الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد اقتصر الغزالي في "المستصفى"(1) في بيان معنى تحقيق المناط على ضرب أمثلةٍ لهذا النوع، ثم قال:" فلنعبِّر عن هذا الجنس بـ" تحقيق مناط الحُكْم "؛ لأن المناط معلومٌ بنصٍّ أو إجماعٍ لا حاجة إلى استنباطه، لكن تعذَّرت معرفته باليقين، فاسُتُدِلَّ عليه بأماراتٍ ظنية، وهذا لا خلاف فيه بين الأُمَّة، وهو نوع اجتهاد .. "(2).
ولهذا فقد صرَّح ابن قدامة (3) والطُّوفي (4) وابن بدران (5) أن هذا النوع لا يُعْتَبر من القياس؛ لأن تحقيق المناط اجتهادٌ أعمُّ من القياس.
النوع الثاني: أن تُعْرَف عِلَّة الحُكْم في الأصل بنصٍّ أو إجماع، فيتبين المجتهدُ وجودَها في الفرع.
ومثاله: أن يقال:
الطواف عِلَّةٌ لطهارة الهِرة، بناءً على قوله صلى الله عليه وسلم:" إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عيكم والطوافات"(6)، والطواف موجودٌ في الفأرة ونحوها من صغار الحشرات، فإثبات وجود عِلَّة حُكْم الأصل -وهي: الطواف- في الفأرة ونحوها من صغار الحشرات، يطلق عليه مُسمَّى:"تحقيق المناط".
وقد اكتفى ابن قدامة في بيان معنى تحقيق المناط بذكر هذين النوعين مع ضرب الأمثلة عليها، دون أن يضع تعريفاً لهذا الاصطلاح (7).
التعريف الرابع:
عرَّفه ابن تيمية بقوله: "أن يعلِّق الشارع الحُكْمَ بمعنىً كليٍّ فينظر في
(1) ينظر: (3/ 485 - 487).
(2)
المستصفى: (3/ 487).
(3)
ينظر: روضة الناظر (3/ 802 - 803).
(4)
ينظر: شرح مختصر الروضة (3/ 236).
(5)
ينظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (302 - 303).
(6)
سبق تخريجه: (46).
(7)
ينظر: روضة الناظر (3/ 801 - 803).
ثبوته في بعض الأنواع أو بعض الأعيان " (1).
وهذا التعريف يشمل صورتين كما ظهر لي من خلال تتبع الأمثلة التي أوردها ابن تيمية وأطلق عليها مُسمَّى: " تحقيق المناط "، وهما على النحو الآتي:
الصورة الأولى: إدخال قضية معينةٍ تحت حُكْمٍ كليٍّ عام، وقد أوضح ذلك بقوله:" والناس كلهم متفقون على الاجتهاد والتفقه الذي يُحْتاج فيه إلى إدخال القضايا المعينة تحت الأحكام الكلية العامة التي نطق بها الكتاب والسُّنَّة، وهذا هو الذي يُسمَّى تحقيق المناط "(2).
ثم ضرب على ذلك أمثلةً منها: الاجتهاد في تعيين القبلة عند الاشتباه، والاجتهاد في عدل الشخص المُعَيَّن، والاجتهاد في مقدار النفقة بالمعروف للمرأة المُعَيّنة، والمِثْل لنوع الصيد أو للصيد المُعَيَّن (3).
وقال رحمه الله: " ومما يوضح هذا أن الشرائع جاءت بالأحكام الكلية مثل إيجاب الزكوات وتحريم البنات والأخوات، ولا يمكن أمرُ أحدٍ بما أمره الله به ونهيه عما نهاه الله عنه إن لم يعلم دخوله في تلك الأنواع الكلية، وإلا فمجرد العلم بها لا يمكن معه فعل مأمورٍ ولا ترك محظورٍ إلا بعلمٍ معينٍ بأن هذا المأمور داخلٌ فيما أمر الله به، وهذا المحظور داخلٌ فيما نهى الله عنه، وهذا الذي يُسمَّى تحقيق المناط "(4).
الصورة الثانية: إثبات مقتضى لفظٍ عامٍّ في بعض أفراده.
وقد مثَّل رحمه الله لذلك بلفظ: " الخمر " و " الميسر " و " الرِّبا "، ونحو ذلك من الألفاظ العامة التي يحتاج المجتهد في العمل بمقتضاها إلى إثبات معانيها في الأفراد الداخلة تحتها.
(1) مجموع الفتاوى: (19/ 16).
(2)
المرجع السابق: (7/ 336).
(3)
ينظر: المرجع السابق: (7/ 336 - 337)، (13/ 61)، (13/ 111).
(4)
المرجع السابق: (7/ 336).