الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
«1» مر إصبعه، فيسمع زمرا، أجمع سائر من حضر أنه لم يسمع مثله قط.
قال محمد بن موسى المنجم «2» : حكمت بأن إبراهيم بن المهدي أحسن الناس غناء ببرهان، وذلك أني كنت أراه في مجالس الخلفاء مثل المأمون والمعتصم، يغني ويغني المغنون، فإذا ابتدأ الصوت لم يبق من الغلمان والمتصرفين في الخدمة وأصحاب الصناعات والمهن الصغار والكبار، إلا ترك ما في يده وقرب من أقرب موضع يمكنه أن يسمعه، فلا يزال مصغيا إليه، لاهيا عما كان فيه ما دام يغني، حتى إذا أمسك وغنى [غيره] رجعوا إلى التشاغل بما كانوا فيه، ولم يلتفتوا إلى ما يسمعون، ولا برهان مثل هذا أقوى من شهادة الفطن واتفاق الطبائع- مثل اختلافها وتشعب طرقها- على الميل إليه.
69- عليّة بنت المهدي
«3»
ضربت عليها الخلافة سرادقها، ونصبت لها المهلة نمارقها، وأسبلت دونها
الحجب المنيعة، وأسدلت بين أخصاء الخدم وبينها الستور الرفيعة، وكان الرشيد شديد الغيرة عليها، والغيلة لمن أومأ بنظره إليها، هذا حاله مع خدم الدار «1» ، وحرم من آواه»
حرم ذلك الجدار، فأما من سواهم، فلا يقع عليها مقل النجوم نظر ناظر، ولا يمر من خاطر النسيم على ذكر ذاكر، إجلالا لمكانها، وإجفالا من رقباء الرشيد الطائفة بأركانها، ثم هتكت بالغناء سترها الرفيع، وهونت حجابها المنيع، فعرضت عرضها «3» للتشنيع، وعرضت عرضها للتضييع، ولم يغنها أن أخلدت إلى هذه الصناعة، ورمت مالها بالإضاعة [ص 205] ، حتى صارت تظهر لأهل الغناء، وتختلط بمن يؤهل من قومه المهناء، فأصبحت لا تعد في ذوات الستور، ولا تعاب إلا بما تحمد به البدور من السفور، وإنما أمها بصبص، وحق سرها فيها قد حصحص، وكانت هي وأخوها إبراهيم أقدر أخوين على الغناء، وأقوم رسيلين بالغناء كانت كأنما أعطيت مزمارا من مزامير داود، أو حركت أوتارا ركبت في لهواتها لا في العود، على كمال أدب بارع، وظرف إلى هز المعاطف مسارع، مع جمال تنقبت بنقابه وكمال تجلببت بجلبابه، ورقة خلائق كان نشر الصبا يدمثها، ودقة معان كان صوت اليراع ينفشها، وكان الرشيد لا يقدر على فراقها لسماع تلك الأغاريد، وإمتاع ذلك اللسان الحلو بلقائط تلك الأناشيد، وكان لا يتم سروره الا بحضورها، ولا يعم حبوره إلا إذا برزت نحوه من ستورها.
قال محمد بن إسماعيل بن موسى الهادي، كنت عند المعتصم وعنده مخارق وعلوية ومحمد بن الحارث بن بسخنر وعقيد، وكنت أضرب عليه فغنى:«4» [المديد]
نام عذالي ولم أنم
…
واشتفى الواشون من سقمي
وإذا ما قلت بي ألم
…
شك من أهواه في ألمي
فطرب المعتصم وقال: لمن هذا الشعر، فأمسكوا، فقلت: لعلية، فأعرض عني، فعرفت غلطي، وأن القوم أمسكوا عمدا، فقطع بي «1» ، وتبين حالي، فقال: لا ترع يا محمد، فإن نصيبك منها مثل نصيبنا.
قال إسحاق الموصلي: عملت في أيام الرشيد لحنا: «2» [البسيط]
سقيا لأرض إذا ما نمت نبهني
…
بعد الهدوء بها قرع النواقيس «3»
كأن سوسنها في كل شارقة
…
على الميادين أذناب الطواويس
قال: فأعجبني وعزمت على أن أباكر به الرشيد، فلقيني في طريقي خادم لعلية بنت المهدي، فقال: مولاتي تأمرك بدخول الدهليز لتسمع من بعض جواريها [ص 206] صوتا أخذته عن أبيك، وشكّت فيه الآن، فدخلت معه حجرة قد أفردت لي كأنها كانت معدة، فجلست وقدم لي طعام وشراب، فنلت حاجتي منهما، ثم خرج إليّ خادم فقال: تقول مولاتي، أنا أعلم أنك قد غدوت إلى أمير المؤمنين بصوت قد أعددته له محدث، فأسمعنيه ولك جائزة سنية، فغنيتها إياه ولم [تزل] تستعيده مرارا، ثم قالت: اسمعه الآن، فغنته غناء ما سمع سمعي مثله قط، ثم قالت: كيف تراه؟ قلت: أرى والله ما لم أر مثله، ثم أمرت جارية فأخرجت لي عشرين ألف درهم، وعشرين ثوبا، فقلت: هذا ثمنه، وأنا الآن داخلة إلى أمير المؤمنين ولم أبدأ بغناء غيره، وأخبره أنه صنعتي، وأعطي الله عهدا لئن نطقت بأن لك فيه صنعة لأقتلنّك، هذا إن نجوت منه إن علم بمصيرك إليّ،
فخرجت من عندها، والله إني كالموقر «1» بما أكره من جائزتها أسفا على الصوت، فما جسرت والله بعد ذلك أن أتنغّم به في نفسي فضلا عن أن أظهره حتى ماتت.
فدخلت على المأمون في أول مجلس جلس به للهو بعدها، فبدأت به في اول ما غنيت، فتغير وجه المأمون، وقال: من أين لك هذا ويلك؟ قلت: ولي الأمان على الصدق، قال: ذلك لك، فحدثته الحديث، فقال: يا بغيض، فما كان لك في هذا من التعاسة حتى شهرته، وذكرت هذا منه، مع ما أخذته من الجائزة. وهجنني «2» فيه هجنة وددت معها أنني لم أذكره، فآليت على نفسي ألا أغنيه بعدها أبدا.
قال: أهديت للرشيد جارية في غاية الجمال والكمال، فخلا معها يوما، وأخرج كل قينة في داره واصطبح، فكان من حضر من جواريه للغناء والخدمة والشراب زهاء ألفي جارية في أحسن زي، وفي كل نوع من أنواع الجواهر والثياب، واتصل الخبر بأم جعفر، فغلظ عليها ذلك، فأرسلت إلى علية تشكو إليها، فأرسلت إليها علية: لا يهولنك ما رأيت، والله لأردنه إليك، قد عزمت أن أصنع شعرا، وأصوغ فيه لحنا، وأطرحه على الجواري فلا تبقى عندك جارية إلا بعثت بها إلي، وألبسيهن أنواع الثياب، ليأخذن الصوت مع جواري [ص 207] ففعلت أم جعفر ما أمرتها به علية، فلما جاوزت صلاة العصر لم يشعر الرشيد الا وعلية قد خرجت إليه من حجرتها، معها زهاء ألفي جارية من جواريها وسائر جواري القصر، عليهن غرائب اللباس، وكلهن في لحن واحد هزج:«3» [مجزوء الرجز]
منفصل عني وما
…
قلبي عنه منفصل
يا قاطعي اليوم لمن
…
نويت بعدي أن تصل
فطرب الرشيد وقام على رجليه حتى استقبل أم جعفر وعلية وهو على غاية السرور، وقال: لم أر كاليوم قط، يا مسرور، لا تبقين اليوم درهما في بيت المال الا نثرته، وكان مبلغ ما نثر يومئذ ستة آلاف ألف درهم.
قال: كانت علية تقول: [من] لم يطربه الرمل لم يطربه شيء، وكانت تقول: من أصبح وعنده طباهجة «1» ولم يصطبح ضاع سروره.
قال إبراهيم بن المهدي: ما خجلت قط خجلتي من علية بنت المهدي، حين دخلت إليها يوما، فقلت لها: كيف أنت يا أختي جعلت فداك، وكيف حالك وخبرك؟ فقالت: بخير والحمد لله، ووقعت عيني على جارية لها كانت تذب عنها «2» ، فتشاغلت بالنظر إليها وأعجبتني، وطال جلوسي ثم استحييت من علية، فأقبلت عليها فقلت لها: كيف أنت وكيف حالك جسمك «3» جعلت فداك؟ فرفعت رأسها إلى حاضنة لها وقالت: أليس قد مضى هذا وأجبنا عنه؟
فخجلت خجلا ما خجلت مثله قط، وقمت وانصرفت.
قال محمد بن جعفر بن يحيى: شهدت أبي جعفرا وأنا صغير، وهو يحدث أباه يحيى بن خالد في بعض ما كان يخبره به من خلواته مع الرشيد، فقال: يا أبت، أخذ بيدي أمير المؤمنين، ثم أقبل في حجرة يخترقها حتى انتهى إلى حجرة مغلقة، ففتحها بيده ودخلنا جميعا، فأغلقها من داخل بيده، ثم صرنا إلى رواق ففتحه، وفي صدره مجلس مغلق، فقعد على باب المجلس، فنقر الباب [ص 208] فسمعنا حسنا، ثم أعاد النقر، فسمعنا صوت عود، ثم أعاد الثالثة
فغنت جارية ما ظننت أن الله تعالى خلق مثلها في حسن الغناء، وجودة الضرب، فقال أمير المؤمنين لها بعد أن غنت أصواتا: غني صوتي، فغنت «1» :[الكامل]
ومخنث شهد الزفاف وقبله
…
غنى الجواري حاسرا ومنقبا
لبس الدلال وقام ينقر دفه
…
نقرا أقر به العيون وأطربا
إن النساء رأينه فعشقنه
…
فشكون شدة ما بهن فأكذبا «2»
قال: فطربت والله طربا هممت معه أن أنطح برأسي الحائط، ثم قال: غنني، فغنت:«3» [المديد]
طال تكذيبي وتصديقي
…
لم أجد عهدا لمخلوق
لا تراني بعدهم أبدا
…
أشتكي عشقا لمعشوق
قال: فرقص الرشيد ورقصت معه، ثم قال: امض بنا فإنني أخشى أن يبدو منا ما هو أكثر من هذا، فمضينا فلما صرنا إلى الدهليز، قال: وهو قابض على يدي: عرفت هذه المرأة؟
قلت: لا يا أمير المؤمنين، قال: فإني أعلمك ستسأل عنها فلا تكتم ذلك، وأنا أخبرك بها، هذه علية بنت المهدي، وو الله لئن لفظت به بين يدي أحد وبلغني لأقتلنك، قال:
فسمعت جدي يقول له، قد والله لفظت به، وو الله لأقتلنك «4» فاصنع ما أنت صانع.
ومن شعرها في طلّ: «1» [الكامل]
يا رب إني قد غرضت بهجرها
…
وإليك أشكو ذاك يا رباه
مولاة سوء قد تضر بعبدها
…
نعم الغلام وبئست المولاه
طلّ ولكني حرمت نعيمه
…
وهواه إن لم يغنني الله «2»
يا رب إن كانت حياتي هكذا
…
ضرّا عليّ فما أحب حياه
قال: ماتت علية سنة تسع ومئتين، ولها من العمر خمسون سنة، وصلى عليها المأمون، وكان سبب وفاتها أن المأمون يوما ضمها إليه وجعل يقبل رأسها، وكان وجهها مغطى، فشرقت من ذلك وسعلت ثم حمت بعقب هذا أياما يسيرة وماتت.
وكانت تحب خادما لها اسمه طل فأقصاه الرشيد [ص 209] عنها خلافا لمرادها، وأقصدها من فراقها بسهم لم يخط صميم فؤادها فأبعده إلا عن موضعه من حبها، وأخرجه إلا من مكانه من قلبها، وإنما أظهرت التجلد لأجله، وأبدت التثبت خوفا أن يسبق السيف لعذله، فلم تتمكن بعد أن نفض عن ستورها سقيط طلّه إلا أن تجمع بالبكاء طلها بوبله، فبلغ الرشيد ولعها بتذكره، ودمعها الباكي على ساقط الطل في ثغر الأقحوان الضاحك، فقويت عزيمتها على الطرب، وإن كان مر المذاق، وتماسكت، وما عسى أن يتماسك المشتاق، فدخل الرشيد عليها يوما وهي تقرأ:«فإن لم يصبها وابل فطل» «3» ، فقالت: فإن لم يصبها وابل فما نهى أمير المؤمنين عنه، فقال لها: يا علية ولا في القرآن، ثم أذن له فيما بعد أن يكون بمكانه من بابها في جملة الخدم، ولا يتأخر عنهم ولا
يتقدم، فكان على ذلك وهي أشدّ ما كانت به ولوعا، وإليه نزوعا، تتشكى الظمأ، ولا ترى الماء إلا ممنوعا «1» ، ومضت عليها أيام لا تراه، فمشت على ميزاب مخاطرة في هواه، فلما وصلت إليه أنشدت من حرقتها عليه:«2» [الكامل]
قد كان من كلّفته زمنا
…
يا طل من وجد بكم يكفي
حتى أتيتك زائرا عجلا
…
أمشي إلى حتفي على حتفي
وقالت في طل وصحفت اسمه: «3» [الطويل]
أيا سروة البستان طال تشوقي
…
فهل لي إلى ظل إليك سبيل
متى يلتقي من ليس يقضى خروجه
…
وليس لمن يهوى إليه سبيل
وكانت لأم جعفر جارية يقال لها طغيان، فوشت بعلية إلى رشأ وقالت عنها ما لم تقل، فقالت علية فيها:«4» [الطويل]
لطغيان خف مذ ثلاثين حجة
…
جديد فلا يبلى ولا يتخرّق
وكيف بلى خف هو الدهر كله
…
على قدميها في السماء معلق
فما خرقت خفا ولم تبل جوربا
…
وأما سراويلاتها فتمزق
ومن شعرها وقولها: «5» [ص 210][المديد]
نام عذالي ولم أنم
…
واشتفى الواشون من سقمي
وإذا ما قلت بي ألم
…
شك من أهواه في ألمي
وقولها وقد خرجت مع أخيها الرشيد: «1» [الطويل]
ومغترب بالمرج يبكي لشجوه
…
وقد غاب عنه المسعدون على الحب «2»
إذا ما أتاه الركب من نحو أرضه
…
تنشق يستشفي برائحة الركب
وقولها: «3» [الطويل]
وأحسن أيام الهوى يومك الذي
…
تروع بالهجران فيه وبالعتب
ومنه قولها: «4» [مجزوء الكامل]
اشرب على وجه الغزال
…
الناعم الحلو الدلال «5»
اشرب عليه وقل له
…
يا غلّ ألباب الرجال
وقولها: «6» [مجزوء الرجز]
منفصل عني وما
…
قلبي عنه منفصل
يا قاطعي اليوم لمن
…
نويت بعدي أن تصل؟