الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بسدِّ الذرائع
.
يُعْتَبر دليل سدِّ الذرائع من أوثق الأدلة الشرعيَّة صِلةً بالاجتهاد في المناط ، وتظهر العلاقة الوثيقة بينهما في جوانب عديدة ، من أهمها مايأتي:
أولاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط اعتبار مآلات الأفعال والأقوال الصادرة عن المكلفين (1).
وقاعدة سدَّ الذرائع راجعةٌ في الأصل إلى اعتبار المآل.
فالأصل في سدّ الذَّرائع هو النَّظر إلى مآلات الأفعال، فيأخذُ الفعلُ حكماً يتفق مع ما يؤول إليه، سواءٌ أكان يقصد ذلك الذي آل إليه الفعل أو لا يقصده، فإذا كان الفعل يؤدي إلى مقصدٍ مطلوبٍ شرعاً فهو مُعْتَبَر، وإنْ كان يؤدي إلى خلافه فهو غير مُعْتَبَر.
وقد بنى الشاطبي قاعدة سدّ الذَّرائع على قصد الشَّارع إلى النَّظر في مآلات الأفعال سواءٌ أكانت موافقةً أو مخالِفة؛ لأنَّ المجتهد لا يحكم على فعلٍ من الأفعال الصَّادرة عن المكلّفين بالإقدام أو الإحجام إلَاّ بعد النَّظر إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل (2).
والفعل قد شُرِع إما لاستجلاب مصلحةٍ أو لدرء مفسدة ، ثم قد يكون له مآلٌ على خلاف ماقُصِد منه، فإذا أُطلق القول فيه بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدةٍ تساوي تلك المصلحة أو تزيد عليها (3).
والوسائل المشروعة في أصلها قد يترتَّب عليها في بعض الأحوال حصولُ مفسدةٍ إما قطعيةٌ أو راجحة ، فإذا كانت كذلك مَنَعَ المجتهدُ المكلَّفَ حينئذٍ من مباشرتها قولاً كانت أو فعلاً ، وسواءً قصد المكلَّفُ تلك المفسدة أو
(1) ينظر: (236 - 240).
(2)
ينظر: الموافقات: (5/ 182).
(3)
ينظر: الموافقات (5/ 177 - 178).
لم يقصدها ، وذلك عملاً بقاعدة سدِّ الذرائع في الأحكام ، وهي في الأصل نظرٌ في مآلات تلك الوسائل.
ومن الأمثلة على ذلك: مَنْعُ عمر رضي الله عنه بعضَ الصحابة من الزواج بالكتابيات مع إباحة الشرع لذلك بصريح الكتاب ،وهو قوله تعالى:{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5].
وذلك " حذراً من أن يقتدي بهم الناس في ذلك، فيزهدوا في المسلمات "(1).
فكان هذا التصرُّف الاجتهادي من عمر رضي الله عنه عملاً بقاعدة سدِّ الذرائع ، حيث نظر إلى ماسيؤول إليه الفعل من مفسدةٍ راجحةٍ لو بقي الأمر على ظاهر الإباحة ، فكان القول بمنعه في تلك الحالة أولى ، وهو من الاجتهاد في تحقيق المناط الذي من ضوابطه اعتبار مآلات الأفعال.
ثانياً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط مراعاة مقاصد المكلَّفين في التصرُّفات (2).
ومن الذرائع التي يجب سدُّها ما قصد المكلَّف فيه بالمباح التحايُّلَ على مقصود الشارع ، فينتج عن ذلك مفسدةٌ راجحة.
وقد سبقت الإشارة إلى أن سدَّ الذرائع يشمل ما قصد المكلَّف فيه المفسدة وما لم يقصد ، وأن الحيل ما قصد المكلَّف فيه المفسدة بفعل المباح، وهي مخالَفةٌ للشرع أشنع من الأولى وأقبح عياذاً بالله.
قال ابن تيمية: "الذرائع حرَّمها الشارع وإن لم يقصد بها المُحَرَّم خشية إفضائها إلى المُحْرَّم، فإذا قصد بالشيء نفسَ المُحْرَّم كان أولى بالتحريم من الذرائع"(3).
(1) جامع البيان للطبري: (3/ 715).
(2)
ينظر: (241 - 244).
(3)
الفتاوى الكبرى: (6/ 173).
وحقيقة الحيل: " تقديم عملٍ ظاهرِ الجواز لإبطال حُكْمٍ شرعيٍّ وتحويله في الظاهر إلى حُكْمٍ آخر، فمآل العمل فيها خَرْمُ قواعد الشريعة"(1).
وهي كلُّ ما تضمَّن إسقاط واجبٍ، أو استحلال محرَّمٍ، أو أدى إلى إظهار الحقِّ في صورة باطلٍ، أو إظهار الباطل في صورة حقٍّ.
قال ابن تيمية: "صارت - أي: الحيل- في عُرف الفقهاء إذا أُطلقت قُصِد بها الحيل التي يُستحلُّ بها المحارِم كحيل اليهود، وكلُّ حيلةٍ تضمَّنت إسقاط حقِّ الله، أو الآدمي، فهي تندرج فيما يُستحلُّ بها المحارِم، فإنَّ تَرْكَ الواجب من المحارِم"(2).
وقد استدل العلماء على تحريم الحيل بالكتاب والسُّنَّة وإجماع الصحابة (3).
ولاريب "أن تجويز الحيل يناقض سدَّ الذرائع مناقضةً ظاهرة، فإنَّ الشارع سدَّ الطريق إلى ذلك المحرَّم بكلِّ طريق، والمحتال يريد أن يتوسَّل إليه، ولهذا لما اعتبر الشارع في البيع والصَّرف والنكاح وغيرها شروطاً سدَّ ببعضها التذَّرع إلى الزِنا والرِّبا، وكمَّل بها مقصودَ العقود، لم يُمكِن المحتال الخروجَ عنها في الظاهر، فإذا أراد الاحتيال ببعض هذه العقود على ما منع الشارع منه أتى بها مع حيلةٍ أخرى توصِله بزعمه إلى نفس ذلك الشيء الذي سدَّ الشارع ذريعته، فلا يبقى لتلك الشروط التي تأتي بها فائدةٌ ولا حقيقة"(4).
والمكلَّف إذا احتال على الشرع لتحليل ماحرَّم الله ،أو لإسقاط ما أوجب الله ، كان مناقضاً لمصالح الشرع ،ساعياً في دين الله بالفساد.
قال ابن القيم: "الله تعالى إنما أوجب الواجبات وحرَّم المحرمات لما تتضَّمن من مصالح عباده في معاشهم ومعادهم؛ فالشريعة لقلوبهم بمنزلة الغذاء
(1) الموافقات: (5/ 187).
(2)
الفتاوى الكبرى: (6/ 106).
(3)
ينظر في الأدلة على ذلك: بيان الدليل على بطلان التحليل لابن تيمية (285 - 387) ، إعلام
…
الموقعين (5/ 70 - 93).
(4)
الفتاوى الكبرى: (6/ 181).
الذي لابدَّ لهم منه والدواء الذي لا يندفع الداء إلا به، فإذا احتال العبد على تحليل ما حرَّم الله، وإسقاط ما فرض الله، وتعطيل ما شرع الله، كان ساعياً في دين الله بالفساد من وجوه:
أحدها: إبطاله ما في الأمر المُحتال عليه من حكمة الشارع ،ونقض حكمته فيه، ومناقضته له.
والثاني: أن الأمر المُحتال به ليس له عنده حقيقة، ولا هو مقصوده، بل هو ظاهر المشروع؛ فالمشروع ليس مقصوداً له، والمقصود له هو المُحْرَّم نفسه، وهذا ظاهرٌ فيما يقصد الشارع؛ فإن المُرابي مثلاً مقصوده الرِّبا المُحْرَّم، وصورة البيع الجائز غير مقصودةٍ له، وكذلك المتحيل على إسقاط الفرائض بتمليك مالِه لمن لا يهبه درهماً واحداً حقيقةُ مقصودِه إسقاطُ الفرض، وظاهر الهبة المشروعة غير مقصودةٍ له.
الثالث: نسبته ذلك إلى الشارع الحكيم، وإلى شريعته التي هي غذاء القلوب ودواؤها وشفاؤها، ولو أن رجلاً تحيَّل حتى قَلَبَ الغذاء والدواء إلى ضدِّه، فجعل الغذاءَ دواءً والدواءَ غذاءً، إما بتغيير اسمه أو صورته مع بقاء حقيقته لأهلك الناس، فمن عمد إلى الأدوية المُسهِلة فغيَّر صورتها أو أسماءها وجعلها غذاء للناس، أو عمد إلى السموم القاتلة فغيَّر أسماءها وصورتها وجعلها أدوية، أو إلى الأغذية الصالحة فغيَّر أسماءها وصورها؛ كان ساعياً بالفساد في الطبيعة، كما أن هذا ساعٍ بالفساد في الشريعة؛ فإن الشريعة للقلوب بمنزلة الغذاء والدواء للأبدان، وإنما ذلك بحقائقها لا بأسمائها وصورها" (1).
ولهذا اعتبر الشاطبي الضابط في الحيل المْحُرَّمَة ماعاد على مقاصد الشرع بالنقض والهدم فقال "فالحيل التي تقدَّم إبطالها وذمُّها والنهي عنها: ما هدم أصلاً شرعياً وناقض مصلحةً شرعية"(2).
(1) إعلام الموقعين: (5/ 101 - 102).
(2)
الموافقات: (3/ 124).
ومن الأمثلة على ذلك: من كان في يده نصاب زكاةٍ فباعَه أو وهبَه قبل تمام الحول، ثم استردَّه، فهذه حيلةٌ مُحَرَّمَةٌ باطلة، ولا يُسْقِط ذلك عنه فرضَ الله الذي فرضه وأوعد بالعقوبة الشديدة من ضيَّعه وأهمله، فلو جاز إبطاله بالحيلة التي هي مَكْرٌ وخِداعٌ لم يكن في إيجابه والوعيد على تركه فائدة (1).
فالمجتهد في هذه الصورة اعتبر مقصود المكلَّف من تصرُّفه وتحايله على ما أوجب الله في ماله من الزكاة لإسقاطه ، فأبطل تصرُّفه ولم يُبْرِأ ذمَّتَه من الواجب الذي في مالِه؛ لأنه كان يتذرَّع بذلك الفعل لإسقاط الزكاة الواجبة عليه في ذلك المال، وهو من صور الاجتهاد في تحقيق المناط الذي من ضوابطه مراعاة مقاصد المكلَّفين في التصرُّفات سدَّاً للذرائع المفضية إلى تعطيل مقاصد الشرع في الأحكام.
قال الشاطبي: " لما ثبت أن الأحكام شُرِعت لمصالح العباد كانت الأعمال مُعْتَبَرةً بذلك؛ لأنه مقصود الشارع فيها كما تبيَّن، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافِقاً والمصلحة مخالِفة؛ فالفعل غير صحيحٍ وغير مشروع؛ لأن الأعمال الشرعيَّة ليست مقصودةً لأنفسها، وإنما قُصِد بها أمورٌ أُخَر هي معانيها، وهي المصالح التي شُرِعت لأجلها، فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات"(2).
ثالثاً: قد يتفق المجتهدون على العمل بقاعدة سدِّ الذرائع، ولكن يختلفون في تحقيق مناط هذه القاعدة في بعض الصور والجزئيات الحادثة التي قد لا يظهر فيها رجحان المصالح أو المفاسد بشكلٍ جلي ، وهو من أكثر صور الاختلاف بين المجتهدين في النوازل والمستجدات.
وتوضيح ذلك أن الذرائع منها ما يتبيَّن للمجتهد إفضاؤها للمفسدة غالباً ،
(1) ينظر: إعلام الموقعين (5/ 195).
(2)
الموافقات: (3/ 121).
ومنها ما يتبيَّن إفضاؤها للمفسدة نادراً ، ومنها ما يتبيَّن إفضاؤها للمفسدة كثيراً.
ومن الذرائع ما يُفْضِي إلى مفسدةٍ راجحة ، ومنها ما يُفْضِي إلى مفسدةٍ مرجوحة.
وإنما المُعْتَبَر في ذلك كلَّه: الذرائع التي تُفْضِي غالباً أو كثيراً إلى مفسدةٍ راجحة ، أو تفوِّت مصلحةً راجحة.
قال ابن تيمية: " الذرائع إذا كانت تُفْضِي إلى المُحْرَّم غالباً فإنه يحرِّمها مطلقاً، وكذلك إن كانت قد تفضي وقد لا تفضي لكن الطبع متقاضٍ لإفِضائها ، وأما إن كانت إنما تُفْضِي أحياناً فإن لم يكن فيها مصلحةٌ راجحةٌ على هذا الإفضاء القليل، وإلا حرَّمها أيضاً "(1).
وقال ابن القيم: " "باب سدِّ الذرائع متى فاتت به مصلحةٌ راجحةٌ، أو تضمَّن مفسدةً راجحةً لم يُلتفت إليه" (2).
ومن هنا ينشأ الخلاف بين المجتهدين في تحقيق مناط هذا الكلي على صورةٍ من الصور ، فيرى بعضهم أن الذريعة في تلك الصورة تُفْضِي للمفسدة غالباً ، وبعضهم يرى أنها تُفْضِي لمفسدةٍ ولكنها مرجوحةٌ في مقابل مصلحةٍ راجحة ، وبعضهم يرى أنها لا تُفْضِي للمفسدة غالباً ، وكلُّ ذلك من الاختلاف في تحقيق مناط سدِّ الذرائع في الصور والجزئيات الحادثة.
والوسائل إما أن تؤدي إلى مصالح محضة ،أو إلى مفاسد محضة، أو إلى مصالح ومفاسد مختلطة ،فالشارع حينئذٍ يقصد تحصيل المصالح المحضة ،ودرء المفاسد المحضة ،وتحصيل المصالح الراجحة، ودرء المفاسد الراجحة، والعبرة بالغالب.
قال الشاطبي: " فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تُفْهَم على مقتضى ما غلب، فإذا كان الغالب جهة المصلحة، فهي المصلحة المفهومة عُرْفاً، وإذا غلبت الجهة الأخرى فهي المفسدة المفهومة عُرْفاً، ولذلك كان
(1) بيان الدليل على بطلان التحليل لابن تيمية: (254).
(2)
إعلام الموقعين: (5/ 76).
الفعل ذو الوجهين منسوباً إلى الجهة الراجحة، فإن رجحت المصلحة فمطلوب، ويقال فيه: إنه مصلحة، وإذا غلبت جهة المفسدة فمهروبٌ عنه، ويقال: إنه مفسدة" (1).
وينبني على ذلك أن المجتهد إذا غلب على ظنِّه أن تلك الذريعة تُفْضِي إلى حصول مفسدةٍ راجحةٍ اعتبر سدَّها ، ومن غلب على ظنِّه أن سدَّها يُفْضِي إلى فوات مصلحةٍ راجحةٍ في مقابل مفسدةٍ مرجوحةٍ اعتبر فتحها.
لأن "سدَّ الذرائع" وإن صار لقباً يطلق عند الأصوليين على ذرائع الفساد ، إلا أنه كما تمنع الوسائل المفضية إلى مفاسد راجحةٍ فكذلك يشرع فتح الذرائع الموصلة إلى مصالح راجحة (2).
(1) الموافقات: (2/ 45).
(2)
ينظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي (449)، مقاصد الشريعة لابن عاشور (369).