الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمرسل له اصطلاحان: المصطلح الأول المشهور، وهو ما رفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو رفعه الصحابي الذي لم يسمع من الرسول فهو صنفان مرفوع تابعي أو صحابي لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم وسواء لم يسمع من الرسول لصغر سنه أو لتيقننا أنه غاب عنه في هذا المشهد، فمثلاً لو ري أحد من الناس حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة من الغزوات ونحن نعلم أن هذا الراوي لم يشهد هذه الغزوة فإنه يكون مرسلاً لأننا نعلم أن بين الراوي وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، واسطة، كذلك إذا رواه الراوي الذي لم يسمع من الرسول كمحمد بن أبى بكر، فإنه ولد عام حجة الوداع، أمه أسماء بنت عميس وضعته ف ي ذي الحليفة، فإذا روي محمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا فإنه مرسل.
أما النوع الثاني من المرسل في الاصطلاح: فهو كل ما لم يتصل سنده فإن بعضهم يسميه مرسلاً فيقول: أرسله فلان عن فلان، لأن بينهما واسطة، وهو يشبه المرسل المصطلح عليه المشهور من حيث سقوط الواسطة؛ ولذلك يطلق عليه بعض المحدثين أنه مرسل، أما حكم المرسل فهو الضعف إلا في حالين: الحال الأولى: إذا رفعه الصحابي، قالوا: فإن مرسل الصحابي مقبول وذلك لشدة تحري الصحابة في النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو لم يرسله إلى الرسول مباشرة إلا لعلمه أن الواسطة ثقه، والحال الثانية: إذا علمنا أن هذا التابعي لا يروي إلا عن صحابي كما يذكر عن سعيد بن المسب أن مراسيله عن أبى هريرة رضي الله عنه [متصلة] فهذا أيضًا يكون مقبولاً وما عدا فإن المرسل يعد من قسم الضعيف.
ثم قال المؤلف: ووصله العقيلي بإسناد ضعيف عن علي فصار هذا الحديث إما ضعيفًا من حيث اتصال السند لكون مكحول أرسله، وإما ضعيفًا من حيث الرواة، كما قال الحافظ ابن حجر، وصله العقيلي بإسناد ضعيف عن علي رضي الله عنه لكن على كل حال إذا لم يصح سندًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن القواعد الشرعية تقتضي ذلك، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإذا لم يتم الوصول إلى غزو هؤلاء الكفار وإثخانهم إلا بذلك كان جائزًا بلا شك.
جواز قتل المرتد في الحرم:
1232 -
وعن أنس رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل، فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه" متفق عليه.
قوله: "دخل مكة"، يعني: في غزوة الفتح، وكان ذلك في رمضان في السنة الثامنة من
الهجرة، وروي أهل التاريخ أنه في يوم الجمعة العشرين من شهر رمضان، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم أدرك تسعة أيام من رمضان في مكة ومع ذلك فقد ورد في البخاري أنه لم يصم هذه الأيام التسعة، لأنه مسافر ومشغول بتدبير شئون الفتح وما يتعلق به.
وقوله: "على رأسه المغفر" الجملة من حيث الإعراب في محل نصب على الحال، والمغفر: آلة الغفر، أي: الستر؛ لأن مفعل تطلق على معان منها الآله مثل مقلاع، محراب، آله الحرب، مغفر على وزن مفعل يعني: آله الغفر: هو الستر مع الوقاية، وهو شيء يلبس على الرأس يقي سهام المقاتلين، "فلما نزعه- يعني: انتهي الحرب ونزعه- جاءه رجل وقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة .. الخ) ابن خطل اسمه عبد الله، قال:"متعلق بأستار الكعبة" متعلق بها تأمينًا على نفسه، لأن هذا البيت من دخله كان آمنًا فالمتعلق بأستار الكعب يكون أشد أمنًا فهذا الرجل متعلق بأستار الكعبة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اقتلوه"، فقتل لا شك، وكان ذلك ضحي يوم الفتح وقد أحل الله لنبيه صلى الله عليه وسلم مكة من ضحي يوم الفتح إلى صلاة العصر، وهذا معني قوله:"وإنما أحلت لي ساعة من النهار" يعني: من طلوع الشمس إلى العصر- حوالي ثماني ساعات- لكن ليست الساعة الاصطلاحية.
* فائدة: اتخاذ الأسباب لا ينافي التوكل.
من فوائد هذا الحديث: أولاً: مشروعية فعل الأسباب الواقية من الضرر وأنها لا تنافي التوكل، وذلك للبس الرسول صلى الله عليه وسلم المغفر على رأسه وقاية من السهام وقد ظاهر صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد بين درعين، يعني: لبس درعين، ليكون ذلك أشد حماية، ففعل الأسباب النافعة الثابتة شرعًا أو حسًا من الأمور المطولبة الثابتة شرعًا كالرقي التي يرقيها على المرضي أو على نفسه والأوراد وما أشبه ذلك هذه نافعة ثابتة بالشرع، والثابتة بالحس كالذي يثبت بالتجارب كثير من الأدوية يثبت نفعه بالتجارب، فمتى ثبت حسًا بأن هذا نافع فإنه مأمور أما ما كان ينفع وهمًا ولا أثر له في الواقع فإن الاعتماد عليه من باب الشرك بالله كلبس الحلقة لدفع البلاء أو رفعه فإن هذا من باب الشرك لكنه شرك أصغر، ووجه كونه شركًا، إنه إثبات سبب لم يثبت شرعًا ولا حسًا وهذا يقتضي أن يكون المثبت مقدرًا مع الله وربًا مع الله، فإذا كان هذا لم يثبت أنه سبب لا شرعًا ولا حسًا فإنه لا يجوز الاعتماد عليه.
ومن فوائد الحديث: أن للأسباب تأثيرًا، لأن النبي لبس المغفر ولولاً أنه تحصل به الوقاية لكان لبسه عبثًا لا فائدة منه، فالأسباب لها تأثير سواء كانت أسباباً شرعية أو أسباباً حسية، أما الشرعية فمثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"من أحب أن ينسأ له في أثره ويبسط له في رزقه فليصل رحمه" وأما الأسباب الحسية فكثيرة.
ثبوت تأثير الأسباب وأدلته:
وبهذا نرد على من قالوا: إن الأسباب لا أثر لها ولا تؤثر، لأن من العلماء من قال: إن الأسباب ليس لها أثر حتى لو رميت زجاجة بحجر فانكسرت فإنها لم تنكسر بإصابة الحجر، الحجر لا يمكن أن يكسر، قال: هذه انكسرت عند الإصابة وليس بالإصابة، الإصابة هذه علامة أنه إذا التقى الحجر بالزجاج انكسر إمارة وليس له تأثير، ولا أدري كيف تكون هذه أمارة ولو ضربنا الحديد بالحجر لم ينكسر.
ومن فوائد الحديث: العمل بالأسباب.
ومن فوائد الحديث أيضًا: أن للأسباب تأثيرًا، وذكرنا أن للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: طرفان ووسط أما الطرفان فالأول أنه لا تأثير للأسباب مطلقًا وأن ما يحصل من التأثير بها فهو حاصل عندها لا بها وأنها مجرد علامات، يعني: علامة انكسار الزجاجة إذا ضربها الحجر أن يصدمها الحجر وليست تنكسر به، وهذا مذهب الأشاعرة ومذهب كل من ينكرون الحكمة في أفعال الله عز وجل لأنهم لا يعللون الأفعال والقوائع، ولا شك أن هذا القول باطل ومردود بأوجه كثيرة بالدليل العقلي والسمعي والحسي وأن هذا لو ذكر أنه من عقائد المسلمين عند غير المسلمين لاتخذوا عقيدة المسلمين هزوا؛ لأن هذا القول يكذبه الحس والواقع، يعني: لو أن إنسانًا قذف بحجر على زجاجة فانكسرت وقالت: إنها لم تنكسر بالحجر وإنما انكسرت عنده لا به لضحك الناس من هذا، والعجب أن القائلين بهذا القول يرون أنهم هم أهل الإخلاص، لأن إثبات تأثير الأسباب عندهم من باب الشرك حيث جعلوا مؤثرًا دون الله أو مع الله، وهذا القول تصوره كاف عن سياق أدلة بطلانه.
الطرف الثاني: القائلون بأن الأسباب مؤثرة بطبائعها بمقتضى طبيعتها مؤثرة بذاتها، فالحجر هو الذي كسر الزجاجة بنفسه وبطبيعتها، والنار هي التي أحرقت الورق بنفسها، وهذا القول باطل بدلالة الواقع ودلالة الشرع، يعني: بدلالة الشرع والواقع على أنه باطل وهو نوع من الشرك بالله عز وجل لأن اعتقاد أن شيئًا ما يؤثر في الشيء الآخر بنفسه دون الله هذا شيء من الشرك
لا شك فيه، ووجه بطلانه من الشرع: قول الله تبارك وتعالى: {أفرأيتم النار التي تورون (76) أنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون} [الواقعة: 71 - 72]، فبين الله تعالى أن الذي أنشأ شجرة النار والتي تنقدح بها النار هو الله عز وجل وبين أنه جعلها متاعًا للمقوين، وتذكرة للمتقين، وأما الواقع فإن الله سبحانه وتعالى قال للنار التي ألقى فيها إبراهيم:{كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم} [الأنبياء: 69] فكانت بردًا وسلامًا ولم تحرقه ولو كان إحراقها بذاتها لأحرقته بذاتها إذن بطل الطرفان الأول والثاني أيهما أبعد عن المعقول والفطرة؟ الأول أبعد عن المعقول والفطرة.
أما القول الوسط وهو الحق- والغالب أن القول الوسط هو الصحيح- فيقول: إن للأسباب تأثيرًا ولكن لا بذاتها، بل بما أودع الله فيها من القوة المؤثرة وبهذا نسلم من شرك من جعلوها مؤثرة بذاتها ونسلم من سفه القول بأنها لا تؤثر.
من فوائد الحديث: أن مكة فتحت عنوة بالسيف لا بالصلح لقوله: "وعلى رأسه المغفرة"، وهذا يدل على أنه فتحا عنوة لا صلحًا، وهذا هو الصحيح.
فإن قال قائل: لماذا لم تقسم مكة على الغانمين إذا كانت فتحت عنوة كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم أرضي بني النضير وبني قريظة؟
فالجواب عن ذلك من أحد وجهين: إما أن نقول: إن قسم الأراضي المغنومة راجع إلى الإمام فإن رأي مصلحة في القسم قسم وإن رأي مصلحة في الإيقاف أن توقف وتجعل وقفًا للمسلمين ويضرب عليها الخراج فعل، وإن رأي أن تكون وقفًا بدون خراج فعل، وإن رأي أن يمن بها على أهلها فعل، الوجه الثاني: أن المانع من قسمة مكة هو أن مكة مشعر من المشاعر فيكون في هذا دليل على أن مكة لا تقسم كما هو قول كثير من العلماء أن مكة كمني وعرفة ومزدلفة مشعر لا يمكن أن يجري فيها القسم لكن يجري فيها الأحقية، فمن كان تحته دار أو ما أشبه ذلك فهو أحق بها من غيره، لكن لا يملكها، والمسألة فيها أقوال، أظن أننا ذكرناها في الكلام على زاد المستنقع فلا حاجة للإعادة.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجب الإحرام على من دخل ولو تباطأ العهد، وجه الدلالة: أن النبي دخلها وعلى رأسه المغفر والمحرم لا يمكن أن يلبس المغفر، واختلف العلماء في تخريج هذا فمنهم من قال: إنه لا يجب الإحرام على داخل مكة إذا دخلها لقتال مباح والنبي صلى الله عليه وسلم دخلها لقتال مباح، فكل من دخلها لقتال مباح فإنه لا يلزمه الإحرام لأنه سيشتغل بالقتال عن النسك، ومنهم من قال: إنه لا يجب على من أدي فريضة العمرة والحج ثم دخل مكة أن يحرم وهذا المأخذ هو الصحيح- أن من دخل مكة وقد أدي الفريضة فلا إحرام عليه- ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر أن الله فرض علينا الحج قال الحج قال رجل يا رسول الله أفي كل عام؟ قال:
"لو قلت نعم لوجبت وما استطعتم، الحج مرة فما زاد فهو تطوع" فقال: "ما زاد" و"ما زاد" هذه شرطي تعم كل شيء، فمتى أدي الإنسان فريضة الحج والعمرة كان ما يفعله بعد ذلك تطوعًا إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله، ويدل لذلك أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم حين وقت المواقيت قال:"هن لهن ولمن أتي عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة" هكذا استدل بعض العلماء بهذا الحديث، وفي هذا الاستدلال منازعة، لأن قوله:"ممن يريد" لا تدل على عدم الوجوب، لأن الوجوب سابق على الإرادة، فيمكن أن نقول:"ممن يريد" ممن يجب عليه، وكل الناس يجب عليهم، ونظير ذلك أن نقول: الوضوء واجب على من يريد أن يصلى الظهر، هل هذا يدل على أن صلاة الظهر غير واجبة؟ لا، بل يدل على وجوب الوضوء لمن أرادها، ثم الإرادة يسبقها الحكم الشرعي واجبًا كان أم مندوبًا لكن الدليل الواضح هو الأول وهو قوله:"الحج مرة فما زاد فهو تطوع".
ومن فوائد الحديث: أن الإخبار عن الجاني ليس وشاية وليس بحرام، يؤخذ من قوله:"أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة" هذه وشاية لكن لمصلحة، فمن هو ابن خطل؟ هو رجل كان قد أسلم في المدينة ثم ارتد ولحق بالمشركين في مكة، واتخذ جاريتين تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فجمع بين الردة واللحاق بالمشركين وسب النبي (صلى الله علي وسلم)، فكانت ذنوبه عظيمة، واشتهر ذلك فجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبر به، فقال:"اقتلوه".
ومن فوائد الحديث: أنه قد اشتهر حتى عند الكفار الالتجاء إلى بيت الله الحرام.
ومن فوائد الحديث: جواز قتل المرتد في مكة، وذلك لقوله "اقتلوه" ولكن هل هذا عام بحيث من ارتد خارج مكة ثم دخل مكة فإن الحرم يعيده أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء، منهم من قال: إن من فعل ما يوجب خارج مكة ثم لجأ إليها فإنها لا تقام عليه العقوبة، لعموم قوله الله تعالى:{ومن دخله كان أمنًا} [آل عمران: 97]، وقوله:{أو لم يروا أن جعلنا حرمًا أمنًا ويتخطف الناس من حولهم} [العكنبوت: 67] ولأن الطيور- وهي من غير البشر- تأمن إذا دخلت إلى مكة، فالآمي من باب أولى، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، لكنهم قالوا: يضيق على هذا الرجل حتى يخرج فلا يكلم ولا يطعم ولا يسقي ولا يماشي حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت ثم يخرج فإذا خرج أقمنا عليه الحد، ومنهم من قال: إن الحرم يعيد العاصي مطلقًا ولا يتعرض له بشيء ولا يضيق عليه؛ لأنه دخل المكان الآمن وربما يمن الله عليه بالهداية إذا عرف أنه استجار بحرم الله فأجير تعظيمًا لله عز وجل فالأقوال ثلاثة.
فإن قال قال: هل في قصة ابن خطل دليل على القول الذي يقول: إنه يجيره مطلقًا؟