الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث
العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق
اختلفت اتجاهات الأصوليين في بيان العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق، وحاصلها ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: يقصر تنقيح المناط على صورة الإلحاق بإلغاء الفارق، حيث يُقسِّم أصحاب هذا الاتجاه " إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه " إلى قسمين (1):
الأول: الإلحاق باستخراج الجامع.
والثاني: الإلحاق بإلغاء الفارق.
ويطلقون على القسم الثاني مُسَمَّى: " تنقيح المناط "، وهو الذي يُسَمِّيه الحنفية بـ " الاستدلال " كما سبق بيانه (2).
وقد ذهب إلى هذا الإتجاه: الرازي (3)، والبيضاوي (4)، والقرافي (5)، وصفي الدين الهندي (6)، والإسنوي (7)، والبدخشي (8) والشوكاني (9).
(1) ينظر: المحصول (5/ 229 - 230)، شرح تنقيح الفصول (388)، الفائق في أصول الفقه (4/ 319 - 320)، الإبهاج (3/ 80)، إرشاد الفحول (2/ 596).
(2)
ينظر: (78).
(3)
ينظر: المحصول (5/ 229 - 230).
(4)
ينظر: منهاج الوصول (209).
(5)
ينظر: شرح تنقيح الفصول (398).
(6)
ينظر: نهاية الوصول (8/ 3381)، الفائق في أصول الفقه (4/ 27).
(7)
ينظر: نهاية السول (4/ 139).
(8)
ينظر: مناهج العقول (3/ 99).
والبدخشي هو: محمد بن الحسن البَدَخْشي، فقيه، حنفي، أصولي، عالمٌ في المنطق والجدل، من مؤلفاته: مناهج العقول في شرح منهاج الوصول للبيضاوي (ط)، وحاشية على تحرير القواعد المنطقية في شرح الرسالة الشمسية، توفي سنة (922 هـ).
ينظر ترجمته في: كشف الظنون (2/ 1063)، معجم المؤلفين (9/ 99) ولم أجد له ترجمة في المصادر المشهورة.
(9)
ينظر: إرشاد الفحول (2/ 641).
وبناءً عليه فإن أصحاب هذا الاتجاه يُعَرِّفون تنقيح المناط - كما سبق - بأنه: الاجتهاد في إلغاء الفارق بين الأصل والفرع (1).
وهو أن يقال: لا فرق بين الفرع والأصل إلا كذا وكذا، وذلك لا مدخل له في الحُكْم ألبتة، فيلزم اشتراكها في الحُكْم.
الاتجاه الثاني: يغاير بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق.
وقد ذهب إلى هذا الاتجاه: الغزالي (2)، والبروي (3)، وابن السبكي (4)، والزركشي (5)، وابن العطَّار (6).
وبناءً على المغايرة بينهما فإن أصحاب هذا الاتجاه يُعرِّفون "تنقيح المناط " - كما سبق- بـ: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على التعليل بوصفٍ فَيُحْذَف خصوصه عن الاعتبار ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعمِّ، أو يقترن بالحُكْم أوصافٌ مذكورةٌ في النصِّ لا مدخل لها في العِلِّية فتُحْذْف عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي (7).
ويُعرِّفون " إلغاء الفارق " - كما سبق - بأنه: بيان أن الفرق بين الأصل والفرع لا مدخل له في التأثير، فيلزم اشتراكهما في الحُكْم (8).
ويُفرِّق أصحاب هذا الاتجاه بينهما بأن " تنقيح المناط ": اجتهادٌ في الحذف والتعيين؛ فهو اجتهادٌ في حذف خصوص الوصف المذكور في النصِّ عن الاعتبار وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمِّ، أو اجتهادٌ في حذف بعض الأوصاف المذكورة في النصِّ وتعيين الباقي من الأوصاف عِلَّةً للحُكْم، وفي
(1) ينظر: (65 - 67).
(2)
ينظر: أساس القياس (68 - 69)، المستصفى (3/ 603).
(3)
ينظر: المقترح في المصطلح (231 - 234).
(4)
انظر: جمع الجوامع (95)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 292 - 293)، الغيث الهامع (3/ 737).
(5)
ينظر: البحر المحيط (7/ 326)، تشيف السامع (3/ 322).
(6)
ينظر: حاشية ابن العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 338).
(7)
ينظر: (64 - 65).
(8)
ينظر: (86).
كلتا الصورتين لابدَّ فيه من تعيين العِلَّة (1).
أما "إلغاء الفارق" فهو اجتهادٌ في إلغاء الوصف الفارق بين الأصل والفرع ببيان عدم تأثيره في الحُكْم، وليس فيه تعيينٌ للعِلَّة، وإنما يدل على أن عِلَّة الأصل من حيث الجملة مُتَحَقِّقَةٌ في الفرع من غير تعيين (2).
قال الزركشي: "ولهذا لم يَعُدُّه -أي: إلغاء الفارق- أحدٌ من الجدليين من مسالك العِلَّة"(3).
الاتجاه الثالث: يُعِتبر إلغاء الفارق قسماً من تنقيح المناط، حيث يُقسِّم أصحاب هذا الاتجاه تنقيح المناط إلى قسمين (4):
القسم الأول: الاجتهاد في إلغاء الفارق.
و"إلغاء الفارق" - كما سبق - هو: بيان أن الفرق بين الأصل والفرع لا مدخل له في التأثير، فيلزم اشتراكهما في الحُكْم (5).
قال ناظم "مراقي السعود"(6):
فمنه ما كان بإلغاء الفارق
…
وما بغيرٍ من دليلٍ رائق
قال شارحه: "يعني: أن إلغاء الفارق قسمٌ من تنقيح المناط وإن جعله السبكي العاشر من مسالك العِلَّة، ويُسمَّى حينئذٍ تنقيح المناط وإلغاء الفارق"(7).
وقال -أيضاً-: " وهو -أي: إلغاء الفارق- عند التحقيق قسمٌ من تنقيح المناط؛ لأن حذف خصوص الوصف عن الاعتبار قد يكون بإلغاء الفارق،
(1) ينظر: أساس القياس (68 - 69)، المستصفى (3/ 603)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 292 - 293)، سلم الوصول للمطيعي (4 - 139 - 141)، نبراس العقول (384 - 385).
(2)
ينظر: المراجع السابقة.
(3)
البحر المحيط (7/ 326).
(4)
ينظر: شرح مختصر الروضة (3/ 244 - 245)، نشر البنود (2/ 205 - 207)، نثر الورود (2/ 523 - 524)، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (390).
(5)
ينظر: (86).
(6)
: (16).
(7)
نشر البنود: (2/ 205).
وقد يكون بدليلٍ آخر " (1).
وقال الأمين الشنقيطي: "يعني: أن من تنقيح المناط قسماً يقال له إلغاء الفارق فُسُمِّيَ تنقيح المناط وإلغاء الفارق، خلافاً لمن جعل إلغاء الفارق مسلكاً عاشراً كالسبكي"(2).
وهذا الإطلاق يشمل جميع أقسام إلغاء الفارق التي تقدَّم ذكرها في المبحث السابق (3).
قال الأمين الشنقيطي: " اعلم أن نفي الفارق الذي ذكرنا أقسامه الأربعة إنما هو قسمٌ من تنقيح المناط "(4).
القسم الثاني: الاجتهاد في الحذف والتعيين.
وصورته: الاجتهاد في حذف بعض الأوصاف المذكورة في النصِّ، وتعيين الباقي من الأوصاف عِلَّةً للحُكْم (5).
قال ناظم "مراقي السعود"(6):
من المناط أن تجي أوصافُ
…
فبعضها يأتي له انحذافُ
عن اعتباره وما قد بقيا
…
ترتب الحُكْم عليه اقْتُفِيا
قال شارحه: " يعني: أن هذا القسم من تنقيح المناط، وهو قسيمٌ للقسم الأول، وهو: أن تكون أوصافٌ في محلِّ الحُكْم فَيُحْذَف بعضها عن الاعتبار بالاجتهاد، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي من الأوصاف، وحاصله أن الاجتهاد في الحذف والتعيين "(7).
وقد ذهب إلى هذا الاتجاه: الطُّوفي (8)، وعبدالله الشنقيطي صاحب
(1) المرجع السابق: (2/ 200).
(2)
نثر الورود: (2/ 523).
(3)
ينظر: (64 - 65).
(4)
مذكرة أصول الفقه: (390).
(5)
ينظر: (64 - 65).
(6)
: (16).
(7)
نشر البنود: (2/ 207).
(8)
ينظر: شرح مختصر الروضة (3/ 244 - 245).