الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الولد الذي ربما يخلق من الزاني، وذلك لأن الولد للفراش وللعاهر الحجر، فالقول الراجح أن من زنت امرأته لا يلزمه أن يتجنبها وأما من وطئت بشبهة فيلزمه أن يتجنبها ألا يطأها، والفرق. ظاهر؛ لأن الحمل المخلوق من الشبهة يلحق الواطئ، وحمل الزنا لا يلحق الزاني إما مطلقا على رأي الجمهور أو ما يستلحقه ولا فراش على رأي بعض العلماء.
من فوائد الحديث: تحريم وطء الحامل إذا كان حملها لغير الواطئ؛ لقوله: "فلا يسقي ماءه زرع غيره"؟
ومن فوائده: أن من أسلوب البلاغة أن يذكر المتكلم ما يكون فيه التهييج والإغراء لقبول الكلام، لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يحل لامرئ لا يؤمن بالله واليوم الآخر".
ومن فوائده: إثبات اليوم الآخر والإيمان به شرط لصحة العقيدة.
ومن فوائده: أن النصوص تذكر دائمًا الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن الإيمان بالله يوجب الرغبة والرهبة وكذلك الإيمان بالله واليوم الآخر يوجب الرغبة والرهبة؛ لأن المآل إليه فيقرن الله تعالى بينهما دائمًا، وكذلك السُّنة تأتي بهما مقرونين دائمًا.
ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أن الجماع يزيد في الحمل؛ لقوله: "يسقي ماءه زرع غيره"، ومعلوم أن الماء إذا سقي به الزرع فإن الزرع ينمو ويزداد، وقل قال الإمام أحمد: إن الجماع يزيد في الحمل في سمعه وبصره ونموه، وهذا على كل حال ينظر فيه إلى ما يقرره الطب هل هو يزيد أو لا يزيد؟ فإذا قلنا: إنه يزيد في الحمل قوة ونشاطا فهل نرغب في وطء الحامل من أجل هذه الفائدة؟ الجواب: نعم نرغب، إلا أنه في الأشهر الأخيرة فإنه ينبغي للإنسان أن يتجنب الجماع فيها، لأنه ربما يضر المرأة ويشق عليها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهمَّ من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم فاشقق عليه".
ومن فوائد الحديث: جواز وطء الحامل إذا كان الحمل له مثل أن يطئ امرأة بشبهة، فتحمل منه ثم يتزوجها، فان النكاح صحيح وله أن يجامعها؛ وذلك لأن الولد له فقد سقى ماءه زرعه أي: زرع نفسه فجاز.
أحكام امرأة المفقود في العدة وغيرها:
1077 -
وعن عمر رضي الله عنه في امرأة المفقود: "تربص أربع سنين، ثمَّ تعتدُّ أربعة أشهرٍ وعشرًا". أخرجه مالكٌ والشَّافعيُّ.
عمر هو ابن الخطاب الخليفة الثاني للأمة الإسلامية رضي الله عنه وهو ممن يوفق للصواب دائمًا
حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن يكن فيكم محدَّثون فعمر"؛ أي: ملهمون موفقون للصواب، وهو أحد الخلفاء الذين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباعهم:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين" بل قد نص عليه وعلى أبي بكر فقال: "اهتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر"، وقال: إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا". وإنما قدمنا هذه المقدمات لبيان فضله رضي الله عنه والرد على الرافضة في إنكار فضله وكراهتهم له، ولشيء آخر وهو أن له سنة متبعة وأن قوله حجة ما لم يعارضه نصُّ.
أما قوله: "في امرأة المفقود" فالمراد بالمرأة هنا: الزوجة، والمفقود هو الذي انقطع خبره فلم يعلم له حياة ولا موت مثل أن يسافر ثم تنقطع أخباره، مشارك في جهاد ثم تنقطع أخباره يخرج في إغاثة أحد ثم تنقطع أخباره المهم أنه هو الذي أنقطع خبره فلم يعلم له حياة ولا موت، قال:"تربص أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا"، "تربص": تنتظر "أربع سنين ثم تعتد" وهذه العدة التي ذكرها رضي الله عنه هي عدة المتوفى عنها زوجها، وعلى هذا فتتربص أربع سنين ثم يحكم بموته فتعتد زوجته عدة الوفاة ويقسم ماله ويكون ميتًا هذا معنى الأثر عن عمر.
وهل هذه المدة في الشرع أو اجتهاد؟ الصحيح أنها اجتهاد ثم هل هذه المدة فيمن يغلب على الظن سلامته أو فيمن يغلب على الظن هلاكه؟ الفقهاء يقولون: هذه فيمن يغلب على الظن هلاكه كرجل خرج في جهاد أو في مفازة وهي الأراضي الواسعة المهلكة أو خطف من بين أهله فهذا ينتظر أربع سنين تشريعًا، ولكن الراجح أن هذا من باب الاجتهاد، والحكم في كل قضية بعينها وأن الحاكم يضرب المدة التي يغلب على الظن بها موته أو يتيقن؛ وذلك لأن الناس يختلفون والفقدان يختلف فمن الناس من هو مشهور إذا فقد أمكننا أن يغلب على ظننا موته في خلال أشهر لا سنوات، ومن الناس من هو مغمور لا يعرف من عامة الناس لو فقدّ لم يلتفت له ولم يحتفل له فهذا تضرب له مدة أطول كذلك أيضًا الفقدان يختلف قد يكون فقد في حال يغلب على الظن أنه لو كان حيًّا لبان وقد يفقد في حال يكون بالعكس فإذا كان الأمر كذلك صار الحكم أن ننظر كل قضية يعيبها ونحكم لها بما يناسبها ثم بعد ذلك نحكم بموته هذا هو الصحيح، وذلك من أجل إزالة الضرر عمن يتعلقون بهذا المفقود، وإلا لكان الوجه أن نذهب إلى ما ذهب إليه بعض العلماء من أن المفقود لا يحكم بموته إلا باليقين؛ لأن حياته
متيقنة واليقين لا يزال إلا بيقين فيبقى إلى تسعين سنة وبعضهم قال: إلى مائة وعشرين، وبعضهم قال: ينظر إلى أطول الأعمار من هذه القبيلة، بعض القبائل يكون إلى مائة وخمسين ومائة وستين، فننتظر مائة وستين سنة ثم نحكم بعد ذلك بموته، ولكن هذا قول ضعيف لا شك فيه، لأننا إذا حكمنا بهلا ضررنا بأناس كثيرين من، الورثة سواء كان المفقود وارثا أو موروثًا، فالصواب: أن الحاكم يضرب له مدة إنا غلب على الظن أنه هالك حكمنا بهلاكه، لو حكمنا بهلاكه ثم جاء بعد ذلك فماذا نصنع؟ نرد الأحكام حتى تنطبق مع أحكام كونه حيًّا، فمثلًا إذا كان قد ورث أخذنا المال من الذين ورثوه وإذا كان قد حرم من الميراث وأعطي شخصا آخر كما لو كان هو أخا شقيقا ومن أجل الحكم بموته أعطيناه العم الشقيق فإنه يؤخذ من العم الشقيق ويرد إليه؛ لأنه تبين أن مستحقه موجود فيرد إليه، الزوجة إن كانت لم تتزوج فالأمر سهل يستردها وإن كانت قد تزوجت فاختلف العلماء هل يفرق بين الدخول عليها أو عدمه أو الحكم سواء؟ في أن الزوج المفقود يخير بين أخذ زوجته أو إبقائها مع الزوج الذي أخذها فإن أخذ زوجته فالأمر ظاهر وإن أبقاها معه أخذ منه مقدار الصَّداق الذي أعطاها؛ لأن هذا الرجل لما تزوَّجها صار بمنزلة المتلف لها فيضمن للزوج الأول مهره، والصحيح أنه لا فرق بين الدخول وعدمه وأن المفقود يخير بين أخذ زوجته وعدمه إما أن يبقيها وإما أن يأخذها، إذا أخذها وقال الثاني: أعطني المهر نقول لا شيء لك لأنك قد دخلت على بصيرة فأنت تعلم أن هذه امرأة مفقود، في احتمال أنه يوجد ثم إنك استحللت فرجها فلها المهر بما استحللت من فرجها ولا شيء لك.
1078 -
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان"، أخرجه الدَّارقطنيُّ بإسناد ضعيف.
هذا الحديث لو صح لكان فاصلًا للنزاع، لأنها تبقى حتى يأتيها البيان لكن هذا الحديث ضعيف سندا وشاذٌّ متنًا؛ وذلك لأننا لو ألزمنا امرأة المفقود بأن تبقى حتى يتبين صار في هذا ضرر عظيم عليها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا ضرر ولا ضرار"، بل قال الله تعالى للمطلقين:{ولا تمسكوهنَّ ضرارًا لتعتدوا} فنفى الضرار عن المرأة وعلى هذا فالحديث لا حجة فيه والعمل على الأثر الذي صح عن عمر رضي الله عنه أنه يضرب مدة حتى يغلب على الظن أو يتبين أن المفقود قد مات ونحكم بذلك.
1079 -
وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. "لا يبيتنَّ رجلٌ عند امرأةٍ، إلا يكون ناكحًا، أو ذا محرمٍ". أخرجه مسلمٌ.
"لا" ناهية، والفعل هنا ليس مجزومًا ولا الناهية عملها الجزم فلماذا لم نر الجزم هنا؟ الجواب: أن هذا الفعل متصل بنون التوكيد، والفعل المضارع إذا اتصل بنون التوكيد أو بنون النسوة صار مبنيًّا لا معربًا فلا يتغير باختلاف العوامل، فهو مع نون التوكيد يبني على الفتح، ومع نون النسوة يبنى على السكون قال الله تعالى:{كلا ليبدنَّ في الحطمة} [الهمزة: 4].
وقال تعالى: {والمطلقات يتربصن} . إذن "لا" ناهية والفعل مبني على الفتح في محل جزم، وقوله:"لا يبيتن رجل"، "رجل" نكرة في سياق النهي تشمل أيَّ رجل، سواء كان من أقارب المرأة أو من الأباعد، وسواء كان ممن يثق بنفسه أو لا يثق، وسواء كان شابًّا أو شيخًا كبيرًا لا حراك به؛ لأن مقتضى النكرة هكذا، وقوله:"رجل" المعروف في اللغة العربية أن لفظ رجل يراد به البالغ ولكن إذا نظرنا إلى قوله تعالى: "أو الطفل الذين لم يظهروا عل عورات النساء} [النور: 31]. تبين أن الطفل الذي ظهر على عورات النساء حكمه حكم البالغ فإن من الأطفال من يكون ظاهرا على عورات النساء له شغف بهن وله تصور فهذا وإن لم يكن بالغًا لكنه يخشى إن لم يعبث غيث به لا سيما إن كان كبير الجسم، إذن فنقول كلمة رجل وإن كانت للأصل للبالغ، فإنها هنا يراد بها: البالغ ومن دونه إذا كان من الأطفال الذين ظهروا على عورات النساء وهل يشمل العاقل والمجنون أو العاقل فقط؟ يشمل العاقل والمجنون بل وفي المجنون أولى فلا يمكن المجنون من أن يبيت عند امرأة وقوله: "عند امرأة" نقول فيها ما قلنا في رجل، الأصل أن كلمة امرأة للبالغ لكن الظاهر هنا أنه يشمل من تتعلق بها الرغبة وإن لم تكن بالغة أما الصغيرة الطفلة فلا تدخل في الحديث قطعا.
وقوله: "إلا أن يكون ناكحا" هو الزوج والناكح، هنا: المعقود له النكاح وإن لم يدخل بها أو ذا محرم، أي: صاحب محرم أي حرمة، وذو المحرم كل من تحرم عليه المرأة ينسب أو رضاع أو مصاهرة، فالمحرمات بالنسب سبع ولم نكن بعيدين عهدا بهن والمحرمات بالرضاع مثلهن سبع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" والمحرمات بالصهر أربعًا: أصول الزوج، وفروعه، وأصول الزوجة، وفروعها حسب الشروط المعروفة في ذلك فخرج بقوله:"ذا محرم" من ليس بذي محرم كالقريب الذي لا تحرم عليه المرأة أي لا يحرم عليه نكاحها فهذا ليس بمحرم ولو كان من أقرب الناس إليها كابن العم وابن الخال، قد يقول قائل:
ما مناسبة هذا الحديث لباب العدة والاستبراء؟ لأنه لا يظهر لنا وجه في ذكره في هذا الباب؟
فيقال: لعل المؤلف ذكره في هذا الباب اعتبارًا بأن المعتدات قد يحتجن إلى من يبيت عندهن إذا مات أزواجهن وانفردن بالبيت، فأراد المؤلف أن يبين إلى أن المرأة لو احتاجت إلى من يبيت عندها فإنه لا يبيت عندها إلا محرم أو زوج.
في هذا الحديث دليل على فوائد منها: خطورة اجتماع الرجل والمرأة إذا لم تكن ذا محرم منه أو زوج، وجه الخطورة النهي عن ذلك؛ لأن الشرع لا ينهى عن شيء إلا وفيه مفسدة إما راجحة وإما خالصة.
ومن فوائده أيضًا: تحريم خلو الرجل بالمرأة إلا أن يكون ناكحًا أو ذا محرمٍ، ويكون ذكر المبيت على سبيل المثال، وإن كان قد يعارض معارضٌ فيقول: المبيت أخطر من مجرد الانفراد والخلوة؛ لأن المبيت سوف يبقى عندها ليلة كاملة بخلاف من انفرد بها ساعة أو ساعتين ولكن يقال: إن العلة واحدة وهي الخوف على المرأة ويؤيد هذا الحديث الذي بعده.
ومن فوائد الحديث: عناية الشرع بالأخلاق؛ لأن مثل هذه الحال سبب للفاحشة المنافية للأخلاق.
ومن فوائد الحديث: جواز بيتوتة المحرم مع ذات المحرم منه وظاهر الحديث الإطلاق؛ يعنى: سواء كان مأمونًا أو غير مأمون.
لكن هنا غير مراد، المراد "ذي المحرم": المأمون، أما من ليس بمأمون فإن كغيره بل قد يكون أوجب، بل قد يكون الحظر منه أوجب من غيره.
فإن قلت: وهل يمكن الذي محرم أن يفعل الفاحشة بمحرمه؟
فالجواب: نعم يمكن، وهذا وقع- والعياذ بالله- من زنى ببناته، ووقع من زنى ببنات أخيه كما أخبرنا عن ذلك الثقات، والشيطان إذا بعد الإنسان من الإيمان لعب به وبعقله ومروعته، وإلا فلا يمكن الذي مروءة أن يزني بمحارمه أبدًا لكن الشيطان إذا استولى على قلب الإنسان واستحوذ عليه أنساه ذكر الله وصار كأنه بهيمة، المهم: أن الحديث ليس على إطلاقه بجواز بيات ذي المحرم مع ذات المحرم منه، بل يشترط أن يكون أمينًا، وهل يشترط العلم بالأمانة أو الأصل هي الأمانة؟ الأصل في ذوي المحارم أن يكونوا أمناء، لكن إذا علمنا أنه ليس بأمين فحينئذٍ نقول: لا تبت ولا نأمنه عليها.
* * *