الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني
الأدلة على اعتبار العمل بـ "تنقيح المناط
"
تقرَّر فيما تقدَّم أن العلماء اتفقوا على اعتبار العمل بـ " تنقيح المناط"، وهو اتفاقٌ على أصل العمل بهذا النوع من الاجتهاد، لا على اجتهادهم الذي قد ينتج عنه اختلافهم في إلغاء بعض الأوصاف أو اعتبارها، كما في قصة الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:" أعتق رقبة "(1)، حيث اختلف الفقهاء في تنقيح مناط الحُكْم وهو "وجوب الكفارة".
فالحنفية (2)، والمالكية (3): حذفوا خصوص وصف " المواقعة " عن الاعتبار، وأناطوا الحُكْم بالمعنى الأعمِّ الذي هو "إفساد الصوم بالإفطار".
أما الشافعية (4)، والحنابلة (5): فقد حذفوا بعض الأوصاف المذكورة في النصِّ التي لا تصلح للعِلَّية، مثل: كونه أعرابياً، وكون الموطوءة زوجته، وكون الوطء في ذلك الشهر بعينه، ونحو ذلك، وأناطوا الحُكْم بالباقي من الأوصاف، وهو:"وقاع مكلَّفٍ في نهار رمضان".
قال البروي (6): "حذف أبو حنيفة رضي الله عنه خصوص الوقاع حتى أوجب الكفارة بالأكل والشرب، وهذا كلُّه من باب تنقيح المناط، غير أن
(1) سبق تخريجه: (48).
(2)
ينظر: بدائع الصنائع (2/ 97)، تبيين الحقائق (1/ 327).
(3)
ينظر: مواهب الجليل (2/ 433)، جواهر الإكليل (1/ 150).
(4)
ينظر: المجموع (6/ 360)، مغني المحتاج (1/ 596).
(5)
ينظر: المغني (4/ 372)، منتهى الإرادات (2/ 367 - 368).
(6)
هو: محمد بن محمد بن محمد بن سعد البروي، من فقهاء الشافعية، كان بارعاً في علم الكلام والجدل والمناظرة، من مؤلفاته: تعليقه في الخلاف، والمقترح في المصطلح في الجدل والمناظرة (ط)، توفي ببغداد سنة (567 هـ).
يننظر ترجمته في: وفيات الأعيان (4/ 225)، طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (6/ 389)، الأعلام للزركلي (7/ 24).
الشافعي رضي الله عنه ينازعه في دليل الحذف، وإلا فهما متفقان على صحة هذا النوع من النظر" (1).
وقال ابن تيمية: " وهذا مما لا خلاف فيه بين الناس نعلمه، نعم قد يختلفون في نفس الموجِب: هل هو مجموع تلك الأوصاف أو بعضها"(2).
وتتلخص أدلة اعتبار العمل بـ"تنقيح المناط" في الآتي:
1 -
إذا كان الحُكْم مُعَلَّلاً وَجَبَ على المجتهد البحث عن عِلَّة الحُكْم، وإذا أُثْبِتَتْ العِلَّة بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه ثم اقترنت بها أوصافٌ ليس لها تأثيرٌ في الحُكْم وجب على المجتهد تهذيب الوصف الذي تعلَّق به الحُكْم؛ حتى تتعين العِلَّة، ولا يدخل فيها من الأوصاف ما ليس له مدخلٌ في التأثير أو يخرج منها ما هو من الأوصاف المُعْتَبرة، وإلا مُنِعَ الحُكْم في موضع وجود العِلَّة، أو أُثْبِتَ في غير مواضع وجودها.
قال ابن الهمام الحنفي: " ولا شك أن معنى تنقيح المناط واجبٌ على كلِّ مجتهدٍ حنفيٍّ وغيرِه، وإلا مُنِعَ الحُكْم في موضع وجود العِلَّة"(3).
قال الشارح ابن أمير بادشاه (4): " فيمنع وجوب الكفارة على غير الأعرابي، وعلى من جامع في رمضان غير أهله؛ لعدم حذف الزوائد من الصفات التي لا مدخل لها في العِلَّة "(5).
2 -
إن المجتهد إذا علم يقيناً أو غلب على ظنِّه أن الحُكْم ليس مخصوصاً بما ورد في النصِّ من أوصافٍ اقترنت بالحُكْم، بل يتعلَّق بمعنىً أعمَّ فلا يجوز حينئذٍ للمجتهد أن ينفي الحُكْم عن غير ما ورد به النصِّ؛ لأن في ذلك تخصيصاً للحُكْم لم يقصده الشارع.
فقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يقضيَنَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان "(6)، يدل ظاهراً على
(1) المقترح في المصطلح: (217).
(2)
الصارم المسلول: (2/ 337 - 338).
(3)
التحرير في أصول الفقه مع شرحه تيسير التحرير: (4/ 43).
(4)
هو: محمد أمين بن محمود البخاري، المعروف بأمير بادشاه، فقيهٌ، حنفيٌّ، من أهل بخارى، كان نزيلاً بمكة، من مؤلفاته: تيسير التحرير في شرح التحرير في أصول الفقه لابن الهمام الحنفي (ط)، وشرح تائية ابن الفارض، وغيرهما، توفي تقريباً سنة (972 هـ).
ينظر ترجمته في: كشف الظنون (1/ 358)، هدية العارفين (6/ 349)، الأعلام للزركلي (6/ 41).
(5)
تيسير التحرير: (4/ 43).
(6)
سبق تخريجه: (64).
أن الحُكْم مُعَلّلٌ بوصف " الغضب "، إلا أنه ثبت بالنظر والاجتهاد أن الحُكْم ليس مخصوصاً بذلك الوصف، بل يشمل كلَّ ما يُشْغِل القلبَ ويمنع من استيفاء النظر، فإذا عُلِمَ يقيناً أو غلب على الظن أن الحُكْم ليس مخصوصاً بذلك الوصف لذاته، بل يتعلَّق بالمعنى الأعمِّ الذي هو لازمه، فإنه لا يجوز حينئذٍ للمجتهد نفي الحُكْم عما سواه مما هو في معناه.
قال ابن تيمية: " فإن - هنا - قد عُلِم يقيناً أن الحُكْم ليس مخصوصاً بمورد النصِّ، فلا يجوز نفيه عما سواه بالاتفاق "(1).
3 -
إن الأصل في كلِّ مِثْلَيْن أن يكون حكمهما واحداً، فإذا حصل التساوي بين صورتين ولم يوجد بينهما فارقٌ فالظنُّ القوي القريب من القطع أنهما مستويان في الحُكْم، فإذا حصل اعتقادٌ أو ظنٌ غالبٌ بذلك وجبت التسوية بينهما في الحُكْم، وإذا حصل اعتقادٌ أو ظنٌ غالبٌ بوجود الفرق بينهما وجبت التفرقة بينهما أيضاً في الحُكْم؛ لأنه لا يجوز التفريق بين المتماثلات والتسوية بين المختلفات، لا شرعاً ولا عقلاً ولاعادةً (2).
والإلحاق بنفي الفارق أحد صور تنقيح المناط إذا تهذَّبت العِلَّة وتعيَّنت، كما سيأتي بيانه في العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق (3).
(1) درء تعارض العقل والنقل: (7/ 341).
(2)
ينظر: شرح تنقيح الفصول (399)، رفع النقاب عن تنقيح الشهاب (5/ 379).
(3)
ينظر: (100).