الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع عشر
زراعة ونقل الأعضاء التناسلية
زراعة الأعضاء في الطب الحديث تعني: نقل عضوٍ سليمٍ أو مجموعةِ أنسجةٍ من إنسانٍ إلى آخر أو إلى الإنسان نفسه ليقوم مقام العضو أو النسيج التالف (1).
والأعضاء التناسلية عند الرجل هي: الخصيتان ، والبربخ ، والحبل المنوي ، وغدة البروستات ، والحويصلتان المنويتان ، والغدتان البصليتان ، والقضيب (2).
أما الأعضاء التناسلية عند المرأة فهي: المبيضان ، وقناة فالوب ، والرَّحِم ، والمهبل ، والفرج (3).
ومن أهم وظائف الأعضاء التناسلية سواءً عند الرجل أو المرأة: تحصيل الإنجاب ، وتحقيق الاستمتاع والتلذذ بالمعاشرة ، وإفراز الهرمونات التي تظهر الصفات الرجولية عند الرجل، والصفات الأنثوية عند المرأة (4).
وأكثر الأسباب الداعية إلى نقل وزراعة الأعضاء التناسلية هو معالجة العقم والمساعدة على الإنجاب ، وذلك بزراعة الخصية أو الحبل المنوي
(1) ينظر: عمليات نقل وزرع الأعضاء البشرية بين القانون والشرع للدكتورة سميرة ديات (7).
(2)
ينظر: الموسوعة الطبية الفقهية للدكتور أحمد كنعان (87).
(3)
ينظر: الموسوعة الطبية الفقهية للدكتور أحمد كنعان (87 - 88).
(4)
ينظر: زرع الغدد التناسلية والأعضاء التناسلية للدكتور محمد البار (ع 6 /ج 3/ 2023) ضمن أبحاث مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع للمؤتمر الإسلامي، إمكانية نقل الأعضاء التناسلية في المرأة للدكتور طلعت القصبي (ع 6/ج 3/ 1977) ضمن أبحاث مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع للمؤتمر الإسلامي.
للرجل، وزراعة المبيض أو الرَّحِم أو قناة فالوب للمرأة (1).
فهل يجوز إجراء عمليات نقل وزراعة الأعضاء التناسلية من رجلٍ إلى آخر، أو من امرأةٍ إلى أخرى؟
لقد بحث مجلس مجمع الفقه الإسلامي هذه النازلة في دورته السادسة بجدة في المملكة العربية السعودية من 17 - 23 شعبان 1410 هـ الموافق 14 - 20 آذار (مارس) 1990 م،
وبعد اطلاعه على الأبحاث والتوصيات المتعلقة بهذا الموضوع قرر مايأتي:
"أولاً: زرع الغدد التناسلية: بما أن الخصية والمبيض يستمران في حمل وإفراز الصفات الوراثية (الشفرة الوراثية) للمنقول منه حتى بعد زرعهما في متلقٍّ جديد، فإن زرعهما محرَّمٌ شرعاً.
ثانياً: زرع أعضاء الجهاز التناسلي: زرع بعض أعضاء الجهاز التناسلي التي لا تنقل الصفات الوراثية - ما عدا العورات المغلَّظة - جائزٌ لضرورةٍ مشروعةٍ، ووفق الضوابط والمعايير الشرعية المبينة في القرار رقم 26 (1/ 4) لهذا المجمع" (2).
ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المسألة فيما يأتي:
أولاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط التصوُّر التام للواقعة ، ومعرفة حقيقتها، ومكوناتها، وأسبابها؛ لأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره كما تقدم (3).
وقد راعى مجلس مجمع الفقه الإسلامي هذا الضابط بالرجوع إلى
(1) ينظر: المراجع السابقة.
(2)
قرارات مجمع الفقه الإسلامي في دورته السادسة بجدة في المملكة العربية السعودية من 17 - 23 شعبان 1410 هـ الموافق 14 - 20 آذار (مارس) 1990 م.
(3)
ينظر: (223 - 228).
الأطباء المختصين، وعقد ندواتٍ فقهيةٍ طبيةٍ متخصصةٍ في زراعة ونقل الأعضاء التناسلية؛ لتصور الموضوع تصوراً دقيقاً، ومعرفة حقيقته ، ومايؤدي إليه ، حيث استهلَّ القرار بما نصُّه:" إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17 - 23 شعبان 1410 هـ الموافق 14 - 20 آذار (مارس) 1990 م، بعد اطلاعه على الأبحاث والتوصيات المتعلقة بهذا الموضوع الذي كان أحد موضوعات الندوة الفقهية الطبية السادسة المنعقدة في الكويت من 23 - 26 ربيع الأول 1410 هـ الموافق 23 - 26/ 10/ 1990 م، بالتعاون بين هذا المجمع وبين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، قرر ما يلي .. "(1).
وبناء على ذلك التصور الدقيق للنازلة فرَّق مجمع الفقه الإسلامي في الحكم بين الغدد التناسلية التي تفرز الصفات الوراثية للمنقول منه كالخصية والمبيض، والأعضاء التناسلية الأخرى التي لاتفرز الصفات الوراثية للمنقول منه مما ليس من العورات المغلَّظة كالرَّحِم للمرأة والحبل المنوي للرجل.
ثانياً: من مسالك الاجتهاد في تحقيق المناط الاعتماد على قول أهل الخبرة كما تقدم (2).
وأهل الخبرة في هذه النازلة هم الأطباء المختصون في علاجات وجراحات الجهاز التناسلي.
وقد اجتهد أعضاء مجمع الفقه الإسلامي في تحقيق مناط تحريم زراعة ونقل الخصيتن والمبيضين اعتماداً على قول أهل الخبرة ، حيث أثبتوا أن الخصية والمبيض توجب انتقال الصفات الوراثية الموجودة في الشخص المنقولة منه إلى أبناء الشخص المنقولة إليه.
ثالثاً: المحافظة على وضوح الأنساب ونقائها ومنع أسباب اختلاطها من
(1) قرارات مجمع الفقه الإسلامي في دورته السادسة بجدة في المملكة العربية السعودية من 17 - 23 شعبان 1410 هـ الموافق 14 - 20 آذار (مارس) 1990 م.
(2)
ينظر: (269 - 272).
أعظم مقاصد الشرع الكلِّية كما تقدم (1).
وقد اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي في تحقيق هذا المناط الكلِّي في زراعة ونقل الخصية والمبيض وما شابههما مما يحمل الصفات الوراثية للمنقول منه.
وذلك باعتبار أن إجراء هذا النوع من العمليات يتنافى مع المقصود الكلِّي من المحافظة على وضوح الأنساب ونقائها، ومنع أسباب اختلاطها أوالريبة فيها.
فزراعة الخصية تعني انتقال الحيوانات المنوية التابعة لصاحب الخصية بماتحمله من الصفات الوراثية إلى المتلقي ، وزراعة المبيض تعني انتقال البويضات التابعة لصاحبة المبيض بماتحمله من الصفات الوراثية إلى المتلقِّي، وهو أمرٌ يؤدي إلى اختلاط الأنساب؛ لأن الأولاد حينئذٍ يتبعون في الشبه وفي الصفات الوراثية لصاحب الخصية المنقول منه أو صاحبة المبيض المنقول منها ، وتكون ثمرة الإنجاب غير متولِّدةٍ من الزوجين الشرعيين المرتبطين بعقد الزواج ، وهي صورةٌ لاتختلف عن صورة الإخصاب لبويضةٍ من حيوانٍ منويٍّ ليس من الزوج، أو إخصاب حيوانٍ منويٍّ من الزوج لبويضةٍ ليست لزوجته فيكون محرَّماً.
رابعاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط الموازنة بين المصالح والمفاسد أثناء اجتماعها في محلِّ الحكم كما تقدم (2).
وقد راعى أعضاء مجمع الفقه الإسلامي هذا الضابط في تحقيق مناط جواز نقل وزراعة عضوٍ تناسليٍّ -كالرَّحِم والحبل المنوي- مما لا يفرز الصفات الوراثية في حال إذا ما دعت ضرورةٌ لذلك، مع مراعاة الضوابط الشرعية الأخرى التي نصَّ عليها قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الرابعة بشأن انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسانٍ آخر حياً كان أو ميتاً (3).
(1) ينظر: (469 - 470).
(2)
ينظر: (245 - 256).
(3)
ينظر: قرارات مجمع الفقه الإسلامي في دورته الرابعة بشأن انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً كان أو ميتاً، القرار رقم 26 (1/ 4).
وذلك بالموازنة في هذه الحالة بين مفسدة الكشف على العورات وإلحاق الضرر بالجسد ، والضرورة التي يمكن أن تدعو إلى فعل ذلك وما يرجى أن يتحقق من مصلحةٍ راجحةٍ للمنقول إليه ، فتُرجَّح حينئذٍ مصلحة نقل وزراعة ذلك العضو التناسلي - ماعدا العورات المغلَّظة - على ما يصحب ذلك من مفاسد مرجوحة ، مع الاجتهاد ما أمكن في تخفيف تلك المفاسد ، كأن يكون المعالِج من جنس المريض ، فالمرأة المسلمة تعالج مثلَها ،والرجل كذلك ، فإن لم يكن المعالِج مسلِماً فطبيبٌ ثقة ، وكانتفاء الخلوة بالمرأة إذا كان المعالِج رجلاً وذلك بحضور زوجها أو امرأةٍ أخرى ، وأن يثبت طبياً حاجة المريض إلى إجراء هذا النوع من العمليات ، ولاتتوفر آنذاك وسيلةٌ طبيةٌ أقل مفسدةٍ من ذلك (1).
(1) ينظر: (504 - 506).