الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ورغم كثرة تعريفات الأصوليين للقياس إلا أنها ترجع إلى معنىً واحد ، وهو إلحاق الفرع بالأصل في حكمه لاشتراكهما في عِلَّة الحُكْم.
قال ابن السمعاني: " وقد بسط بعضهم هذا الحدَّ فقال: القياس طلب أحكام الفروع المسكوت عنها من الأصول المنصوص عليها بالعلل المُستنْبَطة من معانيها؛ ليُلْحَق كلَّ فرعٍ بأصله حتى يشركه في حكمه لاستوائهما في المعنى ، والجمع بينهما بالعِلَّة "(1).
وقال الطوفي: " والعبارات في تعريف القياس كثيرة، وحاصلها يرجع إلى أنه اعتبار الفرع بالأصل في حكمه "(2).
وسواءٌ قيل إنه دليل الحُكْم بذاته أو طريق الحُكْم ، فالقياس دليلٌ شرعيٌّ مُعتَبرٌ إما في ذاته ، أو بالنظر إلى مايؤؤل إليه (3).
المطلب الثاني: حُجِّية القياس
.
ذهب الصحابة ، والتابعون ،وأكثر الفقهاء والمتكلمين ، إلى القول بحُجِّية القياس ، ووقوعه في الشرعيات (4).
قال إمام الحرمين الجويني: " ذهب علماء الشريعة وأهل الحل والعقد إلى أن التعبُّد بالقياس في مجال الظنون جائزٌ غير ممتنع". (5).
وقال الغزالي: " والذي ذهب إليه الصحابة رضي الله عنهم بأجمعهم، وجماهير الفقهاء والمتكلمين بعدهم رحمهم الله وقوع التعبُّد به شرعاً "(6).
وقال الآمدي: "وبه قال السلف من الصحابة ، والتابعين ، والشافعي ،
(1) قواطع الأدلة: (4/ 4).
(2)
شرح مختصر الروضة: (3/ 223).
(3)
ينظر: نبراس العقول (1/ 55).
(4)
ينظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 251) تيسير التحرير (4/ 108)، شرح الكوكب المنير (4/ 213)، فوتح الرحموت (2/ 364).
(5)
البرهان: (2/ 9).
(6)
المستصفى: (3/ 494).
وأبو حنيفة ، ومالك، وأحمد بن حنبل ، وأكثر الفقهاء والمتكلمين" (1).
وأنكر الظاهرية حجيَّة القياس ، والتعبُّد به في الشرعيات (2).
والمقصود بالحجية - هنا-: وجوب العمل شرعاً بمقتضى القياس في حقِّ المجتهد والمقلِّد.
وقال الفخر الرازي: " المراد من قولنا القياس حُجَّةً أنه إذا حصل ظنٌّ أن حُكْم هذه الصورة مثل حُكْم تلك الصورة فهو مكلَّفٌ بالعمل به في نفسه ، ومكلَّفٌ بأن يُفْتِىَ به غيرَه "(3).
وقد استدل الأصوليون على إثبات حجيَّة القياس بالكتاب ، والسُّنَّة ، والإجماع ، والمعقول ، وأكثرها لايسلم من اعتراضاتٍ واحتمالاتٍ بعضها له حظٌّ من النظر ، وسأكتفي بأقواها دلالةً على المطلوب، وهو إجماع الصحابة على العمل بالقياس في الوقائع التي لا نصَّ فيها ، وتكرُّر العمل به ، واشتهار ذلك بينهم من غير نكير (4).
وقد اقتصر إمام الحرمين الجويني على الاحتجاج به في إثبات وقوع التعبُّد بالقياس في الشرعيات (5).
وقال الفخر الرازي: " وهو الذي عوَّل عليه جمهور الأصوليين"(6).
ولما ساق الآمدي أدلة المثبتين للقياس وذكر دليل الإجماع قال: " وهو أقوى الحجج في هذه المسألة "(7).
(1) الإحكام: (4/ 9).
(2)
ينظر في أدلتهم: الإحكام لابن حزم (7/ 53 - 8/ 76) ، ملخص إبطال القياس لابن حزم (5 وما بعدها).
(3)
المحصول: (5/ 20).
(4)
ينظر: نهاية السول (4/ 17) ، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 251) ، فواتح الرحموت (2/ 366).
(5)
ينظر: البرهان (2/ 763 - 773).
(6)
المحصول: (5/ 53).
(7)
الإحكام: (4/ 50).
وقال صفي الدين الهندي: " هو المعول عليه لجماهير المحققين من الأصوليين"(1).
وقال الإسنوي: " وهذا الدليل - أي: الإجماع- هو الذي ارتضاه ابن الحاجب وادَّعى ثبوته بالتواتر، وضعَّف الاستدلال بما عداه"(2).
والوقائع والأقضية التي استند الصحابة رضي الله عنهم فيها إلى الاجتهاد بالقياس كثيرةٌ يصعب حصرها.
قال إمام الحرمين الجويني: " نحن نعلم قطعاً أن الوقائع التي جرت فيها فتاوى علماء الصحابة وأقضيتهم تزيد على المنصوصات زيادةً لا يحصرها عدٌّ ولا يحويها حدٌّ ، فإنهم كانوا قايسين في قريب من مائة سَنَة، والوقائع تترى والنفوس إلى البحث طلعة ، وما سكتوا عن واقعةٍ صائرين إلى أنه لا نصَّ فيها، والآيات والأخبار المشتملة على الأحكام نصَّاً وظاهراً ، بالإضافة إلى الأقضية والفتاوى كغرفةٍ من بحرٍ لا يُنْزَف، وعلى قطعٍ نعلم أنهم ما كانوا يحكمون بكلِّ ما يعِنُّ لهم من غير ضبطٍ وربط، وملاحظة قواعد متَّبَعةٍ عندهم ، وقد تواتر من شيمهم أنهم كانوا يطلبون حُكْم الواقعة من كتاب الله تعالى ، فإن لم يصادفوه فتَّشوا في سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجدوها اشتوروا ورجعوا إلى الرأي"(3).
ومن ذلك: رجوع الصحابة إلى اجتهاد أبي بكر رضي الله عنه في أخذ الزكاة من بني حنيفة، وقتالهم على ذلك قياساً على الصلاة (4).
ومن ذلك: قياس أبي بكر رضي الله عنه تعيين الإمام بالعهد على تعيينه بعقد البيعة، حتى إنه عهد إلى عمر رضي الله عنه بالخلافة ووافقه على ذلك الصحابة (5).
ومن ذلك: ما روي عن عمر - رضى الله عنه - أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري:
(1) نهاية الوصول: (7/ 3108).
(2)
نهاية السول: (4/ 18).
(3)
البرهان: (2/ 13 - 14).
(4)
ينظر: المستصفى (3/ 508)، الإحكام للآمدي (4/ 51)، فواتح الرحموت (2/ 366).
(5)
ينظر: المستصفى (3/ 507)، الإحكام للآمدي (4/ 52).
" اعرف الأشباه والأمثال ثم قِس الأمور برأيك "(1).
ومن ذلك قول علي رضي الله عنه في حدِّ شارب الخمر: " «إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدُّوه حدَّ المفترين» (2) وفيه قياس حدِّ الشارب على القاذف (3).
قال الآمدي: " إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تُحصَى، وذلك يدل على أن الصحابة مثَّلوا الوقائع بنظائرها وشبَّهوها بأمثالها، وردُّوا بعضها إلى بعضٍ في أحكامها، وأنه ما من واحدٍ من أهل النظر والاجتهاد منهم إلا وقد قال بالرأي والقياس، ومن لم يوجد منه الحُكْم بذلك فلم يوجد منه في ذلك إنكار، فكان إجماعاً سكوتياً وهو حُجَّةٌ مغلَّبَةٌ على الظنَّ، وإنما قلنا إنهم قالوا بالرأي والقياس في جميع هذه الصور، وذلك لا بدَّ لهم فيها من مستندٍ وإلا كانت أحكامهم بمحض التشهي والتحُكُّم في دين الله من غير دليل، وهو ممتنع، وذلك المستند يمتنع أن يكون نصَّاً، وإلا لأظهر كلُّ واحدٍ ما اعتمد عليه من النصّ ; إقامةً لعذره وردَّاً لغيره عن الخطأ بمخالفته على ما اقتضته العادة الجارية بين النُّظَّار، ولأن العادة تحيل على الجمع الكثير كتمان نصٍّ دعت الحاجة إلى إظهاره في محلِّ الخلاف، وهذا بخلاف ما إذا أجمعوا على حُكْمٍ في واقعةٍ بناءً على نصّ، فإنه لا يمتنع اتفاقهم على عدم نقله بناءً على الاكتفاء في ذلك الحُكْم بإجماعهم، ولو أظهروا تلك النصوص واحتجُّوا بها لكانت العادة تحيل عدم نقلها، فحيث لم تُنْقَل دلَّ على عدمها، وإذا لم يكن نصَّاً تعيَّن أن يكون قياساً واستنباطاً"(4).
والقياس يقتضي ردَّ الواقعات فيما لانصَّ فيه إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم مما فيه نصّ ، وهو امتثالٌ لقوله تعالى {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59].
(1) ينظر: قواطع الأدلة (4/ 43)، الإحكام للآمدي (4/ 53)، المستصفى (3/ 515)، المحصول (5/ 54) ، العدة (5/ 1297 - 1298).
(2)
أخرجه الحاكم في " مستدركه "(4/ 375)، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(3)
ينظر: فواتح الرحموت (2/ 366).
(4)
الإحكام: (4/ 55 - 56).