الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
محمدٍ صلى الله عليه وسلم، المنقول إلينا بالتواتر، المُعْجِز بنفسه، المُتَعَبَّد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المُخْتَتَم بسورة الناس (1).
المطلب الثاني: حُجِّيَّة الكتاب
.
دليل الكتاب حُجَّةٌ مُتَفَقٌ عليها عند المسلمين كافّة، والأدلة على ذلك قطعية، ولهذا توجَّه اعتناء الأصوليين إلى البحث في دلالته على الحُكْم لا في حُجِّيته أو ثبوته؛ لأنه لا أحد من المسلمين ينكر ذلك، ومن أنكره فقد كفر بما أنزل على محمدٍ صلى الله عليه وسلم (2).
قال الشاطبي: " إن الكتاب قد تقرر أنه كليّة الشريعة، وعمدة المِلَّة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيءٍ يخالفه، وهذا كُلُّه لا يحتاج إلى تقريرٍ واستدلالٍ عليه؛ لأنه معلومٌ من دين الأُمَّة "(3).
المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بالكتاب
.
تظهر علاقة الاجتهاد في المناط بالكتاب في جوانب عديدةٍ من أهمها مايأتي:
أولا: الكتاب هو المصدر الأول الذي يجب أن يفزع إليه المجتهد في سائر أنواع الاجتهاد بمافي ذلك الاجتهاد في المناط بأنواعه الثلاثة.
(1) ينظر: المستصفى (2/ 9)، الإحكام للآمدي (1/ 215 - 216)، نهاية السول (2/ 3 - 4) البحر المحيط للزركشي (1/ 441 - 442)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 18)، شرح المحلي على جمع الجوامع (1/ 223 - 224) تيسير التحرير (3/ 3)، شرح الكوكب المنير (2/ 7 - 8)، فواتح الرحموت (2/ 9)، إرشاد الفحول (1/ 169).
(2)
ينظر: المستصفى (2/ 1)، الإحكام للآمدي (1/ 211 - 212)، شرح مختصر الروضة للطوفي (2/ 8)، البحر المحيط للزركشي (1/ 41)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (11/ 339)، التحبير شرح التحرير (3/ 1229)، شرح الكوكب المنير (2/ 5).
(3)
الموافقات: (4/ 144).
وذلك لأنه أصل الأدلة ، وكلُّها ترجع إليه ، فهي إما تابعةٌ له، أو متفرِّعةٌ عنه (1).
قال أبوبكر الجصاص (2): " فما بيِّنه الرسولُ فهو عن الله عز وجل ، وهو من تبيان الكتاب له؛ لأمر الله إيانا بطاعته ، واتباع أمره ، وما حصل عليه الإجماع فمصدره أيضاً عن الكتاب؛ لأن الكتاب قد دلَّ على صحة حُجِّيته الإجماع، وأنهم لا يجتمعون على ضلال ، وما أوجبه القياس واجتهاد الرأي وسائر ضروب الاستدلال من الاستحسان وقبول خبر الواحد جميع ذلك من تبيان الكتاب؛ لأنه قد دلَّ على ذلك أجمع ، فما من حُكْمٍ من أحكام الدِّين إلا وفي الكتاب تبيانه من الوجوه التي ذكرنا"(3).
وقال الغزالي " إذا حقَّقنا النظر بان أن أصل الأحكام واحد، وهو قول الله تعالى؛ إذ قول الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بحُكْمٍ ولا ملزم، بل هو مُخْبِرٌ عن الله تعالى أنه حَكَم بكذا وكذا ، فالحُكْم لله تعالى وحده، والإجماع يدل على السُّنة، والسُّنَّة على حُكْم الله تعالى "(4).
وقال الآمدي في سياق كلامه عن أنواع الأدلة: " وكلُّ واحدٍ من هذه الأنواع، فهو دليلٌ لظهور الحُكْم الشرعي عندنا به ، والأصل فيها إنما هو الكتاب ; لأنه راجعٌ إلى قول الله تعالى المشرِّع للأحكام، والسُّنَّة مُخْبِرةٌ عن قوله تعالى وحُكْمِه، ومستندُ الإجماع فراجعٌ إليهما ، وأما القياس والاستدلال فحاصله يرجع إلى التمسك بمعقول النصِّ أو الإجماع، فالنصُّ والإجماع أصل، والقياس والاستدلال فرعٌ تابعٌ لهما "(5).
(1) ينظر: قواطع الأدلة (1/ 32) ، شرح مختصر الروضة للطوفي (2/ 807)، الموافقات (4/ 182)، البحر المحيط للزركشي (1/ 441)، التجيير شرح التحرير (3/ 1231). .
(2)
هو: أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، من أهل الرأي، سكن بغداد ومات فيها، انتهت إليه رئاسة الحنفية في عصره، وخوطب ي أن يلي القضاء فامتنع، من مؤلفاته: أصول الفقه (ط)، وأحكام القرآن (ط)، توفي سنة (370 هـ).
ينظر في ترجمته: الجواهر المضيئة (1/ 220)، الفوائد البهية (28)، الأعلام للزركلي (1/ 171).
(3)
أحكام القرآن: (3/ 246).
(4)
المستصفى: (2/ 2).
(5)
الإحكام: (1/ 212).
وقال الشاطبي: " فكتاب الله تعالى هو أصل الأصول، والغاية التي تنتهي إليها أنظار النظار ومدارك أهل الاجتهاد، وليس وراءه مرمى"(1).
ولمَّا كان الكتاب هو أصل الأدلة بدأ به الأصوليون وقدَّموه على سائر الأدلة في الاعتبار والنظر (2).
ثانيا: يُعْتَبر الكتاب هو المَعين الذي لا ينضب للمعاني والأوصاف التي أنيطت بها الأحكام في الشريعة؛ لأن أكثر ورود الأحكام في القرآن جاء على وجهٍ كليٍّ يندرج تحته من الجزئيات في كلِّ زمانٍ ومكانٍ ما لا ينحصر.
قال الشاطبي: " تعريف القرآن الكريم بالأحكام الشرعيَّة أكثره كليٌّ لا جزئي، وحيث جاء جزئياً فمأخذه على الكليُّة إما بالاعتبار أو بمعنى الأصل، إلا ما خصَّه الدليل، مثل خصائص النبي صلى الله عليه وسلم"(3).
فكلُّ ما يُسْتَجَد في حياة الناس ومعاملاتهم وأحوالهم فهو مندرِجٌ تحت معنىً كليٍّ نصَّ عليه القرآنُ الكريم، أو دلَّ عليه ، علِمه من علِمه ، وجهلِه من جهلِه.
ولذلك جاء الكتاب {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] إما نصَّاً أو دلالة (4).
قال الشافعي: " فليست تنزل بأحدٍ من أهل دين الله نازلةٌ إلا وفي كتاب الله الدليلُ على سبيل الهدى فيها"(5).
وأُورِد عليه: بأن من الأحكام ماثبت بالسُّنَّة أو غيرها (6).
(1) الموافقات: (3/ 230).
(2)
ينظر: المستصفى (2/ 2) ، الإحكام للآمدي (1/ 215) ، روضة الناظر (1/ 266) ، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 8) ، البحر المحيط للزركشي (1/ 441) ، شرح المحلي على جمع الجوامع (1/ 222) ، شرح الكوكب المنير (2/ 6) ، إرشاد الفحول (1/ 169).
(3)
الموافقات: (4/ 180).
(4)
ينظر: أحكام القرآن للجصاص (3/ 246) ، الموافقات (4/ 184 - 188).
(5)
الرسالة: (1/ 20).
(6)
ينظر: قواطع الأدلة (1/ 32)، البحر المحيط للزركشي (1/ 441).
وأجيب عنه: بأن ذلك مأخوذٌ من كتاب الله في الحقيقة؛ لأن كتاب الله تعالى أوجب علينا إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفرضَ علينا الأخذ بقوله ، وحذَّرنا من مخالفته (1).
والاجتهاد في استخراج المعاني والأوصاف التي أنيطت بها الأحكام في الكتاب، وتنقيحها ، والتحقُّق من ثبوتها في الأفراد والجزئيات غير المتناهية ، من أكمل مراتب تحصيل العلم بمسائل الأحكام.
قال الشاطبي: " لابدَّ في كلِّ مسألةٍ يُراد تحصيل علمها على أكمل الوجوه أن يُلْتَفَت إلى أصلها في القرآن، فإن وُجدت منصوصاً على عينها أو ذُكِر نوعها أو جنسها؛ فذاك، وإلا فمراتب النظر فيها متعدِّدة"(2).
ثالثاً: إن مناط الحُكْم لابدَّ له من دليلٍ يشهد له بالاعتبار (3).
وهو ماعبَّر عنه الأصوليون ب "مسالك العِلَّة"، أي: الطرق الدالة على العِلَّة، وتنحصر في ثلاثة أنواع: النصّ، والإجماع، والاستنباط (4).
والنصُّ يشمل الكتاب والسُّنَّة وهو نوعان:
النصُّ الصريح في التعليل، وهو:" أن يُذْكَر دليلٌ من الكتاب أو السُّنَّة على التعليل بالوصف بلفظٍ موضوعٍ له في اللغة من غير احتياجٍ فيه إلى نظرٍ واستدلال "(5).
قال الآمدي: " وهو قسمان: الأول: ما صرَّح فيه بكون الوصف عِلَّةً أو سبباً للحُكْم الفلاني، وذلك كما لو قال: العِلَّة كذا أو السبب كذا، القسم الثاني: ما ورد فيه حرفٌ من حروف التعليل كاللام، وكي، ومن، وإنَّ، والباء"(6).
(1) ينظر: المرجعين السابقين.
(2)
الموافقات: (4/ 197).
(3)
ينظر البحر المحيط للزركشي: (5/ 184).
(4)
ينظر: المرجع السابق.
(5)
الإحكام للآمدي: (3/ 317).
(6)
الإحكام: (3/ 317).
ومثاله قوله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر: 7] أي: كي لا تبقى الدُّولة بين الأغنياء، بل تنتقل إلى غيرهم ، فعلَّل سبحانه قسمة الفيء بين الأصناف بتداوله بين الأغنياء دون الفقراء (1).
والنصُّ الظاهر في التعليل، وهو:" كلُّ ما ينقدح حملُه على غير التعليل أو الاعتبار إلا على بُعْد"(2).
ومعناه: أن يحتمل اللفظ غير العليَّة احتمالاً مرجوحاً.
وعبَّر عنه الآمدي بمسلك "التنبيه والإيماء"(3).
وله صورٌ عديدة، منها: ترتيب الحُكْم على الوصف بفاء التعقيب والتسبيب (4).
ومثاله: كما في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38].
وهذا " يدل على أن ما رُتِّب عليه الحُكْم (بالفاء) يكون عِلَّةً للحُكْم؛ لكون (الفاء) في اللغة ظاهرةً في التعقيب، ولهذا فإنه لو قيل: " جاء زيدٌ فعمرو " فإن ذلك يدل على مجيء عمرو عقيب مجيء زيدٍ من غير مهلة، ويلزم من ذلك السببية؛ لأنه لا معنى لكون الوصف سبباً إلا ما ثبت الحُكْم عقيبه، وليس ذلك قطعاً بل ظاهراً؛ لأن (الفاء) في اللغة قد تَرِد بمعنى (الواو) في إرادة الجمع المطلق، وقد ترد بمعنى (ثم) في إرادة التأخير مع المُهْلة"(5).
قال الزركشي: " فالفاء للجزاء، والجزاء مُسْتَحَقٌّ بالمذكور السابق، وهو السرقة مثلاً؛ لأن التقدير: إنْ سَرَقَ فاقطعوه"(6).
و" القرآن وسُنَّة رسول الله مملوآن من تعليل الأحكام بالحِكَم والمصالح،
(1) ينظر: الإحكام للآمدي (3/ 318) ، البحر المحيط للزركشي (5/ 188).
(2)
البحر المحيط للزركشي: (5/ 189).
(3)
الإحكام: (3/ 319 - 320).
(4)
ينظر: الإحكام (3/ 320).
(5)
الإحكام للآمدي: (3/ 320 - 321).
(6)
البحر المحيط للزركشي: (5/ 193).
وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحِكَم التي لأجلها شَرَعَ تلك الإحكام، ولأجلها خَلَقَ تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسُّنَّة في نحو مائة موضعٍ أو مائتين لسقناها، ولكنَّه يزيد على ألف موضعٍ بطرقٍ متنوعةٍ، فتارةً يذكر لام التعليل الصريحة، وتارةً يذكر المفعول لأجله الذي هو المقصود بالفعل، وتارةً يذكر" مِنْ أجل" الصريحة في التعليل، وتارةً يذكر أداة كي، وتارةً يذكر الفاء وإنَّ، وتارةً يذكر أداة لعلَّ المتضمنة للتعليل المجرَّدة عن معنى الرجاء المضاف إلى المخلوق، وتارةً ينبِّه على السبب يذكره صريحاً، وتارةً يذكر الأوصاف المشتقَّة المناسبة لتلك الأحكام، ثم يرتِّبها عليها ترتيب المسبَّبات على أسبابها." (1).
ويُعْتَبر نصُّ الكتاب أهم المسالك الدالة على مناطات الأحكام ، وهو مقدَّمٌ على غيره من المسالك الأخرى.
" قال الشافعي رضي الله عنه: متى وجدنا في كلام الشارع ما يدل على نَصْبِه أدلةً أو أعلاماً ابتدرنا إليه، وهو أولى ما يُسْلَك "(2).
وإذا تقرَّر ماسبق ، وثبت مناط حُكْمٍ بنصِّ الكتاب كما في قوله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] لم يبق حينئذٍ إلا الاجتهاد في إثبات وجود ذلك المناط - وهو وصف السرقة- على بعض أفراده الدَّاخلة تحته ، كتحقيق أن النبَّاش سارق، فيجب عليه الحدُّ وهو القطع.
رابعاً: النصُّ من أهم المسالك المُعْتَبرة في تنقيح مناطات الأحكام، وهو يشمل نصوص الكتاب والسُّنَّة ، وما عُلِمَ من عادتهما في شرع الأحكام.
والمناط لا يتجرَّد ويتلخَّص متميزاً بحدِّه على كلِّ ما لا يُعْتَبر فيه، وجامعاً لجميع ما هو معتبرٌ فيه إلا بالتوقيف والتعريف من جهة الشارع كما تقدم بيانه (3).
(1) مفتاح دار السعادة: (2/ 22).
(2)
البحر المحيط: (5/ 186).
(3)
ينظر: (116 - 117).
قال ابن تيمية: " وهنا نوعٌ ثانٍ يُسمَّى تنقيح المناط، وهو أن يكون الشارع قد نصَّ على الحُكْم في عينٍ معيَّنة، وقد عُلِمَ بالنصِّ والإجماع أنَّ الحُكْم لا يختصُّ بها، بل يتناولها وغيرَها، فيحتاج أن ينقَّح مناط الحكم، أي يمَّيز الوصف الذي تعلَّق به ذلك الحكم، بحيث لا يُزداد عليه ولا يُنْقَص منه"(1).
ومن الأمثلة التي توضح ذلك: إلغاء الوصف الفارق وهو الذُّكورة بين العبد والأَمَة في قوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25] وذلك بحذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عليَّته وهو" الأنوثة "، وتعيين وصف " الرِّق " مناطاً للحُكْم الذي هو تشطير الحدِّ، فوجب استواؤهما فيه؛ لما عُلِمَ من عادة الشرع التسوية بين الذَّكَرِ والأنثى في ذلك (2).
خامساً: إن الكتاب من المسالك المُعْتَبرة في تحقيق مناطات الأحكام (3).
ولكن ذلك قليل جداً؛ لأن أكثر أحكام الكتاب - كما تقدَّم - كلي (4).
قال ابن تيمية: " الشرائع جاءت بالأحكام الكليَّة مثل إيجاب الزكوات وتحريم البنات والأخوات، ولا يمكن أَمْرُ أحدٍ بما أمره الله به ونهيه عما نهاه الله عنه إن لم يُعْلَم دخوله في تلك الأنواع الكليَّة، وإلا فمجرد العلم بها لا يمكن معه فعل مأمورٍ ولا ترك محظورٍ إلا بعلمٍ معينٍ بأن هذا المأمور داخلٌ فيما أمر الله به، وهذا المحظور داخلٌ فيما نهى الله عنه، وهذا الذي يُسمَّى تحقيق المناط "(5).
(1) درء تعارض العقل والنقل: (7/ 338).
(2)
ينظر: شرح تنقيح الفصول (388)، رفع النقاب عن تنقيح الشهاب (5/ 288)، نثر الورود (2/ 522)، نشر البنود (2/ 205).
(3)
ينظر: (262 - 263).
(4)
ينظر: (288 - 289).
(5)
درء تعارض العقل والنقل: (10/ 172).
سادساً: قد يثبت الحُكْم بنصِّ الكتاب دون أن يتعرَّض لمناطه نصَّاً ولا إيماءاً، فيُجْتَهَد حينئذٍ في استخراجه بأحد المسالك الاجتهادية ، كالمناسبة أو السَّبْر والتقسيم أو الدوران.
ومثاله: تحريم الخمر في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] فالآية نصٌّ صريحٌ على تحريم الخمر، ولم يتعرَّض النصُّ لبيان عِلَّة الحُكْم لا بصريح لفظٍ ولا بإيماء، فيستخرج المجتهد وصفاً ظاهراً منضبطاً وهو " الإسكار "، يحصل من ترتيب الحُكْم عليه مصلحة المحافظة على العقول، ولا يجد غيرَه من الأوصاف الصالحة للعِلِّية مثلَه ولا أولى منه، فكونه سائلاً أو بلون كذا أو بطعم كذا كلها أوصافٌ غير ملاءمةٍ للتحريم، فيعيِّن المجتهدُ وصفَ " الإسكار " مناطاً لحُكْم التحريم، ويستدِلُّ على ذلك بإظهار ملاءمته للحُكْم، وهو كون وصف "الإسكار " يحصل من ترتيب الحُكْم عليه جلب مصلحةٍ وهي حفظ العقول من الاضطراب، ولا يوجد وصفٌ غيرُه مثلُه ولا أولى منه في محلِّ الحكم (1)
سابعاً: من ضوابط تحقيق المناط الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ لأن الغرض من الاجتهاد في تحقيق المناط موافقة قصد الشارع في الأحكام ، وهذا يستلزم معرفة مراتب المصالح والمفاسد في الشرع ، ويُعْتَبر الكتاب هو منبع العلم بالمصالح والمفاسد ومراتبها؛ لأن " معظم مقاصد القرآن الأمر باكتساب المصالح وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها "(2).
وإذا كان الأمر كذلك؛ " لزم ضرورةً لمن رام الاطلاع على كليَّات الشريعةـ وطمع في إدراك مقاصدها، واللحاق بأهلها، أن يتخذه - أي: القرآن الكريم - سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مرِّ الأيام والليالي؛ نظراً وعملاً"(3).
(1) ينظر: المستصفى (4/ 620)، شفاء الغليل (145 - 146)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 239)، البحر المحيط للزركشي (5/ 219)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 273)، شرح الكوكب المنير (4/ 155).
(2)
قواعد الأحكام لابن عبدالسلام: (1/ 11 - 12).
(3)
الموافقات: (4/ 144).