الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول
حُكْم العمل بتحقيق المناط
اتفق الأصوليون على إثبات العمل بمقتضى الاجتهاد في تحقيق المناط، إذا كان المناط معلوماً ثبت بنصٍّ أو إجماعٍ، ويجتهد في تحقيقه في الفرع.
وقد حكى الإجماع على ذلك: العُكْبَري (1)، والغزالي (2)، وابن قدامة (3)، والطُّوفي (4)، والآمدي (5)، وابن السُّبْكي (6)، وابن تيمية (7)، والزركشي (8)، والمرداوي (9)، وابن النَّجار (10)، والشوكاني (11).
ومثاله فيما إذا كان المناط معلوماً بالنصِّ: وجوب استقبال القبلة، فالمناط -وهو التوجُّه إلى القبلة- معلومٌ بالنصِّ، وهو قوله تعالى:{وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144]، أمَّا إنَّ هذه جهة القبلة - مثلاً - في حالة الاشتباه فإنما يُدْرَك بالاجتهاد والأمارات الموجبة للظنِّ عند تعذُّر اليقين (12).
(1) ينظر: رسالة في أصول الفقه (1/ 81).
(2)
ينظر: المستصفى (3/ 487)، شفاء الغليل (409).
(3)
ينظر: روضة الناظر (3/ 802 - 803).
(4)
ينظر: شرح مختصر الروضة (3/ 235).
(5)
ينظر: الإحكام (3/ 380).
(6)
ينظر: الإبهاج (3/ 83).
(7)
ينظر: مجموع الفتاوى (13/ 11)، (19/ 16)، (22/ 329)، منهاج السنة النبوية (2/ 474).
(8)
ينظر: البحر المحيط (5/ 256).
(9)
ينظر: التحبير شرح التحرير (7/ 3453).
(10)
ينظر: شرح الكوكب المنير (4/ 210).
(11)
ينظر: إرشاد الفحول (2/ 920).
(12)
ينظر: المستصفى (3/ 487)، الإحكام للآمدي (3/ 379)، الإبهاج (3/ 83)، البحر المحيط للزركشي (5/ 256)، التحبير شرح التحرير (7/ 3453)، شرح الكوكب المنير (4/ 201).
ومثاله فيما إذا كان المناط معلوماً بالإجماع: وجوب المِثْل في قِيَم المُتْلَفَات، فالمناط - وهو المِثْل في القيمة - معلومٌ بالإجماع، أما المثلية في القيمة في بعض الصور الجزئية فمظنونٌ بقول المُقَوِمِين المبنيِّ على الاجتهاد والمقايسة، فمن أتلف فرساً فعليه ضمانه، والضمان هو المِثْل في القيمة، أما كون مائة درهمٍ مِثْلاً له في القيمة فإنما يُعْرَف بالاجتهاد (1).
وهذا النوع من الاجتهاد يُعْتَبر من ضرورات الشريعة؛ لأن الشارع لا يمكن أن ينصَّ على حُكْم كلِّ واقعةٍ أو شخص، فالتنصيص على عدالة كلِّ شاهد، وقدر كفاية كلِّ شخصٍ مُحَال، وإنما جاءت الشريعة بألفاظٍ كليَّةٍ وعباراتٍ مُطْلَقَةٍ تتناول أعداداً لا تنحصر (2).
قال ابن تيمية: " فهذا الاجتهاد - أي: تحقيق المناط - مما اتفق عليه العلماء، وهو ضروريٌّ في كلِّ شريعة، فإن الشارع غاية ما يمكنه بيان الأحكام بالأسماء العامة الكليَّة، ثم يُحْتَاج إلى معرفة دخول ما هو أخصّ منها تحتها من الأنواع والأعيان "(3).
والمناط إذا ثبت بنصٍّ أو إجماعٍ فالاجتهاد في تحقيقه في إحدى صوره الجزئية لا يُعْتَبر من القياس؛ لأنه نوع اجتهادٍ اتُفِقَ على العمل به بين الأُمَّة حتى عند مُنْكِرِي القياس؛ وذلك لأنَّ المناط ثبت بيقينٍ فلم يبقَ إلا الاجتهاد في إثبات محلِّه، وهذا من ضرورات الشريعة، وإلا بقيت الأحكام الشرعيَّة مقررةً في الأذهان، ولا وجود لها في الخارج (4).
(1) ينظر: المستصفى (3/ 487)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 234)، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (7/ 3044)، الإبهاج (3/ 83).
(2)
ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (82)، المستصفى (3/ 487)، روضة الناظر (3/ 803)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 235)، الإبهاج (3/ 83)، الموافقات (5/ 14)، نشر البنود (2/ 208)، نثر الورود (2/ 524 - 525).
(3)
درء تعارض العقل والنقل: (7/ 337).
(4)
ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (82)، المستصفى (3/ 487)، روضة الناظر (3/ 803)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 235 - 236)، الإبهاج (3/ 83)، البحر المحيط للزركشي (5/ 13)، التحبير شرح التحرير (7/ 3454)، شرح الكوكب المنير (4/ 202)، الموافقات (5/ 19)، إرشاد الفحول (2/ 920)، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (302).
قال الغزالي: " وهذا النوع لا خلاف بين الأُمَّة في قبوله، وهو ضرورة كلِّ شريعة؛ لاستحالة التنصيص على عدالة كلِّ شخصٍ وكفايته، وهو نوع اجتهادٍ وليس بقياس؛ لأنه لا خلاف فيه، أما القياس فقد جرى فيه الخلاف "(1).
ونقل الزركشي عن العبدري أنه نازع الغزالي بأن الخلاف ثابتٌ فيه بين من يثبت القياس وينكره؛ لرجوعه إلى القياس (2).
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن نفاة القياس لابدَّ أن يعملوا بمقتضى الاجتهاد في تحقيق المناط إذا كان المناط معلوماً بنصٍّ أو إجماع؛ لأنه لا يمكن إثبات حُكْم النوع أو العين إلا بمثل هذا النوع من الاجتهاد، وهو لا يُسمَّى قياساً عند القائلين به إذا كان المناط معلوماً ثبت بنصٍّ أو إجماع، وإن سُمِّيَ قياساً كان نزاعاً لفظياً؛ لأن من لم يصطلح على تسميته بالقياس اعتبر أن حُكْم الفرع مدلولاً عليه بدليل الأصل مشمولاً به مندرجاً تحته، لذلك أقرَّ به جماعةٌ من مُنْكِرِي القياس (3).
قال ابن بدران الدمشقي: " والحقُّ أنَّ الذين نفوا القياس لم يقولوا بإهدار كلِّ ما يُسمَّى قياساً، وإن كان منصوصاً على عِلَّته أو مقطوعاً فيه بنفي الفارق، وما كان من باب فحوى الخطاب أو لَحْنِه على اصطلاح من يُسمِّي ذلك قياساً، بل جعلوا هذا النوع من القياس مدلولاً عليه بدليل الأصل مشمولاً به مندرجاً تحته "(4).
أما إذا كان المناط عِلَّةً ثبتت بالاستنباط فقد اتفق القائلون بالقياس على
(1) شفاء الغليل: (409).
(2)
ينظر: البحر المحيط (5/ 256).
(3)
ينظر: أساس القياس (42)، درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (7/ 337)، التحبير شرح التحرير (3454)، شرح الكوكب المنير (4/ 202)، نشر البنود (2/ 208)، نثر الورود (2/ 524 - 525)).
(4)
المدخل إلى مذهب الإمام أحمد: (305).
إثبات العمل بمقتضى الاجتهاد في تحقيق المناط، حيث لا فرق في ذلك - عندهم- بين ثبوت المناط بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط (1)، إلا أن الحنفية لم يصطلحوا على تسميته بـ " تحقيق المناط " مع إثبات العمل بمقتضاه والاحتجاج به (2).
وقد يُتَصَوَّر الخلاف مع نفاة القياس - كالظاهرية - في صحة العمل به إذا كان المناط عِلَّةً ثبتت بالاستنباط، وذلك بناءً على ما ذهبوا إليه من إبطال تعليل الأحكام (3).
قال الآمدي: " ولا نعرف خلافاً في صحة الاحتجاج بتحقيق المناط إذا كانت العِلَّة فيه معلومةً بنصٍّ أو إجماع، وإنما الخلاف فيه إذا كان مُدْرَك معرفتها الاستنباط "(4).
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأنه لا اعتبار لخلاف الظاهرية في أصل العمل بالقياس، سواءً ثبتت عِلَّته بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط، وقد استقرَّ بحث الأصوليين على القول بتعليل الأحكام، والعمل بالقياس الصحيح، ولا عبرة بقول المخالف في ذلك؛ لكثرة الأدلة المتظافرة على إثبات التعليل في أحكام الشرع، وحجية دليل القياس (5).
وإذا ثبت تعليل الأحكام - كما تقدَّم (6) - فإن كثيراً من العِلَل والمعاني التي أنيطت بها الأحكام الشرعيَّة وجوداً وعدماً غير منصوصٍ أو مُجْمَعٍ عليها، فتُدْرَك حينئذٍ بمسلكٍ من المسالك الاجتهادية المُعْتَبرة، والقول بعدم جواز
(1) ينظر: المستصفى (3/ 491)، الإحكام للآمدي (2/ 379)، البحر المحيط للزركشي (5/ 257)، التلويح شرح التوضيح (2/ 162 - 163)، التحبير شرح التحرير (7/ 3453 - 3454)، شرح الكوكب المنير (4/ 200 - 201).
(2)
ينظر: التقرير والتحبير (3/ 193)، تيسير التحرير (4/ 43)، فواتح الرحموت (2/ 350).
(3)
ينظر: الإحكام لابن حزم (8/ 97 وما بعدها).
(4)
الإحكام: (3/ 380).
(5)
ينظر: المستصفى (3/ 494)، المحصول (5/ 26)، الإحكام للآمدي (4/ 9)، شرح تنقيح الفصول (385)، البحر المحيط للزركشي (5/ 16)، شرح الكوكب المنير (4/ 215)، تيسير التحرير (4/ 106).
(6)
ينظر: (154 - 155).
ذلك، والاكتفاء بالمعاني المنصوصة يفضي إلى إبطال الشرع جملةً.
قال ابن القيم (1): "وهل إبطاله الحِكَمَ والمناسباتِ والأوصافَ التي شُرِعت الأحكام لأجلها إلا إبطالٌ للشرع جملةً، وهل يمكن فقيهاً على وجه الأرض أن يتكلَّم في الفقه مع اعتقاده بطلانِ الحِكْمَة والمناسبة والتعليل وقَصْدِ الشارع بالأحكام مصالحَ العباد؟ وجناية هذا القول على الشرائع من أعظم الجنايات، فإن العقلاء لا يمكنهم إنكار الأسباب والحِكَم والمصالح والعِلَل .. "(2).
وعلى هذا فإذا ثبت المناط بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباطٍ استلزم حينئذٍ الاجتهاد في التحقُّق من وجوده في الفروع والجزئيات الحادثة، وهو ما يُطْلَق عليه مُسمَّى:" الاجتهاد في تحقيق المناط ".
ولا يؤثر في أصل العمل بهذا النوع من الاجتهاد كونُ المناط ثبت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط؛ لأنَّ المناط في هذه الصور ثبت بالدليل المعتبر من طريق الشرع، ولم يبق إلا الاجتهاد في التحقُّق من وجود ذلك المناط في بعض الصور والجزئيات التي تتجدَّد بتجدَّد الأزمنة والأمكنة والأحوال، فلا يؤثر في ذلك كون المناط مظنوناً أو معلوماً.
قال الزركشي: " إذا ظننا أو علمنا العِلَّة، ثم نظرنا وجودها في الفرع، وظننا تحقَّق المناط، فهو تحقيق المناط "(3).
وعلى هذا فلا يشترط أن تكون المقدِّمة الأولى قطعية، وهي كون المناط في حُكْم الأصل مقطوعاً به، بل يصح أن تكون المقدِّمة الأولى ظنية، لأنَّ الظنَّ يقوم مقام العِلْم - عند تعذُّرة- في وجوب العمل به (4).
ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تبيعوا البُرَّ بالبُرِّ إلا مثلاً بمثل"(5)، فإن هذا النصَّ لم يدلّ على عِلَّة تحريم الرِّبا في البُرِّ لا صراحةً ولا إيماءً، كما لم يثبت
(1) هو: شمس الدين أبو عبدالله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرعي الدمشقي الحنبلي، تتلمذ على شيخ الإسلام ابن تيمية، وانتصر له فيما صدر عنه، وهذَّب كتبه ونشر علمه وكان شوكة في نحور المخالفين من أهل البدع والزندقة، من مؤلفاته الكثيرة: إعلام الموقعين (ط)، والصواعق المرسلة (ط)، وأحكام أهل الذمة (ط)، وغيرها، توفي بدمشق سنة (751 هـ).
ينظر في ترجمته: الدرر الكامنة (3/ 400)، النجوم الزاهرة (10/ 249)، ذيل طبقات الحنابلة (2/ 447).
(2)
شفاء العليل: (205).
(3)
البحر المحيط: (5/ 257).
(4)
ينظر: البرهان (2/ 804)، أساس القياس (43)، قواعد الأحكام لابن عبدالسلام (2/ 21 - 22)، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (7/ 4043).
(5)
تقدَّم تخريجه: (49).
إجماعٌ في تعليل ذلك الحُكْم، فيُجْتَهَد في استنباط عِلَّة الحُكْم بأحد مسالك العِلَّة الاجتهادية، فيقال مثلاً: المناط في تحريم الرِّبا في البُرِّ هو " الطعم "، وقد ثبت ذلك بالظنِّ المستنِد إلى دليلٍ مُعْتَبَرٍ شرعاً في إدراك عِلَّة الحُكْم وهو مسلك السَّبْر والتقسيم (1)، والطعمُ موجودٌ في الأُرُز، فلا يجوز بيعُه إلا مِثْلاً بمِثْل (2).
فالمناط في هذا المثال ثبت بطريقٍ ظنيّ، ولم يؤثِّر ذلك في أصل العمل بالاجتهاد في تحقيق المناط وصحة الاحتجاج به؛ لأن الظنَّ يقوم مقام العِلْم في وجوب العمل به كما تقدَّم آنِفاً.
(1) ينظر: (165).
(2)
ينظر: المستصفى (3/ 490)، أساس القياس (37 - 38)، الإحكام للآمدي (3/ 381)، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (7/ 3047).