل]

سلام على القبر الذي لا يجيبنا

ونحن نحيي تربه ونخاطبه

ستبكيه أشراف الملوك إذا رأوا

محل التصابي قد خلا منه جانبه

ويبكيه أهل الظرف طرا كما بكى

عليه أمير المؤمنين وحاجبه

ولما بدا لي اليأس منه وأبرقت

عيون بواكيه وقلّت نوادبه

وصار شفاء النفس من بعد ما بها

إفاضة دمع تستهل سواكبه

جعلت على عيني للصبح عبرة

ولليل أخرى ما بدت لي كواكبه

[ص 252]

وقال أيضا: «4» [الطويل]

عليك سلام الله من قبر فاجع

وجادك من نوء السماكين وابل

هل أنت محيي القبر أم أنت سائل

وكيف تحيا تربة وجنادل

ص: 401