الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قديمًا في مجلة من غير هذه البلاد أن شابًّا دخل على أمه في الساعة الواحدة ليلًا وهو سكران فراودها عن نفسها وأبت عليه، فأخذ السكين وقال: إن لم تفعلي فسأنتحر فأدركتها الشفقة فمكنته من نفسها ثم انصرف وذهب إلى غرفة نومه، وفي الصباح أحس بشيء فأتى إلى أمه، وقال: ماذا فعلت البارحة؟ قالت: لم تفعل شيئًا، فأصر عليها فأخبرته، فأخذ دلوًا من البنزين أو الغاز وذهب إلى الحمام وصبها على نفسه، ثم أحرق نفسه فصار هذا فعل جنايات شرب الخمر والزنا بأمه وقتل النفس وأشياء كثيرة تذكر عن السكارى، ولهذا صارت تسمى أمّ الخبائث ومفتاح كل شر، تبين الآن أنها حرام، وماذا يجب على الإمام أن يعامل من شرب المسكر؟ بينه في الحديث الآتي:
عقوبة شارب الخمر:
1191 -
عن أنسٍ بن مالكٍ رضي الله عنه: "أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أتي برجلٍ قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكرٍ، فلمَّا كان عمر استشار النَّاس، فقال عبد الرَّحمن بن عوفٍ: أخفُّ الحدود ثمانون، فأمر به عمر". متَّفقٌ عليه.
هذا رجل ولم يذكر اسمه ولا حاجة إلى تعيين اسمه؛ لأن المقصود هو الحكم، أما كون الفاعل فلانًا أو فلانًا هذا لا يهمنا، وقوله:"شرب الخمر" سبق معنى الخمر، "فجلده" يعني: أمر بجلده، ولهذا قام الصحابة يجلدونه، وقوله:"نحو أربعين"، كلمة "نحو" تدل على أنها ليست حدًّا مؤكدًا، إذ لو كانت حدًّا مؤكدًا القال: جلده أربعين، قال:"وفعله أبو بكر" يعني: أنه جلد في الخمر نحو أربعين.
"فلما كان عمر استشار الناس" أي: طلب منهم المشورة، والمشورة: هي إبداء الرأي في الأمور المشكلة، وكان من عادة عمر رضي الله عنه على ما عنده من الإلهام الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم:"إن يكن فيكم تحدثون فعمر"، كان رضي الله عنه لا يستقل برأيه يستشير الصحابة وله في ذلك مقامات كثيرة، استشار الصحابة؛ لأن الناس كثر فيهم شرب الخمر بواسطة ما أنعم الله عليهم به من الفتوح واختلاط الأنباط بهم، فكثر فيهم شرب الخمر، فاستشار الصحابة ماذا يصنع، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، ويعنى بذلك: حد القذف لقول الله تعالى: {والَّذين يرمون المحصنات ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً} [النور: 4]. فأمر به عمر يعني أمر بحد القذف أن يجلد الشارب، فزادت العقوبة نحو الصعف أو أكثر، فنفذه عمر رضي الله عنه بعد أن استشار الصحابة رضي الله عنهم.
في هذا الحديث فوائد: منها: أن وقوع مثل هذه المنكرات لا يستغرب؛ لأنه وقع في عهد الصحابة وفي زمن الرسول صلى الله عليه وسلم السرقة وجدت الزنا وجد، شرب الخمر وجد في خير القرون وأفضل العهود في قرن الصحابة وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والإسلام طري النفوس مقبلة عليه شغوفة به متمسكة به، ومع ذلك يقع من أفراد الناس مثل هذا، فلا تستغرب إذا وقع في عصرك وأنت في القرن الخامس عشر مثل هذه الأشياء مع بعد الفرق بين ذاك الزمن وهذا الزمن، وبين أولئك الناس وهؤلاء الناس، وبين الكثرة والقلة، كان الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مائة وأربع وعشرون ألفًا، الآن كم عدد المسلمين؟ مليار، فإذا قدر أنه زنى منهم ألف الألف نسبته إلى المليار قليلة جدًّا فعلى هذا نقول: لا يلحقك همٌّ أو غم إذا رأيت شيئًا من المنكرات في عهدك، ولكن هذا لا يمنعك من أن تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر.
ومن فوائد الحديث: يطلب إخفاء الفاعل إذا لم تلاع الحاجة إلى بياته وتعيينه من قوله: "شرب رجل" ولم يعينه.
ومن فوائد الحديث: نسبة الشيء إلى الآمر به لقوله: "فجلده نحو أربعين".
ومن فوائد هذا الحديث: أن عقوبة شارب الخمر ليست بحد لقوله: "نحو أربعين"، ولأن عمر زادها والحد لا يمكن أن يزاد، ولهذا لو كثر الزنا في غير المحصنين فهل لنا أن نزيد على مائة جلدة؟ لا، ولو كانت عقوبة شارب الخمر حدًّا ما زاد عمر عليها.
الوجه الثالث: أن عبد الرحمن بن عوف قال: أخف الحدود ثمانون، قالها بمحضر الصحابة ولم ينكر عليه أحد، ولو كانت عقوبة شارب الخمر حلًا لكان أخف الحدود أربعين، وهذا القول هو الذي تبين لي من السُّنة أن عقوبة شارب الخمر ليست حدًّا، ولكن يمكن أن نقول: إنها حد أدنى، بمعني: ألَّا ننقص عن أربعين، أما الزيادة على أربعين إلى ثمانين أو عن ثمانين إلى مائة وعشرين فهذا لا بأس به، إذا كان الناس لا يرتدعون بدونه.
ومن فوائد ألحديث: أنه في عهد أبي بكر رضي الله عنه كان الناس قريبين من عهد النبوة والمعاصي فيهم قليلة وتوسع الفتوحات كان قليلًا؛ لأن عهد أبي بكر سنتين وخمسة أشهر تقريبًا.
ومن فوائد الحديث: مشروعية الاستشارة حتى وإن كان الإنسان ذا عقل ومشورة.
شاور سواك إذا نابتك نائبةٌ
…
يومًا وإن كنت من أهل المشورات
المرع قليل بنفسه كثير بإخوانه، وإذا كان عمر رضي الله عنه هو من هو - يستشير الصحابة فمن دونه - من باب أولى، ولكن هل نستشير في كل شيء؛ بمعنى: إذا عرض للحاكم مسألة يجمع الناس
إليها ليستشيرهم أو لا يستشير إلَّا فيما تدعو الحاجة إلى الاستشارة فيه؟ الثاني هو المقصود أنك لا تستشير إلَّا في أمور تدعو الحاجة إلى الاستشارة فيها، وهل يستشير الإنسان في أموره الخاصة أو لا يستشير إلَّا في الأمور العامة؟ الأول، لأن النبي صلى الله عليه وسلم استشار في شأن عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك، فالإنسان يستشير في أموره الخاصة ويستشير في الأمور العامة، ولكن يشترط في المستشار أن يكون أمينا وأن يكون ذا رأي، وهل يشترط أن يكون قريبًا؟ لا؛ لا بد أن يكون أمينًا لا تستشر إلَّا إنسانًا أمينًا يحب لك ما يحب لنفسه، الثاني: أن يكون ذا رأي، لأن من ليس له رأي لا تستفيد منه كثير من الناس إذا استشرته في شيء يقول: كله زين، ويقول العامة: إذا أردت أن تحيره فخيره، فلا بد أن يكون ذا رأي، هل يشترط أن يكون ذا دين، أو نقول: إن قولنا أمين يكفي؟ الثاني، إذا كان أمينا فالأمانة لا تكون إلَّا [ممن عنده] دين، وإذا استشرت فهل تستسلم لما يقول أو تناقشه؟ الثاني، تناقشه حتى يستبين الأمر؛ لأنه قد يشير عليك بما يرى انه مصلحة لكنه لا يدري ما وراء ذلك مما هو عندك أنت فلا حرج أن تناقشه، قد يغضب بعض الناس يقول: كيف تستشيرني ثم تجادلني ماذا تقول له؟ تقول: أنا ما جادلتك اعتراضًا لكن جادلتك لأجل أن يتبين الأمر حتى أعرف؛ لأن الإنسان قد يبدو له شيء وتغيب عنه موانعه، فإذا وجد من يعارضه تبين تمامًا.
ومن فوائد الحديث: تواضع عمر رضي الله عنه، وبه نضع شجن في حلوق الذين يقولون: إن عمر رجل مستبد.
بقي علينا بحث: هل الخمر نجس أو لا؟ أكثر العلماء على أن الخمر نجس نجاسة حسية وأنه كالبول والغائط في تنجيس الثياب والأراضي وغيرها، واستدلوا لذلك بقوله تعالى:{يا أيُّها الَّذين ءامنوا إنَّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسُ من عمل الشَّيطان فاجتنبوه لعلَّكم تفلحون} واستدلوا بأنه حرام، ولا يحرم الله إلَّا الخبيث، والخبيث نجس، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخمر ليست بنجسة نجاسة حسية، واستدلوا لذلك بدليل إيجابي، ودليل سلبي، أما الدليل الإيجابي فقالوا: إن الخمر حين حرمت أراقها الناس في الأسواق ولم يؤمروا بغسل الأواني، وهذا يدل على أنها طاهرة إذ لو كانت نجسة لأمروا بغسل الأواني كما أمر الناس حين حرمت الحمر أن يغسلوا الأواني بعدها.
ثانيًا: أن الصحابة أراقوا الخمر حين حرمت بأسواق المدينة، ولو كانت نجسة ما أراقوها في الأسواق؛ لأنه لا يحل للإنسان أن يضع في أسواق المسلمين ما يكون نجسًا؛ ولهذا حرم البول والغائط في الطرقات.
ثالثًا: أن رجلًا أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم راوية من خمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها حرمت،
فتكلم أحد الصحابة مع الرجل سرًّا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بما ساررته؟ قال: قلت: بعها، فبيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن ثمنها حرام، ثم فتح الرجل فم الراوية وأراق الخمر الذي فيها ولم يمنعه الرسول صلى الله عليه وسلم من إراقته لما كان قريبًا من مجلسه، وقد يكون هذا في المسجد ثم لم يأمر أن يغسل الراوية، وهذا يدل على طهارة الخمر، أما الدليل السلبي فنقول: الأصل في الأشياء الطهارة، فمن ادعى نجاسة أي عين من الأعيان طولب بالدليل، وقد علمتم للقائلين بأنه نجس دليلًا من القرآن وهو قوله تعالى:{با أيُّها الَّذين ءامنوا إنَّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان} [المائدة: 90]. والجواب عن الآية أن المراد بالرجسية هنا رجسية العمل؛ لأنه قال: {رجسٌ من عمل الشيطان} ، ولأن قوله:{رجسٌ} ، خبر عن أربعة أشياء: الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، والخبر حكم على المخبر عنه، وإذا كان بالإجماع أن ثلاثة من هذه الأربعة ليست نجسة نجاسة حسية لزم أن يكون الرابع مثلها لا فرق، وعلى هذا فيكون الدفع، أي: دفع من قال بالنجاسة واستدل بهذه الآية قالوا: وهو محرم؛ أي: الخمر، قلنا: وليكن محرمًا ولا شك في ذلك، لكن هل يلزم من تحريم الشيء أن يكون نجسًا؟ لا يلزم فها هو السُّم حرام وليس. بنجس، والدخان مثلًا حرام وليس بنجس، وبهذه الأدلة يتبين أن الخمر ليس بنجس، ويبنى على هذا ما أبتلي به الناس اليوم من أن بعد الأطياب تحمل كحولًا بنسبة كبيرة فهل يجوز أن يتطيب بها الإنسان، وهل إذا تطيب بها تكون ثيابه نجسة هذان سؤالان؟
أما الأول فنقول: الأولى ألَّا يتطيب بها؛ لأنه لا ضرورة إلى ذلك إذ إنّ هناك أطيابًا طيبة خالية من هذه المادة، والشيء الثاني: أنها من الأمور المشتبهة لقول الله تعالى: {إنَّما يريد الشَّيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدَّكم عن ذكر الله وع الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91]. وهذا يكون فيما إذا شربه، أما إذا تطيب به أو ادَّهن به فلا يحصل ذلك بلا شك، وعلى هذا فيبقى التطيب من الأمور المشتبهة، والأمور المشتبهة القاعدة فيها أنها تبيحها الحاجة، فإذا احتاج الإنسان إلى استعمال هذه الكحول لتعقيم جرح أو غير ذلك فهذا جائز ولا ريب فيه، حتى وإن كان فيها مادة كحول كثير لأنها حاجة، والتحريم فيه اشتباه، ولا يمكن أن نمنع ما كان فيه الاشتباه مع أن الأصل الحل، فإذا احتاج الإنسان إلى استعمال هذه الأشياء لتعقيم جرح أو ما أشبه ذلك فلا بأس.
* * *
1192 -
ولمسلمٍ: عن عليٍّ رضي الله عنه في قصَّة الوليد بن عقبة: "جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكلٌّ سنّةٌه، وهذا أحبُّ إليَّ. وفي هذا الحديث: "أنَّ رجلًا شهد عليه أنَّه رآه يتقيَّأ الخمر، فقال عثمان: إنَّه لم يتقيَّأها حتَّى شربها".
قوله: "هذا أحب إليَّ"، "هذا" المشار إليه الثمانون؛ لأن الإشارة والضمير يعودان إلى أقرب مذكور، وإنما كان أحب إلى علي رضي الله عنه لما فيه من النكال والعقوبة، وفي الحديث - يعني: نفسه - الذي عند مسلم وقوله: "إنه لم يتقيأها حتى شربها" هذا معلوم.
ففي هذا الحديث فوائد منها: أنه يجوز الاقتصار على أربعين في شرب الخمر؛ لقول عليّ: "وكل سنَّة"، وتجاوز الزيادة على الأربعين؛ لأن علي يقول:"إنه سنة" الأول - أعني: الأربعين - سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وأول خلافة عمر، والثاني سنة عمر رضي الله عنه وقول علي:"كل سنة" يعني: كل سنة يجوز العمل بها.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي التغليظ في العقوبة كلما تتابع الناس في المعصية لقول علي: "وهذا أحب إلي".
ومن فوائد الحديث: جواز إقامة عقوبة شرب الخمر لمن تقيأ الخمر، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إن من تقيا الخمر وجبت عقوبته كالمرأة إذا حملت يجب أن تحد ما لم تدعي شبهة، وهذا الذي تقيأ الخمر يجب أن يعاقب بعقوبة شرب الخمر ما لم يدَّع شبهة، وهذا القول هو الراجح وهو الصحيح، وهو قول عثمان رضي الله عنه، وعلله بتعليل معقول صحيح، وهو أنه لم يتقيأها حتى شربها؛ لأنه من أين دخلت ليس هناك طريق إلَّا الفم وهذا هو الشرب، وقال بعض العلماء: إنه لا يحد إذا تقياها لاحتمال أن يكون شربها جاهلًا أو مكرهًا أو ما أشبه ذلك، نقول: هذا الاحتمال وارد حتى فيمن شربها يحتمل أنه مكره أو أنه جاهل يحسب أن هذا شراب عادي، نعم لو أن الذي تقيأها ادعى أنه لم يعلم ولما علم تقيأها لقلنا: إنه لا تجب عقوبته لأنه جاهل، فإذا لم يدَّع شبهة فإن الأصل كما قال عثمان رضي الله عنه:"أنه لم يتقيأها حتى شربها".
1193 -
وعن معاوية رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال في شارب الخمر: "إذا شرب فاجلدوه، ثمَّ إذا شرب الثَّالثة فاجلدوه، ثمَّ إذا شرب الرَّابعة فاضربوا عنقه". أخرجه أحمد وهذا لفظه، والأربعة.