الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني عشر
إسقاط الجنين المشوَّه خِلْقياً
الجنين هو: الولد مادام في بطن أُمِّه مستتراً ، والمراد به الكائن المتخلِّق من الحيوان المنوي للرجل والبويضة للمرأة داخل الرَّحِم (1).
والإسقاط هو: إلقاء المرأة جنينها قبل أن يستكمل مدة الحمل، وقد استبان بعضُ خلقه ، سواءٌ كان ذلك بفعلٍ منها كاستعمال دواءٍ أو بفعلٍ من غيرها (2).
والتشوهات الخِلْقية التي يتعرض لها الجنين تنقسم إلى ثلاثة أنواع: (3)
النوع الأول: تشوهاتٌ لاتؤثر على حياة الجنين ، كالعمى والصمم والبكم.
…
النوع الثاني: تشوهاتٌ يمكن أن يعيش معها الجنين بعد الولادة ، كمن يولد بكِلْيةٍ واحدة، وبعضها يمكن إصلاحه بعد الولادة كبعض تشوهات المعدة والأمعاء.
النوع الثالث: تشوهاتٌ خطيرةٌ لايُرْجَى للجنين معها حياةٌ بعد الولادة ، كانسداد الحنجرة مما يمنع دخول الهواء للرئتين، وانسداد مجرى الهواء بين الأنف والحنجرة.
(1) ينظر: لسان العرب (13/ 92) ، مفردات ألفاظ القران للراغب الأصفهاني (204) ، الجامع لأحكام القران الكريم للقرطبي (17/ 110)، حاشية ابن عابدين (6/ 578) ، خلق الإنسان، للدكتور محمد البار (191 - 200).
(2)
ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (195)، القاموس الفقهي (174).
(3)
ينظر: الموسوعة الطبية (259 - 263).
وهذه التشوهات الخِلْقية التي تحدث للجنين لها عدة أسبابٍ من أهمها: (1)
- تعرُّض الحامِل في الأشهر الأولى للإشعاعات المباشرة، لاسيما منطقة البطن والحوض.
- تناول العقاقير والمواد الكيماوية التي تضرّ الجنين أثناء الحمل ، وتؤدي إلى تشوهات جسميةٍ وذهنيةٍ بسبب ما تحدثه من تغييرٍ كيمائيٍّ في الدم.
- الإدمان على الكحول والمخدرات التي بدورها تؤثر على الحيوانات المنوية والبويضات، ويؤدي ذلك إلى حدوث تشوهاتٍ للجنين في الدماغ والقلب.
- وجود تشوهات خِلْقية في أصل الحيوانات المنوية أو البويضات ،كالخلل في الكروموسومات من حيث الشكل أو الحجم.
فإذا كانت التشوهات الخِلْقية التي تحدث للجنين كما تقدمت أنواعها وأسبابها فهل يجوز إجراء عملية إسقاطٍ للجنين إذا ثبت طبياً من خلال الفحوصات تعرُّض
الجنين لبعض تلك التشوهات في مراحل تخلُّقه؟
لقد بحث مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذه المسألة في دورته الثانية عشرة عام 1410 هـ، وبعد الاستماع إلى الأبحاث المقدمة حول الموضوع، والمناقشات التي دارت حوله، قرَّر مايأتي: " - إذا كان الحمل قد بلغ مائةً وعشرين يومًا، فلا يجوز إسقاطه، ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوَّه الخِلْقة، إلا إذا ثبت بتقرير لجنةٍ طبيةٍ من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الحمل فيه خطرٌ مؤكدٌ على حياة الأم، فعندئذٍ يجوز إسقاطه، سواء أكان مشوَّهًا أم لا، دفعًا لأعظم الضررين.
- قبل مرور مائةٍ وعشرين يومًا على الحمل، إذا ثبت وتأكد بتقرير لجنةٍ طبيةٍ من الأطباء المختصين الثقات-وبناءً على الفحوص الفنية، بالأجهزة
(1) ينظر: المرجع السابق (293 - 297).
والوسائل المختبرية- أن الجنين مشوَّه تشويهًا خطيرًا، غير قابلٍ للعلاج، وأنه إذا بقي وولد في موعده، ستكون حياته سيئة، وآلامًا عليه وعلى أهله، فعندئذٍ يجوز إسقاطه بناءً على طلب الوالدين " (1).
ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المسألة فيما يأتي:
أولاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط التصور التام لمحلِّ الحكم ، ومن أهم الأمور المعينة على ذلك الرجوع إلى أهل الخبرة في كل شيئٍ بحسبه.
وقد راعى مجلس المجمع الفقهي هذا الضابط في تصور حقيقة التشوهات الخِلْقية التي يتعرض لها الجنين وأنواعها وأسبابها ،وذلك بالرجوع إلى الأطباء المختصين الثقات ، حيث ورد في القرار ما نصُّه:" وبعد مناقشته من قبل هيئة المجلس الموقرة، ومن قبل أصحاب السعادة الأطباء المختصين، الذين حضروا لهذا الغرض .. ".
كما ربط المجلس جواز إسقاط الجنين في حالة ثبوت خطرٍ من بقائه على حياة الأم بصدور تقريرٍ من لجنةٍ طبيةٍ تضم الثقات من الأطباء المختصين يؤكد أن بقاء الجنين قد يتسبب في إزهاق حياة الأم، حيث ورد في القرار ما نصُّه:" .. إلا إذا ثبت بتقرير لجنةٍ طبية، من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الحمل فيه خطرٌ مؤكدٌ على حياة الأم، فعندئذٍ يجوز إسقاطه، سواء أكان مشوَّهًا أم لا .. ".
فإذا صدر تقريرٌ يفيد ذلك عن أطباء ثقاتٍ مختصين فحينئذٍ يتحقق مناط جواز إسقاط الجنين في هذه الحالة ، وهو من باب تحقيق المناط بالاعتماد على قول أهل الخبرة.
وكذلك أيضاً في الحالة الأخرى التي خلص القرار فيها إلى جواز إسقاط الجنين ، وهي الحالة التي لم يبلغ فيها الجنين مائةً وعشرين يوماً ،
(1) قرارات المجمع الفقهي الإسلامي: (277).
وثبت بتقرير الأطباء المختصين أن الجنين تعرَّض لتشوُّهٍ خطيرٍ غير قابلٍ للعلاج، وأنه إذا بقي وولد في موعده، ستكون حياته سيئة، وآلامًا عليه وعلى أهله.
فإذا ثبت ذلك بتقرير الأطباء الثقات المختصين فحينئذٍ يتحقق مناط جواز إسقاط الجنين في هذه الحالة أيضاً ، وهو من تحقيق المناط بالاعتماد على قول أهل الخبرة.
ثانياً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط الموازنة بين المصالح والمفاسد أثناء اجتماعها في محلِّ الحكم كما تقدم (1).
وقد راعى مجلس المجمع الفقهي هذا الضابط في الحالة التي يكون فيها الجنين قد بلغ مائةً وعشرين يوماً ، وأثبت فريقٌ من الأطباء المختصين الثقات أنه تعرَّض لتشوُّهٍ خطير ، وأن بقاءه يهدد حياة الأم ، ففي هذه الحالة تمت الموازنة بين مفسدة إسقاط الجنين وقد بلغ مائة وعشرين يوماً ، وبين مفسدة إزهاق روح الأم ، فقرر المجلس في هذه الحالة جواز إسقاط الجنين حمايةً لحياة الأم التي هي الأصل، وذلك من باب دفع أشد الضررين بارتكاب أخفهما ، كما أن حياة الأم في هذه الحالة متيقنة، وبقاء هذا الجنين حياً بعد الولادة أمرٌ مشكوك فيه.
ثالثاً: ثبت بنصِّ السُّنَّة أن نفخ الروح في الجنين إنما يكون بعد مضي مائةٍ وعشرين يوماً على الحمل، كما جاء ذلك في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق، فقال:" إنَّ أحدكم يُجْمَع خلْقُه في بطن أُمِّه أربعين يوماً نطفة، ثم علقةً مثل ذلك، ثم مضغةً مثل ذلك ، ثم يُرسَل إليه الملَك فينفخ فيه الروح .. "(2).
وبناءً على ذلك فقد أناط مجلس المجمع الفقهي تحريم إسقاط الجنين
(1) ينظر: (245 - 256).
(2)
أخرجه البخاري في "صحيحه" ، كتاب بدء الخلق ، باب ذكر الملائكة ، رقم (3208) ، وأخرجه مسلم في "صحيحه" ، كتاب القدر ، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه ،رقم (2643).
ولو كان مشوَّهاً خِلقياً ببلوغه مائةً وعشرين يوماً في بطن أمِّه ، حيث ثبت عن الصادق المصدوق نفخ الروح فيه بعد مضي أربعة أشهر ، فلايجوز التعدي على هذه الروح وإزهاقها، وذلك لأن الجنين بعد نفخ الروح أصبح نفسًا محترمة، يجب صيانتها والمحافظة عليها ، حتى وإن ثبت بتقريرٍ طبيٍّ أنه قد تعرَّض لتشوُّهٍ خِلْقي، مالم يكن في بقائه إزهاقٌ لروح أمِّه.
كما أناط مجلس المجمع الفقهي جواز إسقاط الجنين المشوَّه تشويهاً خطيراً بعدم بلوغه مائةً وعشرين يوماً في بطن أمِّه ، حيث لم تنفخ فيه الروح بعد حسب ما أفاده النصُّ الصريح في الحديث المتقدم ، ولأنه إذا بقي وولد في موعده، ستكون حياته سيئة، وآلامًا عليه وعلى أهله.