الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حد المملوك القاذف:
1178 -
وعن عبد الله بن عامرٍ بن ربيعة قال: "لقد أدركت أبا بكرٍ، وعمر، وعثمان، ومن بعدهم، فلم أرهم يضربون المملوك في القذف إلَّا أربعين". رواه مالكٌ، والثَّوريُّ في جامعه.
في قوله: "لقد أدركت أبا بكر" فيه نظر، والذي في الموطأ:"أدركت عمر وعثمان"، وذلك أن عبد الله بن عامر بن ربيعة لم يدرك أبا بكر، فيكون حديثه عن أبي بكر مرسلًا لكنه في الموطأ بدون ذكر أبي بكر.
في هذا الأثر يقول: "فلم أرهم يضربون المملوك في القذف إلَّا أربعين"، وعلى هذا فيكون حد القذف بالنسبة للمملوك إذا قذف غيره يكون أربعين جلدة، فإذا صح هذا عن هؤلاء الخلفاء فالأمر واضح لنا فيهم أسوة، وإن لم يصح فإن القول الراجح أن المملوك في حد القذف كغيره ولا يصح قياسه على حد الزنا الذي ثبت فيه التنصيف بقوله تعالى:{فإذا أحصنَّ فإن أتين بفاحشةٍ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25]. ووجه عدم صحة القياس: أن القذف يرجع إلى معنى في غير المقذوف، والزنا يرجع إلى معنى في الزاني، كيف كان القذف يرجع إلى معنى في غير المقذوف؟ لأن القذف يلحق به العار؛ أي: المقذوف، وهذا لا فرق فيه بين الحر والعبد، لاسيما إذا كان العبد معروفًا بالتأني والثقة، فإن العار الذي يلحق المقذوف بقذف هذا العبد كالعار الذي يلحقه بقذف الحر ولا فرق.
ربما يقول قائل: إن قذف المملوك يعني: قذف العبد لغيره لا يؤبه به ولا ينظر إليه؛ لأن عادة العبيد في الغالب أنهم لا يهتمون بهذه الأمور، وأنهم يطلقون القذف ولا يبالون به.
فيقال: هذا وارد، لكن مثل هذا التعليل لا يمكن أن يخصص قوله تعالى:{والَّذين يرمون المحصنات ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً} [النور: 4]. ثم إن القذف من المملوك لا فرق فيه عندكم بين المملوك الذي يعتبر قوله والذي هو عند الناس بمنزلة الحر وبين المملوك الذي ليس بهذا المستوى.
فعلى كل حال: إن صح ما نقل عن هؤلاء الخلفاء فالأمر واضح؛ لأن لهم سنة واضحة، وإن لم يصح فالقول ما قاله أهل الظاهر أن المملوك كالحر يجلد ثمانين جلدة، ولا يصح قياس القذف على الزنا لما علمتم من أن الزنا يتعلق عاره بالزاني والقذف، يتعلق عاره بالمقذوف.
1179 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قذف مملوكه يقام عليه الحدُّ يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال". متَّفقٌ عليه.
قوله: "من قذف مملوكه" هل "من" شرطية أو موصولة؟ أما كونها موصولة فلا إشكال فيه؛ لأن قوله: "يقام عليه الحدُّ" مرفوع؛ يعني: لا إشكال بأن يأتي اسم الموصول مبتدأ وخبره فعل مضارع مرفوع، لكن إذا كانت شرطية فهنا إشكال كيف رفع الفعل المضارع وهو جواب الشرط؟ والجواب عن ذلك: أنه إذا كان فعل الشرط ماضيًا وجوابه مضارعًا جاز رفع المضارع وجزمه، وفي هذا يقول ابن مالك:
وبعد ماضٍ رفعك الجزا حسن
…
ورفعه بعد مضارعٍ وهن
يعني: أنه يجوز إذا كان جواب الشرط فعلًا مضارعًا وفعل الشرط فعلًا ماضيًا يجوز لك في الجواب وجهان الأول: الجزم وهو الأصل، والثاني: الرفع، فهل في مثل هذه العبارة نسلك ما لا إشكال فيه، أو نسلك ما فيه إشكال لنزيل الإشكال؟ أما الذي لا يعرف النحو سيقول: نسلك الأول ونستريح، والذي يريد أن يعرف النحو ويتعمق فيه يقول: سأسلك الذي فيه الإشكال حتى ينحل عني الإشكال.
قوله: "من قذف مملوكه" أي: قال له: يا زان أو يا لوطي، يقام عليه الحد يوم القيامة؛ لأن يوم القيامة هو الذي يظهر فيه العدل ظهورًا كاملًا، والمملوك في الدنيا لا يستطيع أن يطالب سيده في أن يقام عليه الحد؛ لأنه يخشى منه، ولأنه قد لا يصدّق في دعواه أنه قذفه
…
إلى غير ذلك من الأسباب التي قد لا تمكِّن المملوك من إقامة الحد على سيده بقذفه إيام ثم إن قلف السيد لمملوكه بالزنا أو اللواط يعود ضرره على السيد، لأن هذا المملوك إذا كان موصوفًا بهذا الوصف من قبل سيده فإن قيمته سوف تنزل، ولهذا لا يقام الحد على السيد؛ لأن الغالب أنه إذا قال ذلك فإنما يقول عن يقين أو غلبة ظن؛ إذ لا يمكن أن يصف عبده بصفة تنزل بها قيمته لأن هذا ضرر عليه في هذا الحديث عدة مسائل: المسألة الأولى: إثبات الملكية للبشر لقوله: "من قذف مملوكه"، وهذا الحكم ثابت بالقرآن والسُّنة، قال الله تبارك وتعالى:{إلَّا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنَّهم غير ملومين} [المعارج: 30]. والسُّنة كما رأيتم، وأجمع العلماء علي ثبوت الملكية للبشر.
ومن فوائد الحديث: تحريم قذف السيد لمملوكه، وجه ذلك: أنه يعاقب عليه يوم القيامة.