الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جدعناه
…
إلخ"، وقد سبق أن بعض العلماء حكى الإجماع على أنه لا قصاص بين الحر والعبد فيما عدا القتل، ولكن الصحيح أن بينهما قصاصًا وأنه إذا اقتص من الحر بالعبد في النفس فما دونها من باب أولى.
حكم قود الوالد بولده:
1116 -
وعن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يقاد الوالد بالولد". رواه أحمد، والتِّرمذيُّ، وابن ماجه، وصحَّحه ابن الجارود، والبيهقيُّ، وقال التِّرمذيُّ: إنَّه مضطرٌب.
وهذا الحديث أيضًا سبق الكلام عليه وبيَّنا أن هذا الحديث ضعيف وأنه لا تقوم به حجة وأن العلماء اختلفوا في قتل الوالد بالولد، فقيل: لا يقتل به واستدل هؤلاء بهذا الحديث لكنه ضعيف وعلَّلوا أيضًا بأنه سبب وجوده فلا ينبغي أن يكون الولد سبب إعدامه وبيَّنا أن هذه العلة عليلة ساقطة ونقضناها بمن زنى بابنته وهو محصن فإنه يرجم لزناه، وقلنا إن هذا النقض فيه نظر؛ لأن رجم الزاني ليس قصاصًا بل هو يرجم لحق الله، لكن نقض العلة بأن نقول: إن الولد إذا قتله أبوه فإنه ليس السبب في إعدام الأب، بل السبب في إعدام الأب، فعل الأب والحديث يشمل انتفاء القود في النفس فما دونه، ولكنا إذا قلنا: إنه يقاد به النفس فما دونها من باب أولى، وهو الصحيح كما سبق.
حكم قتل المسلم بكافر:
1117 -
وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: "قلت لعليٍّ: هل عندكم شيٌء من الوحي غير القرآن؟ قال: لا والَّذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة، إلا فهٌم يعطيه الله رجلًا في القرآن وما في هذه الصَّحيفة. قلت: وما في هذه الصَّحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلٌم بكافٍر". رواه البخاريُّ.
سبب سؤال أبو جحيفة أن الشيعة ادَّعوا أن لآل البيت مصحفًا غير المصحف الذي يتداوله المسلمون فسأل عليًّا عن ذلك فقال: "لا والذي فلق الحبة
…
إلخ" فأقسم رضي الله عنه أنه ليس عندهم شيء وادِّعاء أن عند آل البيت شيء زائد عن مصحف المسلمين يستلزم القدح في آل البيت؛ لأن علي بن أبي طالب يكون على هذا كذابًا حالفًا على الكذب، وإذا قدر أنه يجهل ما
عند آل البيت فيقال: كيف يكون أفضل البيت جاهلًا ما عند أهل البيت في هذا الأمر الخطير العظيم، يقول هل عندكم شيء من الوحي غير القرآن غير صفة لشيء، ولهذا جاءت مرفوعة قال:"لا والذي فلق الحبة" كلمة "لا" تقال دائمًا أمام لقسم فهل تدل على نفي القسم؟ لا، ولكنه يؤتى بها للتوكيد كقوله تعالى:{لا أقسم بهذا البلد} المعنى: أقسم بهذا البلد لكن "لا" جيء بها للتنبيه حتى ينتبه المخاطب لذلك وقوله والذي فلق الحبة المراد به الجنس وهي كقوله تعالى: {إنَّ الله فالق الحبّ والنوى} ، فالحب كل الحبوب يفلقها الله عز وجل وتنفتح في باطن الأرض وتخرج منها عروق الشجرة أو عروق الزرع حتى تكون الشجرة نامية إلى أن يأذن الله تعالى بانتهائها، وبرأ النسمة أي: الروح فالله تعالى هو بارئ النسم فذكر رضي الله عنه فلق الحبة وبرأ النسمة وهذا أجمع ما يكون من القسم إلا فهمًا وفي لفظ إلا فهٌم فعلى قراءة النصب يكون مستثنى وعلى قراءة الرفع يكون بدلًا من قوله: "شيء" يعني: إلا شيء هو الفهم الذي يعطيه الله تعالى من شاء من عباده وقوله: "يعطيه الله رجلًا في القرآن" إنما قال في القرآن مع أن الفهم يكون في السُّنة أيضًا لأنه سأل: "هل عندكم شيء من الوحي غير القرآن؟ " فلهذا قال: "إلا فهما يعطيه الله تعالى رجلًا في القرآن" فإنه يكون عندنا الفهم زائدًا على القرآن وكم من إنسان عالم أعطاه الله تعالى فهما زائدًا على ما في القرآن فصار عنده زيادة على ما في القرآن لكن ليست زيادة خارجة عن القرآن بل هي زيادة فهم في القرآن من ذلك مثلًا استدلال على بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله تعالى: {وفصاله في عامين} وقوله: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا} على أن أقل الحمل ستة أشهر لأنك إذا أخذت من الثلاثين شهرًا عامين بقي ستة أشهر هذا من الفهم الذي يؤتيه الله تعالى من شاء في القرآن وتجد بعض العلماء يستنبط من آية واحدة عشرات الفوائد وآخر لا يستطيع أن يستنبط خمسة أو أقل قال: "وما في هذه الصحيفة" هي: صحيفة أحاديث مكتوبة عند علي بن أبي طالب، قال:"وما في هذه الصحيفة؟ " قال: العقل، يعني: الدية التي تتحملها العاقلة وسميت عقلًا لأن الغارم لها يأتي بها ويعقلها عند مستحقها فلهذا سميت عقلًا من العقال ومتى يكون العقل؟ العقل فيما إذا كان القتل خطأ أو شبه عمد فإن العاقلة وهم العصبة يتحملون عن القاتل .. كما سيأتي إن شاء الله في الحديث الذي بعده- الثاني فكاك الأسير فالأسير المسلم يجب على المسلمين فك أسره بحسب ما يستطيعون إما بفدية مال أو أسير كافر نبادلهم الأسرى أو غير ذلك مما يفك به الأسير سواء كان الأسير أسير حرب أو أسير اختطاف فإن الواجب على المسلمين فك هذا الأسير، الثالث "ألا يقتل مسلم بكافر"؛ "مسلم"
نكرة في سياق النفي فتعمُّ كل مسلم ولو كان فاسقًا فلا يقتل بكافر، أي: كان كفره سواء كان يهوديًّا أو نصرانيًّا أو وثنيًّا أو شيوعيًّا وسواء كان معاهدًا أو مستأمنًا أو ذا ذمة لا يقتل المسلم بالكافر بكل حال.
الشاهد من هذا الحديث قوله: "وألا يقتل مسلم بكافر" لأنه هو المناسب لكتاب الجنايات.
في هذا الحديث فوائد كثيرة: منها ما امتن الله به على أهل السُّنة من ظهور كذب الشيعة في دعواهم أن عند آل البيت قرآنًا سوى هذا المصحف وذلك بسؤال أبي جحيفة.
ومن فوائد الحديث: جواز الإقسام بلا قسم إذا كان الأمر مهمًّا واقتضت المصلحة ذلك وجهه: أن عليًّا رضي الله عنه أقسم دون أن يستقسم.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي أن تكون صيغة القسم مناسبة للمقسم عليه حيث اختار عليّ رضي الله عنه القسم بالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ووجه المناسبة أن في فلق الحبة وبرء النسمة إنشاء حياة وفي الوحي الذي هو القرآن حياة ولهذا سماه الله تعالى روحًا {كذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا} ، فذكر رضي الله عنه الإحياء الكوني لمناسبته الإحياء الشرعي ففي الوحي إحياء شرعي وفي فلق الحبة وبرأ النسمة إحياء كوني هذا وجه المناسبة.
ومن فوائد الحديث: أن الله سبحانه يمنُّ على من يشاء من عباده بالفهم لقوله: "إلا فهمًا يعطيه الله"، وهذا أمر مشاهد مجرب أن الناس يختلفون في الفهم وأمثلته كثيرة ارجع إلى كلام المفسرين، أو كلا المحدِّثين تجد المفسر يأخذ من الآية عدة فوائد لا يأخذها غيره، وتجد بعض شراح الحديث يستنبط من الأحاديث فوائد كثيرة لا يستطيعها غيره كما يذكر عن الشافعي رحمه الله أنه استنبط من حديث "يا أبا عمير ما فعل النغّير؟ " منهم من قال: ألف فائدة، ومنهم من قال: أربعمائة وكان رحمه الله قد نزل ضيفًا على الإمام أحمد والإمام أحمد يجلُّه ويذكره عند أهله بالخير فبات عندهم تلك الليلة، فلما قدَّموا له العشاء أكل العشاء كله ولما نام لم يقم بالليل يتهجد ولما خرج لصلاة الصبح لم يتوضأ فاستغرب أهل البيت هذا العمل وسألوا الإمام أحمد وقالوا: هذا الشافعي الذي تقول فيه وتقول، كيف فعل هذا فسأل الإمام أحمد الإمام الشافعي فقال: إنما أكلت العشاء كله لأني لا أجد في هذا البلد أحل من طعام الإمام أحمد فأردت أن أملأ بطني منه، ومعلوم أن ملأ البطن أحيانًا لا بأس به كما فعل أبو هريرة أمام النبي صلى الله عليه وسلم وأما كوني لم أتهجد فإن العلم أفضل من التهجد وجعلت أفكر في حديث أبي عمير ما فعل النُّغير؟ وأستنبط منه فوائد وأما كوني خرجت بلا وضوء فلأني وضوئي لم
ينتقض لأنني لم أن فأخبر الإمام أحمد أهله بذلك فزال عنهم الاستغراب والشاهد أن الله تعالى يمنَّ على بعض الناس بالفهم يستطيع أن يستنبط من النص فوائد كثيرة لا يصل إليها غيره.
ومن فوائد الحديث: احتفاظ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالسُّنة وعنايته بها وكتابته لها لقوله: "وما في هذه الصحيفة".
ومن فوائد الحديث: الرد على من غمز بعض الرواة لكونه يروي من صحيفة كما في غمز بعضهم عمرو بن حزم الذي يروي من الصحيفة، فإن هذا الغمز أحقُّ بالغمز لأن الرواية من الصحيفة قد تكون أضبط وأحفظ من الرواية من الصدر، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اكتبوا لأبي شاة" حينما طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب له وثبت أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال أبو هريرة: "لا أعلم أحدًا أكثر مني حديثًا إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب".
ومن فوائد هذا الحديث: حرص أبي جحيفة على السؤال حيث قال: وما في هذه الصحيفة؟ فإنه رضي الله عنه خاف أن يكون فيها شيء من القرآن فقال: "وما فيها؟ ".
ومن فوائد الحديث: ثبوت العقل، يعني: كون الدية على العاقل وهذه المسألة اختلف فيها العلماء فمنهم من قال: إنه لا شيء على العاقلة إلا على سبيل المساعدة تبرعًا وتطوعًا لما سيأتي في الأحاديث التي ذكرها المؤلف ولقوله تعالى: {ولا تزر وازرٌة وزر أخرى} ، ومنهم من قال بل تحمل العاقلة ما زاد على الثلث دون ما كان من الثلث فأقل ومنهم من قال تحمل العاقلة عن القاتل إذا كان فقيرًا فيكون تحملها ليس عل سبيل الأصالة ولكنه فرع عن تحمله القاتل- وسيأتي بيان التحقيق في المسألة.
ومن فوائد الحديث: وجوب فك الأسير المسلم لقوله: "وفكاك الأسير" ولم يذكر في الحديث طريق فكه فيرجع في ذلك إلى ما يحصل به الفك بأي وسيلة كان.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز أن يقتل مسلم بكافر وهذا هو الشاهد لقوله: "وألا يقتل مسلم بكافر".
ومن فوائد الحديث: كذب الشيعة في دعواهم أن عند آل البيت مصحفًا يخالف المصحف الذي في أيدي المسلمين، وأنه إذا كان إمام أهل البيت علي بن أبي طالب يقسم بأنه ليس عندهم شيء فإن أي دعوى في ذلك تعتبر تكذيبًا لعلي بن أبي طالب وهو إمام أهل البيت وطعنًا فيه!