الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السادس
علاقة الاجتهاد في المناط بسدِّ الذرائع
سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بسدِّ الذرائع، وذلك من خلال ثلاثة مطالب ، وهي على النحو الآتي:
المطلب الأول: تعريف سدِّ الذرائع لغةً واصطلاحاً
.
السدُّ لغةً: المنع والإغلاق (1).
والذرائع لغةً: جمع ذريعة، والذريعة هي: الوسيلة ، والسبب الموصل إلى الشيء (2).
والذريعة اصطلاحاً-أي: التي تُسدُّ- هي: "الفعل الذي ظاهره أنه مباح وهو وسيلةٌ إلى فعل المحرَّم"(3).
وبهذا يكون سدُّ الذرائع في اصطلاح الأصوليين يعني: منع الوسائل المباحة في ظاهرها المفضية غالباً إلى مفاسد راجحة (4).
قال ابن عاشور: "هذا المركَّب لقبٌ في اصطلاح الفقهاء لإبطال
(1) ينظر: لسان العرب (3/ 207)، المصباح المنير (2/ 270) "مادة: س د د".
(2)
ينظر: الصحاح (3/ 1211) ، لسان العرب (8/ 96)،تاج العروس (21/ 12) "مادة: س د د".
(3)
بيان الدليل على بطلان التحليل لابن تيمية: (254).
(4)
ينظر: أنوار البروق في أنواء الفروق للقرافي (2/ 32) ، إعلام الموقعين لابن القيم (4/ 554) ، الموافقات للشاطبي (5/ 183).
الأعمال التي تؤول إلى فسادٍ مُعتبَر ، وهي في ذاتها لامفسدةَ فيها" (1).
ومن هذا التعريف يمكن أن نستخلص ثلاثة قيودٍ ينضبط بها معنى سدِّ الذرائع عند الأصوليين ، وهي:
الأول: أن الوسيلة المتوسَّل بها في أصلها مباحة؛ لأن الوسائل المحُرْمَة في ذاتها إنما حُرِّمت لكونها في نفسها فساداً فلايخالف في ذلك أحد ، وليست هذه الصورة مما نحن فيه (2).
والثاني: أن الأمر المتوسَّل إليه لابدَّ أن يكون محظوراً في الشرع؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما حصل منع الوسيلة المفضية إليه.
والثالث: أن الوسيلة لابدَّ أن تفضي غالباً إلى مفسدةٍ راجحة؛ لأن العبرة بغالب الظنّ ، وغالب الظنِّ يجري مجرى العلم في الأحكام (3).
فإذا كانت الوسيلة تفضي نادراً إلى مفسدةٍ فإنها لاتُمْنَع؛ لأن النادر لاحُكْم له (4).
قال الشاطبي: " ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادراً فهو على أصله من الإذن؛ لأن المصلحة إذا كانت غالبةً فلا اعتبار بالندور في انخرامها، إذ لا توجد في العادة مصلحةٌ عريَّةٌ عن المفسدة جملة، إلا أن الشارع إنما اعتبر في مجاري الشرع غلبة المصلحة، ولم يُعْتَبر ندور المفسدة إجراءً للشرعيات مجرى العاديات في الوجود"(5).
وكذلك إذا كانت الوسيلة تفضي إلى مفسدةٍ مرجوحةٍ فإنها تُمنَع؛ لأن المصالح الراجحة مقدَّمةٌ على المفاسد المرجوحة (6).
(1) مقاصد الشريعة لابن عاشور: (365)
(2)
ينظر: بيان الدليل على بطلان التحليل لابن تيمية (254).
(3)
ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (3/ 257) ، إعلام الموقعين لابن القيم (4/ 554) ، قواعد الأحكام (1/ 138).
(4)
ينظر: قواعد الأحكام لابن عبد السلام (1/ 138) ، إعلام الموقعين (5/ 76).
(5)
الموافقات: (3/ 74).
(6)
ينظر: الفروق للقرافي (2/ 33) ، بيان الدليل على بطلان التحليل لابن تيمية (254) ،إعلام الموقعين لابن القيم (4/ 554 - 555) ،إغاثة اللهفان (1/ 370).