الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تقديرٍ ولا تقييد، فوجب ردُّه إلى العُرْفِ لو لم يردُّه إليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فكيف وهو الذي ردَّ ذلك إلى العُرْف، وأرشد أُمَّتَه إليه؟ ومن المعلوم أن أهل العُرْفِ إنما يتعارفون بينهم في الإنفاق على أهليهم .. ولو كانت مقدَّرَةً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم هنداً أن تأخذ المُقدَّر لها شرعاً، ولَمَا أمرها أن تأخذ ما يكفيها من غير تقدير، وردَّ الاجتهاد في ذلك إليها .. " (1).
وبهذا يكون العُرْفُ من المسالك التي يعتمد عليها المجتهد في تحقيق مناطات الأحكام الشرعيَّة المطلقة التي ليس لها حدٌّ في الشرع ولا في اللغة، وإذا تغيَّرت تلك الأعراف تغيَّرت أحكامها، وهذا جارٍ في جميع أبواب الفقه التي تترتب أحكامها على العوائد.
قال القرافي: " أجمعوا على أن المعاملات إذا أُطْلِقَ فيها الثمن يُحمَل على غالب النقود، فإذا كانت العادة نقداً مُعَيَّنا حملنا الإطلاق عليه، فإذا انتقلت العادة إلى غيره عيَّنا ما انتقلت العادة إليه، وألغينا الأول؛ لانتقال العادة عنه، وكذلك الإطلاق في الوصايا، والأيمان، وجميع أبواب الفقه المحمولة على العوائد إذا تغيَّرت العادة تغيَّرت الأحكام في تلك الأبواب"(2).
المسلك الثالث: الحِسّ
.
وهو: أن يدلَّ الحِسُّ على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده.
والحِسُّ يشمل: النظر، والسمع، والشَّم، واللمسّ، والذوق، وتُسمَّى "الحواس الخمس".
ويُعْتَبر الحِسُّ من المسالك التي يعتمد عليها المجتهد في تحقيق مناطات الأحكام فيما يُدْرك ثبوت المناط فيه بالوقوف على أوصاف حِسِّية (3).
قال الغزالي: " .. ويُعْرَفُ -أي: وجود المناط في الفرع- تارةً بالحِسِّ إن كان الوصف حسِّياً"(4).
(1) زاد المعاد: (1/ 439).
(2)
الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: (219).
(3)
ينظر: شفاء الغليل (436 - 437)، أساس القياس (41 - 42).
(4)
شفاء الغليل: (436).
ومن الأمثلة التي توضح ذلك ما يلي:
- مثال كون النظر مسلكاً في تحقيق مناط الحُكْم: أن مناط وجوب صوم رمضان هو دخول الشهر، ويتحقُّق مناط هذا الحُكْم برؤية الهلال أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً (1).
- ومثال كون السمع مسلكاً في تحقيق مناط الحُكْم: أن مناط إرث المولود هو حياته، ويتحقق مناط هذا الحُكْم بصراخه (2).
- ومثال كون الشمِّ مسلكاً في تحقيق مناط الحُكْم: أن مناط إقامة الحدِّ على شارب الخمر هو شرب المسكر، ويتحقق مناط هذا الحُكْم بشمِّ رائحة الفمّ عند الإمام مالك (3) رحمه الله أو الإقرار أو البينة، وعند الجمهور لا يجب الحدّ بوجود رائحة الخمر في فِيه، بل لابدَّ من الإقرار أو البينة (4).
- ومثال كون اللمس مسلكاً في تحقيق مناط الحُكْم: أن مناط تحريم لبس الحرير على الرجال هو كون الملبوس مصنوعاً من الحرير، ويتحقق مناط هذا الحُكْم بلمس ذلك اللباس وتقليبه (5).
- ومثال كون الذوق مسلكاً في تحقيق مناط الحُكْم: أن مناط صحة الوضوء بالماء كونه مطلقاً باقٍ على أصل خلقته لم يتغيَّر بنجاسة، وقد يتحقق مناط هذا الحُكْم بتذوق طعم الماء (6).
وبهذا يتبيَّن أن الحسَّ من المسالك التي يُعْتَمَد عليها في تحقيق مناطات
(1) ينظر: المجموع للنووي (6/ 375 - 377)، المغني لابن قدامة (4/ 325 - 326)، الذخيرة (2/ 488)، فتح القدير لابن الهمام الحنفي (2/ 318 - 319).
(2)
ينظر: المغني لابن قدامة (9/ 180 - 181)، مغني المحتاج للشربيني (3/ 39)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (8/ 574 - 575)، منح الجليل على مختصر الخليل (4/ 758).
(3)
هو: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة، محدِّث فقيه، أخذ عنه خلقٌ كثير، منهم الزهري والثوري والأوزاعي والشافعي، من مؤلفاته: الموطأ (ط)، وتفسير غريب القرآن، وغيرهما، توفي بالمدينة سنة (179 هـ).
ينظر في ترجمته: ترتيب المدارك (1/ 104)، الديباج المذهب (17)، الأعلام للزركلي (5/ 257).
(4)
ينظر: المجموع للنووي (22/ 264 - 265)، المغني ابن قدامة (12/ 501 - 502)، الذخيرة (12/ 200 - 201)، فتح القدير لابن الهمام الحنفي (5/ 285 - 289).
(5)
ينظر: فتح القدير لابن الهمام الحنفي (10/ 18 - 19)، جواهر الإكليل شرح مختصر خليل (1/ 43)، المجموع للنووي (3/ 418 - 185)، المغني لابن قدامة (2/ 304 - 305).
(6)
ينظر: المجموع للنووي (1/ 151 - 152)، بدائع الصنائع للكاساني (1/ 15)، المغني لابن قدامة (1/ 38)، الذخيرة (1/ 172 - 173).