الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامس (*)
مسالك تحقيق المناط
إنَّ الكشف عن مناط الحُكْم في الأصل يُعْتَبر مقدمةً ضروريةً للتحقُّق من ثبوته في بعض أفراده، وقد اعتنى الأصوليون بالمسالك النقلية والاجتهادية للكشف عن مناط الحُكْم بَيْد أن مسالك الكشف عن ثبوت ذلك المناط في بعض أفراده لم يَحْظَ بمثل ذلك الاعتناء، ولم أظفر في مصنفات الأصوليين بشيءٍ يتعلَّق بذلك سوى بعض الدقائق واللُّمع التي سطَّرها بعض المحقِّقين كالغزالي، وعزِّ الدين
…
ابن عبدالسلام، والقرافي، والشاطبي، وابن تيمية، وابن القيم رحمهم الله جميعاً.
ويُعْتَبر الغزالي أول من أشار إلى بعض المسالك الدَّالة على ثبوت المناط في الفرع بعد ثبوته في الأصل، وذلك في موضعين:
الموضع الأول: في كتابة: " شفاء الغليل "(1) عند بحثه في برهان الاعتلال الذي هو الجمع بين الفرع والأصل برابطة العِلَّة، وأنَّ شكل هذا البرهان يرجع إلى مقدمتين ونتيجة، وبيانه أنك تقول: المغصوب مضمون، فهذه مقدمة، وتقول: العقار مغصوب، فهذه مقدمةٌ ثانية، فنتيجتهما: أنَّ العقار مضمون، وتقول: المطعوم ربوي، والسفرجل مطعوم، فالرِّبا يجري في السفرجل (2).
ثم أوضح أنَّ النزاع قد يُفْرَض في المقدِّمة الأولى مع تسليم الثانية،
(1) ينظر: (435 - 439).
(2)
ينظر: شفاء الغليل (435).
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع (الرابع)، وهو غلط
كقول الخصم: أُسَلِّمُ أنَّ السفرجل مطعوم، ولكن لا نُسَلِّم أنَّ الطعم عِلَّة الرِّبا، وقد يُسَلِّم المقدمة الأولى وينازِع في الثانية، كقوله: سَلَّمتُ أنَّ الغصب عِلَّة الضَّمان، ولكن لا نُسَلِّم وجود الغصب في العقار (1).
ثم ذكر أن النزاع إذا وقع في المقدِّمة الأولى لم تثبت إلا بالأدلة الشرعيَّة؛ لأن المُتَنَازَع فيه قضيةٌ شرعيَّة، وهو كون الطعم عِلَّةً مثلاً، فيثبت ذلك بالنصِّ أو الإيماء أو الإجماع أو المناسبة، ونحو ذلك من المسالك الشرعيَّة (2).
أمَّا إذا وقع النزاع في المقدِّمة الثانية - وهو: وجود العِلَّة في الفرع بعد تسليم كون الوصف عِلَّةً - فهذا يُعْرَف تارة بالحِسّ إن كان الوصف حِسِّياً، وقد يُعْرَف بالعُرْف، وقد يُعْرَف باللغة، وقد يُعْرَف بطلب الحِدِّ وتصور حقيقة الشيء في نفسه، وقد يُعْرَف بالأدلة الشرعيَّة النقلية (3).
وما ذكره - هنا - من الطرق التي يُسْتَدَل بها على وجود العِلَّة في الفرع هو ما أسميته: " مسالك تحقيق المناط ".
الموضع الثاني: في كتابه: " أساس القياس "(4) حيث نصَّ على أنَّ تحقيق مناط الحُكْم في فرعٍ ما يُدْرَك بأصولٍ خمسة، وهي: اللغة، والعُرْف، والنظر العقلي، كالنظر في اختلاف الأجناس والأصناف، والحِسّ، والنظر في طبيعة الأشياء وجبلتها وخاصيتها الفطرية (5).
وما ذكره الغزالي في الموضعين لا يُعْتَبر حصراً لهذه المسالك، وإنَّما اقتصاراً على أهمها، لأنَّه لا يُمْكِن حصرها ولا نهاية لها.
وقد أشار الغزالي إلى ذلك بقوله: " فهذه خمسة أصنافٍ من النظريات، وهي: اللُّغوية، والعُرْفية، والعقلية، والحِسِّية، والطبيعية، وفيه أصنافٌ أخرى
(1) ينظر: المرجع السابق (436).
(2)
ينظر: المرجع السابق.
(3)
ينظر: المرجع السابق.
(4)
ينظر: (40 - 43).
(5)
ينظر: المرجع السابق (41 - 42).
يطول تعدادها. . ." (1).
والسبب في ذلك يعود إلى أن مسالك تحقيق المناط تُعْتَبَر من أدلة وقوع الأحكام، والأدلة الدَّالة على وقوع الأحكام غير منحصرة، وقد أوضح القرافي الفرق بين أدلة مشروعية الأحكام وأدلة وقوع الأحكام فقال: " أدلة مشروعية الأحكام محصورةٌ شرعاً تتوقف على الشارع، وأدلة وقوع الأحكام هي الأدلة الدَّالة على وقوع أسبابها وحصول شروطها وانتفاء موانعها، فأدلة مشروعيتها: الكتاب، والسُّنة، والقياس، والإجماع، . . . ونحو ذلك مما قُرِّر في أصول الفقه، وهي نحو العشرين، يتوقف كلُّ واحدٍ منها على مُدْرَكٍ شرعيٍّ يدلُّ على أن ذلك الدليل نَصَبَهُ صاحب الشرع لاستنباط الأحكام، وأما أدلة وقوعها فهي غير منحصرة، فالزوال - مثلاً - دليل مشروعيته سبباً لوجوب الظهر عند قوله تعالى:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78]، ودليل وقوع الزوال وحصوله في العالَم الآلاتُ الدَّالة عليه وغيرُ الآلات كالأَسْطُرْلاب (2) ..
وغير ذلك من الموضوعات والمُخْتَرَعَات التي لانهاية لها، وكذلك جميع الأسباب والشروط والموانع لا تتوقف على نَصْبٍ من جهة الشرع، بل المتوقف سببية السبب وشروطية الشرط ومانعية المانع، أمَّا وقوع هذه الأمور فلا يتوقف على نَصْبٍ من جهة صاحب الشرع، ولا تنحصر تلك الأدلة في عدد، ولا يمكن القضاء عليها بالتناهي" (3).
وإذا تقرَّر أنَّ مسالك تحقيق المناط غير منحصرةٍ فيمكن القول بأن الضابط في ذلك: أنَّ كلَّ ما يدلُّ -غالباً- على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده يصح اعتباره مسلكاً من مسالك تحقيق المناط؛ لأن إيقاع الأحكام على الأعيان لا يلزم أن يُعْلَم بالأدلة الشرعيَّة النقلية، بل يُعْلَم بكلِّ ما يدل على وقوعها، ولا معارض له أرجح منه.
قال ابن تيمية: " الشارع بيَّن الأحكام الكليَّة، وأمَّا الأحكام المُعَيَّنات التي
(1) ينظر: المرجع السابق (42).
(2)
الأَسْطُرْلاب هو: جهاز استعمله القدماء في تعيين ارتفاع الأجرام السماوية ومعرفة الوقت والجهات الأصلية.
ينظر: مفاتيح العلوم للخوارزمي (153)، المعجم الوسيط (17).
(3)
ينظر: أنوار البروق في أنواء الفروق للقرافي (2/ 129) في الفرق السادس عشر.
تُسَمَّى: "تحقيق المناط" مثل كون الشخص المُعَيَّن عَدْلاً أو فاسقاً أو مؤمناً أو منافقاً أو وليَّاً لله أو عدوَّاً له، وكون هذا المُعَيَّن عدوَّاً للمسلمين يستحقُّ القتل، وكون هذا العقار ليتيمٍ أو فقيرٍ يستحقُّ الإحسان إليه، وكون هذا المال يُخَاف عليه من ظلم ظالمٍ فإذا زهد فيه الظالم انتفع به أهله، فهذه الأمور لا يجب أن تُعْلَم بالأدلة الشرعيَّة العامة الكليَّة، بل تُعْلَم بأدلةٍ خاصةٍ تدلُّ عليها" (1).
وعلى هذا فالمسالك الدَّالة على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده قد ترجع إلى النقل المحضّ وهو قليل، وقد ترجع إلى الرأي والنظر وهو كثير.
ولذلك لمَّا ذكر الغزالي الأصول الخمسة التي يُدْرَكُ بها وجود المناط في الفرع قال: "وفيه أصولٌ أُخَر يطول تعدادها، وهو على التحقيق تسعة أعشار النظر الفقهي"(2).
وفيما ذكر الغزالي إشارةٌ إلى أن أكثر المسالك التي يُدْرَكُ بها ثبوت المناط في بعض أفراده ترجع إلى الاجتهاد والنظر.
وقال ابن تيمية: "فالرأي كثيراً ما يكون في تحقيق المناط الذي لا خلاف بين الناس في استعمال الرأي والقياس فيه، فإنَّ الله أَمَرَ بالعدل في الحكم، والعدل قد يُعْرَف بالرأي، وقد يُعْرَف بالنصِّ"(3).
ولهذا فقد ارتأيت تقسيم المسالك التي يُدْرَك بها ثبوت المناط في بعض أفراده بعد ثبوته في الأصل إلى: مسالك نقلية، ومسالك اجتهادية.
والمراد بالمسالك النقلية: أن يدلَّ دليلٌ نقليٌّ على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده.
والمراد بالمسالك الاجتهادية: أن يدلَّ دليلٌ اجتهاديٌّ على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده.
وسأتناول في هذا الفصل أهمَّ المسالك النقلية والاجتهادية مع ذكر أمثلةٍ توضيحيةٍ لها، وذلك من خلال مبحثين:
(1) ينظر: مجموع الفتاوى (10/ 478 - 479).
(2)
ينظر: أساس القياس (42).
(3)
ينظر: الاستقامة (1/ 7 - 8).