المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌طرق ثبوت الزنا - فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية - جـ ٥

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌7 - باب الطلاق

- ‌تعريف الطلاق لغة وشرعًا:

- ‌ذكر المفاسد المترتبة على الطلاق:

- ‌حكم طلاق الحائض

- ‌المحرم من الطلاق:

- ‌اختلاف حكم الطلاق ثلاثة مجموعة في عهد عمر رضي الله عنه:

- ‌مسألة: هل يقع الطلاق بحديث النفس أو الوسوسة

- ‌حكم الطلاق الخطأ وطلاق المكره:

- ‌ثبوت الطلاق يترتب على ثبوت النكاح:

- ‌حكم طلاق الصغير والمجنون والسكران:

- ‌كتاب الرجعة

- ‌حكم الإشهاد في الطلاق والرجعة:

- ‌1 - باب الإيلاء والظهار والكفارة

- ‌حكم الإيلاء:

- ‌مدة الإيلاء:

- ‌حكم المجامع في رمضان:

- ‌كفارة الظهار:

- ‌2 - باب اللعان

- ‌تعريف اللعان:

- ‌3 - باب العدة والإحداد والاستبراء وغير ذلك

- ‌عدة الوفاة

- ‌عدة الطلاق وفسخ النكاح:

- ‌حكم السكنى والنفقة للمطلقة البائنة وعدتها:

- ‌حكم التطيب والحناء في الحداد:

- ‌حكم الكحل في الحداد:

- ‌حكم خروج المعتدة المطلقة:

- ‌حكم خروج المعتدة بعد وفاة زوجها من بيتها:

- ‌طلاق الأمة وعدتها:

- ‌الاستبراء وأحكامه:

- ‌أحكام امرأة المفقود في العدة وغيرها:

- ‌التحذير من الحلوة بالأجنبية:

- ‌أحكام السبايا في الاستبراء:

- ‌4 - باب الرضاع

- ‌تعريف الرضاع:

- ‌مسألة إرضاع الكبير وأحكامها:

- ‌يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب:

- ‌صفة الرضاع الذي يثبت به التحريم:

- ‌النهي عن استرضاع الحمقى:

- ‌5 - باب النفقات

- ‌أسئلة ومناقشة:

- ‌النفقة على الزوجة والأولاد وأحكامها:

- ‌النفقة على المملوك وأحكامها:

- ‌حكم النفقة على الحامل المتوفى عنها زوجها:

- ‌مسألة طلب المرأة الطلاق عند عجز زوجها عن النفقة:

- ‌النفقة على الوالدين وأحكامها:

- ‌6 - باب الحضانة

- ‌تعريف الحضانة:

-

- ‌كتاب الجنايات

- ‌تعريف الجنايات لغة وشرعًا:

- ‌حرمة دماء المسلمين وتعظيمها:

- ‌المعتدي جان يفعل به كما فعل:

- ‌حالات إباحة قتل المسلم:

- ‌حرمة الدماء:

- ‌القصاص من الحر للعبد:

- ‌حكم قود الوالد بولده:

- ‌حكم قتل المسلم بكافر:

- ‌حكم قتل المؤمن بمعاهد:

- ‌الجناية على النفس:

- ‌جناية الصغير والمجنون:

- ‌ترك القصاص في الجروح قبل البرء:

- ‌الجناية على الحمل:

- ‌العفو عن الجناية:

- ‌الجناية على النفس وأنواعها:

- ‌الاشتراك في الجناية:

- ‌قتل الجماعة بالواحد:

- ‌التخيير بين الدية والقصاص وشروطه:

- ‌1 - باب الديات

- ‌مقادير الدية في الجروح:

- ‌دية القتل الخطأ:

- ‌دية قتل العمد وشبه العمد:

- ‌إلحاق دية شبه العمد بالقتل الخطأ:

- ‌دية الأصابع والأسنان:

- ‌ضمان الطبيب:

- ‌دية الشجاج:

- ‌دية أهل الكتاب:

- ‌دية المرأة والرجل:

- ‌تغليظ الدية وضوابطه:

- ‌2 - باب دعوى الدم والقسامة

- ‌3 - باب قتال أهل البغي

- ‌تعريف البغي، وبيان أهل البغي بالتفصيل:

- ‌قتال من حمل السلاح على المسلمين:

- ‌عقوبة مفارقة الجماعة:

- ‌ضوابط معاملة البغاة:

- ‌الحث على الاجتماع ونبذ الفرقة:

- ‌4 - باب قتال الجانب وقتل المرتدِّ

- ‌جواز قتل الصائل:

- ‌سقوط الضمان في الدفاع عن النفس:

- ‌سقوط الضمان للمتطلع لبيوت المسلمين:

- ‌ضمان ما أتلفته المواشي:

- ‌قتل المرتد:

- ‌شروط قتل المرتد:

- ‌قُتل من سب النبي أو زوجاته أو أصحابه:

- ‌كتاب الحدود

- ‌مفهوم الحدود وحكمه:

- ‌1 - باب حد الزاني

- ‌حد الزاني غير المحصن:

- ‌حكم الجمع بين الجلد والرجم:

- ‌ثبوت الزنا بالإقرار:

- ‌وجوب التثبت في إثبات الزنا:

- ‌طرق ثبوت الزنا

- ‌حد الأمة الزانية:

- ‌السيد يقيم الحد على مملوكه:

- ‌تأجيل إقامة حل الزنا على الحامل:

- ‌تخفيف الحد على المريض الضعيف:

- ‌عقوبة اللواط:

- ‌الجمع بين الجلد والتغريب للزاني البكر:

- ‌لعنة المخنثين والمترجلات:

- ‌درء الحدود بالشبهات:

- ‌وجوب إقامة حد الزنا عند ثبوته:

- ‌2 - باب حدِّ القذف

- ‌اللعان:

- ‌حد المملوك القاذف:

- ‌3 - باب حدِّ السَّرقة

- ‌نصاب السرقة الموجب للقطع:

- ‌جحد العارية:

- ‌المختلس والمنتهب:

- ‌اشتراط الحرز لوجوب القطع:

- ‌ثبوت السرقة بالإقرار:

- ‌لا ضمان على السارق:

- ‌حكم الجمع بين الضمان والقطع:

- ‌الشفاعة في الحدةد، ضوابطها:

- ‌الشبهة أنواعها وشروط انتفائها:

- ‌4 - باب حدِّ الشَّارب وبيان المسكر

- ‌عقوبة شارب الخمر:

- ‌تجنب الضرب على الوجه:

- ‌الخمر بين الطهارة والنجاسة:

- ‌كل مسكر خمر:

- ‌حكم مزج الزبيب بالماء أو اللبن:

- ‌حكم التداوي بالمحرم:

- ‌حكم التداوي بالخمر:

- ‌5 - باب التعزيز وحكم الصَّائل

- ‌التعزيز بين الوجوب والاجتهاد:

- ‌إقالة العثرات وضوابطها:

- ‌حكم الصائل:

- ‌الدفاع عن النفس:

-

- ‌كتاب الجهاد

- ‌تعريف الجهاد لغة وشرعًا:

- ‌أقسام الجهاد:

- ‌وجوب جهاد الدفاع وشروطه:

- ‌شرط القدرة على الجهاد وضوابطه:

- ‌الترغيب في الجهاد في سبيل الله:

- ‌جهاد النساء:

- ‌تقديم بر الوالدين على الجهاد:

- ‌حكم الإقامة في دار الكفر:

- ‌الهجرة من دار الكفار وأحكامها:

- ‌وجوب الإخلاص في الجهاد:

- ‌جواز الهدنة:

- ‌حكم الإغارة بلا إنذار:

- ‌وصايا الرسول صلي الله عليه وسلم لأمراء الجيوش:

- ‌فائدة جواز الجزية من مشركي العرب:

- ‌التورية عند الغزو:

- ‌القتال أول النهار وأخره:

- ‌جواز قتل النساء والذرية عند التبييت:

- ‌لا يستعان بمشرك في الحرب:

- ‌النهي عن قتل النساء والصبيان في الحروب:

- ‌جواز قتل شيوخ المشركين:

- ‌المبارزة في الحروب:

- ‌الحمل على صفوف الكفار وضوبطه:

- ‌إتلاف أموال المحاربين:

- ‌النهي عن الغلول:

- ‌سلب القاتل:

- ‌الرمي بالمنجنيق:

- ‌جواز قتل المرتد في الحرم:

- ‌القتل صبرًا:

- ‌الأسير وأحواله:

- ‌إسلام الكافر ونتائجه:

- ‌معرفة الجميل لأهله:

- ‌النهي عن وطء المسبية حتى تستبرأ أو تضع:

- ‌تنفيل المجاهدين بعد قسمة الفيء:

- ‌سهم الفارس والفرس والراجل:

- ‌حكم التنفيل:

- ‌حكم الأخذ من طعام العدو قبل القسمة:

- ‌وجوب المحافظة على الفيء:

- ‌يجير على المسلمين أدناهم:

- ‌إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب:

- ‌إجلاء بني النضير من المدين

- ‌تقسيم غنائم خيبر:

- ‌لا يحبس الرسول صلى الله عليه وسلم الرسل ولا ينقض العهد:

- ‌حكم الأرض المفتوحة:

- ‌1 - باب الجزية والهدنة

- ‌أخذ الجزية من المجوس:

- ‌أخذ الجزية من العرب:

- ‌مقدار الجزية عن كل حالم:

- ‌علو الإسلام بالوقوف عند العمل به:

- ‌السلام على الكفار وحكمه:

- ‌صلح الحديبية:

- ‌النهي عن قتل المعاهد:

- ‌2 - باب السبق والرمي

- ‌السباق على الخف والحافر والنصل:

- ‌محلل السبَّاق:

- ‌شرعية التدريب على القوة:

الفصل: ‌طرق ثبوت الزنا

‌وجوب التثبت في إثبات الزنا:

1162 -

وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: "لمَّا أتى ماعز بن مالكٍ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال له: لعلَّك قبَّلت، أو غمزت، أو نظرت؟ قال: لا يا رسول الله". رواه البخاريُّ.

"لعل" هنا للتوقع؛ يعني: أتوقع أنك فعلت كذا وكذا، "قبَّلت" أي: قبَّلت المرأة فظننت أن التقبيل زنًا، والتقبيل زنًا لا شك، لكنه ليس الزنا الذي يوجب الحد، "أو غمزت" أي: غمزت المرأة بيدك، الثالثة:"أو نظرت"، والنظر زنا العين، فقال ماعز:"لا يا رسول الله"، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا له من أجل أن يتثبت هل إقراره إقرار عن يقين وعن تعقل، أو إقراره عن معرفة، فلهذا سأله النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأسئلة، وسأله أيضًا أسئلة أخرى فقال له:"أنكتها؟ " قال: نعم، قال:"كما يغيب الميل في المكحلة والرشا في البئر؟ " قال: نعم، ولم يكن هناك حاجة إلى مثل هذه الأشياء، لكن أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنتج من هذا الرجل أنه عاقل وليس به جنون، وبهذا نعلم أن تكرار الأربع مرات ليس بشرط على القول الراجح كما سبق ذكر الخلاف فيه.

يستفاد من هذا الحديث فوائد: أولًا: أنه يجب على الإمام عند التردد أن يتثبت، لا سيما في هذا الأمر العظيم الذي يوجب إزهاق النفس، ويوجب العار على الفاعل، فإن الواجب التثبت، ولهذا لا يقبل في الزنا إلا أربعة رجال شهود، يشهدون على الفعل الصريح، وهم ثقات عدول، فلو شهد أربعون امرأة لم تقبل، بل لا بد من أربعة رجال.

ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أن هذه الأفعال زنًا، ووجه ذلك: أن ماعزًا أتى فقال: إني زنيت، فكأن الرسول قال له: لعلك زنيت زنا تقبيل أو غمز أو نظر.

ومن فوائد الحديث: صراحة الصحابة رضي الله عنهم وحبهم لتعزير أنفسهم، ولهذا أصرَّ ماعز رضي الله عنه على هذا الإقرار من أجل تنفيذ الحد عليه.

‌طرق ثبوت الزنا

1163 -

وعن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: "أنَّه خطب فقال: إنَّ الله بعث محمَّدًا بالحقِّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل الله عليه آية الرَّجم. قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالنَّاس زمانٌ ان يقول قائلٌ: ما نجد الرَّجم في كتاب الله، على من زنى إذا أحصن من الرِّجال والنِّساء، إذا قامت البيِّنة، أو كان الحبل، أو الاعتراف". متَّفقٌ عليه.

الذي يظهر - والله أعلم - أنها خطبة الجمعة، وأن ذلك كان في خلافته فقال: "إن الله بعث

ص: 346

محمدًا بالحق وأنزل عليه الكتاب"، وهذا كالتمهيد لما بعده؛ لأن صلب الموضوع سيذكر فيما بعد، قوله: "بعث محمدًا" ولم يقل: رسول الله؛ لأن هذا من باب الخبر، ويجوز أن يذكر النبي صلى الله عليه وسلم باسمه في باب الخبر بخلاف الدعاء فإنه لا يدعى باسمه، بل يقال: يا رسول الله، أو يا نبي الله، قال الله تعالى:{لَاّ تجعلوا دعاء الرَّسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا} [النور: 63].

وقوله: "بالحق" له وجهان: الوجه الأول: أنه ملتبسٌ بالحق؛ أي: أن رسالته حق.

والوجه الثاني: أنه جاء بالحق أرسل بالحق، وأن ما جاء به من الرسالة حق؛ لأنها مشتملة على الصِّدق في الأخبار والعدل في الأحكام، وعلى مصالح الناس في دينهم ودنياهم، وعلى أسباب الرفعة والعزة والكرامة والتقدم والظهور والانتصار، "وأنزل عليه الكتاب" يعني به: القرآن، وسمي القرآن كتابًا بمعنى مكتوب؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب بأيدي السفرة الكرام البررة، ومكتوب في المصاحف التي بأيدينا فلهذا يسمى مكتوبًا.

"فكان فيما أنزل الله عليه آية الرجم"، "في" هنا للظرفية؛ لأن ما أنزل على الرسول أوسع من آية الرجم، فصح أن تكون "آية الرجم" مظروفًا لما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم.

"قرأناها ووعيناها وعقلناها"، قرأناها بألسننا ووعيناها بآذاننا كما قال الله تعالى:{وتعيها أذنٌ واعيةٌ} [الحاقة: 12]. وعقلناها بقلوبنا يعني: أنها تمت فيها شروط الثبوت بالقول والسمع والفهم - العقل -.

"فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده"، كم رجم النبي صلى الله عليه وسلم؟ اليهوديين وماعزًا والغامدية وامرأة صاحب العسيف هذه خمسة، يقول:"ورجمنا بعده"؛ لأنه رضي الله عنه خليفة، وإقامة الحدود إلى السلطان وهو الخليفة.

"فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله"، "أخشى" بمعنى: أخاف خوفًا ثقيلًا، "إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله" لأن الناس كلما بعد زمانهم عن عهد النبوة ضعف فهمهم لها لطول الزمن وضعف الدين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر أن خير الناس قرنه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون ويؤتمنون ويخونون ويظهر فيهم السِّمن، فإذا طال الزمن بين الناس وبين عهد النبوة فلا بد أن يتخلخل الأمر، من ذلك أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله؛ لأن هذه الآية نسخ لفظها وبقي حكمها، وهذا أحد أوجه النسخ أن ينسخ اللفظ ويبقى الحكم، وهناك آخر ضده أن ينسخ الحكم ويبقى اللفظ، وهناك وجه ثالث: أن ينسخ الحكم واللفظ، والله عز وجل حكيم لا ينسخ شيئًا إلا لحكمة سواء كان اللفظ أو الحكم أو الجميع.

قال: "فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله" يضلوا أي: يتركوا فالضلال قد يراد به عدم العلم، وقد

ص: 347

يراد به عدم العمل، لكن الأكثر أنه على عدم العلم، يترك فريضة أنزلها الله وهي الرجم، وإن الرجم حق في كتاب الله، أكد ذلك بـ "إن"؛ لأن المقام مهم، "الرجم حق"، أي: ثابت وواجب في كتاب الله، وما هي الآية التي نزلت؟ لم يبينها عمر، لكن قد روي أنها بهذا اللفظ:"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم"، ولكن هذا اللفظ لا ينطبق أو لا يتفق مع الحكم الذي ذكره عمر رضي الله عنه وهذا يدل على أن الآية المنسوخة ليست هي هذا المنقول، ولذلك يقول رضي الله عنه:"على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء"، "على من زنى" والزنا سبق لنا أنه فعل الفاحشة في قبل أو دبر إذا أحصن، وسبق لنا معنى الإحصان وهو أن يطأ الرجل زوجته في نكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حرّان، وقوله:"إذا أحصن من الرجال والنساء"، "من" هذه بيانٌ للموصول في قوله:"من زنى".

"إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف"، هذا شرط ثبوت الزنا، والأول شرط ثبوت الحكم وهو الإحصان، أما ثبوت الزنا فلا بد من قيام البينة، وما هي البينة؟ ذكرها الله في قوله:{لَّولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} [النور: 13]. أربعة، هذا عدد يدل على أن المعدود مذكر، إذن بأربعة شهداء من الرجال، أو كان الحبل، يعني: الحمل، بأن تحمل امرأة ليس لها زوج وليس لها سيد، "أو الاعتراف"، يعني: الإقرار، فذكر رضي الله عنه أن طرق ثبوت الزنا ثلاثة: البينة، الحمل، والثالث الإقرار وهو كذلك وقد اختلف العلماء رحمهم الله في الحمل هل هو طريق لثبوت الزنا أو لا؟ والصحيح أنه طريق لذلك؛ لأن عمر خطب به على المنبر ولم يذكر أن أحدًا نازعه في ذلك أو عارضه.

ففي هذا الحديث فوائد جمَّة: أن عادة السلف أن الذي يتولى خطبة الجمعة هو الإمام؛ أي: الخليفة وهو كذلك، ولهذا قال العلماء رحمهم الله إن الذي يتولى إمامة الجمعة وخطبتها وإمامة العيدين هو الإمام نفسه؛ لأنه إمام فيؤم الناس في المجامع الكبيرة العامة.

ومنها: أن الله تعالى بعث محمدًا بالحق وأن دينه ليس فيه شيء من الباطل؛ لقوله رضي الله عنه: "إن الله بعث محمدًا بالحق".

ومنها: فضيلة عمر؛ حيث أعلن هذا الإعلان المبني الذي هو أساس التوحيد، أو بالأصح هو أساس الشهادة بالرسالة أن الله بعثه بالحق.

ص: 348

ومن فوائد الحديث: أن القرآن كلام الله لقوله: "أنزل عليه الكتاب"، والكتاب قول، والقول لا بد له من ققائل، وإذا كان نازلًا من عند الله صار هو القائل.

ومن فوائده: إثبات علو الله؛ لقوله: "أنزل عليه الكتاب".

ومن فوائد الحديث: أن آية الرجم كانت من القرآن ولكنها نسخت لقوله: "وكان فيما أنزل الله عليه آية الرجم" فنسخت لفظًا وبقي العمل بها حكمًا.

فإن قال قائل: هل يمكن أن نستنبط لذلك حكمة؟

قلنا: نعم، يمكن وهي تميز هذه الأمة وتمام انقيادها لشريعة الله، فإن الأمة الإسلامية تطبق الحكم الشرعي وإن لم يكن موجودًا لفظًا في الكتاب، بينما بنو إسرائيل لم يطبقوا الحكم الشرعي مع أنه موجود في كتابهم، هذا - والله أعلم - هو الحكمة في أن الله رفعها لفظًا وأبقى حكمها ليتبين بذلك فضيلة هذه الأمة وتميزها عن بني إسرائيل، وللأمة - والحمد لله - فضائل كثيرة من أبرزها ما مر علينا في قصة أصحاب السبت الذين حرّمت عليهم الحيتان يوم السبت فجعلوا حيلة لصيدها بأن يضعوا شباكًا يوم الجمعة ويأخذوا الحوت يوم الأحد، هذه الأمة اتليت بشيء قريب من ذلك كما قال تعالى:{يا أيُّها الَّذين آمنوا ليبلونَّكم اللَّه بشيءٍ من الصَّيد تناله أيديكم ورماحكم} [المائدة: 94]، يعني: "هم محرمون، فهل أحد منهم أخذ صيدة واحدة؟ لا مع تيسر ذلك لهم لكن تركوه.

ومن فوائد الحديث: تأكيد عمر رضي الله عنه بأن هذه الآية نزلت في القرآن لقوله: "قرأناها ووعيناها وعقلناها".

ومن فوائد الحديث: أن هذا الحكم لم ينسخ لقوله: "رجم النبي صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده" ومعلوم أن بقاء الحكم إلى ما بعد وفاة الرسول دليل على أنه ثابت لم ينسخ.

ومن فوائد الحديث: "قوع ما توقعه عمر؛ حيث قال: "أخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله"، بل قالوا: أشد من ذلك، قالوا: إن إقامة الحدود وحشية ولا يجوز أن نقيم الحدود، وقالوا: إنا إذا قطعنا يد السارق لزم أن يكون نصف الشعب أشل مشوهًا، فنقول لهم: أقررتم الآن على أنفسكم بأن نصف شعبكم سراق؟ ونقول لكم: لو أنكم قطعتم يد السارق لنقص العدد إلى الربع، وإذا قطعتم الثاني نقص إلى الثمن، ثم لا يزال يتناقص حتى لا يوجد أحدٌ يسرق، وكذلك أيضًا الرجم يقولون: "حشية، كيف نقيم رجلًا إنسانًا ونرجمه بالحجارة! إذا كان لا بد فلنقتله ولا نرجمه، فيقال: أنتم أرحم أم الله؟ لا يستطيعون أن يقولوا: نحن أرحم، لكن ربما يقولون قولًا غير سديد بأن هذا كان في زمن غير زمننا الآن، زمننا الآن زمن الحضارة التي هي خسارة وليست حضارة، زمن الحضارة وزمن

ص: 349

الإنسانية، أما في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فالناس رعاة إبل وبدو، فنقول لهم: إذن كفر تم بالإسلام إذا ادعيتم أن الإسلام لا يصلح إلَّا لوقت معين، وأنه في هذا الوقت غير صالح، فهذا هو الكفر بعينه وحينئذٍ لا جدال معكم.

ومن فوائد الحديثة وجوب إقامة الحدود لقوله: "بترك فريضة" فصرح رضي الله عنه أن إقامة الحد فريضة حتى في الرجم، وهو كذلك أنظر إلى آية السرقة:{والسَّارق والسَّارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا مِّن اللَّه واللَّه عزيزٌ حكيمٌ} [المائدة: 38]. وقال: {الزَّانية والزَّاني فاجلدوا كلَّ واحدةٍ مِّنهما مائة جلدةٍ ولا تأخذكم بهما رأفةٌ في دين اللَّه إن كنتم تؤمنون باللَّه واليوم الآخر} [النور: 2]. إذن أمر {فاجلدوا} وتهديد: {ولا تأخذكم بهما رأفةٌ في دين اللَّه إن كنتم تؤمنون باللَّه واليوم الآخر} ، {والَّذين يرمون المحصنات ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً} [النور: 4]. إذن الحدود من فرائض الله، ويجب على ولاة الأمور أن يقيموا الحدود على الصغير والكبير والشريف والوضيع بشرط أن يكون الصغير قد بلغ، لأن من دون البلوغ لا يقام عليه الحد.

ومن فوائد الحديث: أن الرجم حق وليس بباطل، لقوله:"وإن الرجم حق في كتاب الله"، خلافًا لهؤلاء الخلف الخالفون المخالفون الذين يقولون: إن الرجم همجية ووحشية

ومن فوائد الحديث: أنه لا يثبت الحد - أعني: حد الرجم - إلَّا بشرط الإحصان لقوله: "من زنى إذا أحصن" فإن كان غير محصن فإنه لا يرجم، ولكنه يجلد مائة جلدة ويغرب سنة.

ومن فوائد الحديث: أن الزنا يثبت بواحد من طرق ثلاثة: البينة، الحمل، الاعتراف، أما البينة فلا بد أن يشهد أربعة رجال عدول على فعل واحد، فإن شهد اثنان على أنه زنى بالأمس واثنان على أنه زني اليوم فإن الشهادة لا تكمل، ويحد كل واحد منهم ثمانين جلدة، كذلك أيضًا لو قالوا: نعم، هو زنى اليوم، ولكن شاهدين قالا: إنه زنى في البيت رقم واحد وشاهدين قالوا: زنى في البيت رقم اثنين، فلا تكمل الشهادة، فإن قال اثنان: زنى في الحجرة، وقال اثنان: زنى في الصالة فلا تكمل، إلَّا يمكن أن يتدحرج الفاعلان إلى الصالة؟ هذا بعيد، لكن في حجرة واحدة عين اثنان ربعة والآخرون ربعة أخرى يمكن أن تكمل، لأن هذا شيء قريب.

فإن قال أحد الشهود الأربعة: أنا رأيته عليها ورأيت حركة تدل على الجماع، لكنني لا أشهد أن ذكره في فرجها، والثلاثة قالوا: نشهد أن ذكره في فرجها فلا تكمل ويسلم الرابع ويجلد الثلاثة، الرابع يسلم؛ لأنه لم يصرح بالزنا، والثلاثة يجلدون؛ لأنهم صرحوا بالزنا.

الطريق الثاني لثبوت الزنا: الحبل - الحمل - لكن يشترط أن يكون ممن ليس لها زوج ولا سبيل، فإن كان لها زوج فإنه لا يمكن أن يقام عليها حد الزنا بالحمل لاحتمال أن يكون من زوجها، وكذلك لو كان لها سيد فإنه لا يقام عليها حد الزنا؛ لأنه احتمال أن يكون السيد قد

ص: 350